مآلات هزيمة داعش والنظام في معركتي حلب

السبت 2016/08/13

التوافق الظرفي بين مصالح داعش والنظام السوري تكرر مرات منذ نهايات 2013، ولم يعد في حاجة إلى دليل. لكن الربط بين العدوّين المعلنين، وظيفيا، يحتاج إلى دليل قبل أن نستنتج أن داعش من صناعة النظام السوري بالتعاون مع بقايا مخابرات صدام حسين في العراق، ومع إيران.

في السياسة، كل شيء ممكن! وما دامت القوات الكردية حليفة النظام وعدوته في الوقت نفسه، لماذا لا يكون داعش حليفا وعدوا في الوقت نفسه. منطق هذا التساؤل أن للأكراد والنظام عدوا مشتركا يتمثل في مقاتلي المعارضة، من المعتدلين والمتطرفين. كما أن مقاتلي المعارضة أنفسهم أعداء للنظام وداعش. لكن مصالح هذه الأطراف تلتقي وتفترق كلما فرضت المصلحة ذلك.

تعبر المصلحة الكردية بين القوات الكردية والنظام السوري غالبا عبر روسيا، وأحيانا عبر أميركا وروسيا اللتين تثقان بالأكراد دونا عن المعارضين الآخرين في قتال داعش. هذه التشابكات يدعي كل طرف فيها أن علاقته مع العدو المعلن تكتيكية تتعلق بظروف الحرب والمصالح الآنية.

الأمر الأكثر دلالة على ذلك هو العلاقة بين داعش والنظام، حيث يبيع داعش النظام ثلثي حاجته من النفط من الآبار التي يسيطر عليها التنظيم في دير الزور منذ ربيع 2014.

في الأسبوع الأخير، بدا أن النظام وداعش ينهزمان، في حلب المدينة، وفي منبج شرقها. هزيمة النظام جرت أمام تشكيل مختلط من المعارضة يضم فصائل منضوية في غرفة عمليات جيش الفتح، أهمها “النصرة”، أو ما بات يُدعى “جبهة فتح الشام”، كما يضم فصائل تتبع نظريا الجيش السوري الحر.

أما هزيمة داعش أمام “مجلس منبج العسكري” فبدأت بوادرها منذ أكثر من شهرين، لكن فصولها الأخيرة لم تتم بعد. و“المجلس” هو تسمية إعلامية لـ“قوات سوريا الديمقراطية” التي تتبع بدورها “مجلس سوريا الديمقراطية”، حيث يقود مقاتلون أكراد المعارك بدعم جوي من طيران التحالف الدولي ضد داعش. الهزيمتان، في تواقتهما، يمكن النظر إليهما كهزيمة واحدة لطرفين يعادي أحدهما الآخر، نظريا.

الهزيمتان جرتا في غياب الصوت السياسي الفاعل في هذه المعركة. إلا إذا صدقنا أن أميركا وتركيا ودول خليجية رفعت الحظر المفروض مؤقتا على السلاح، و“أمرت” بخوض المعركة. الآلة الانتقامية الروسية استأنفت عملها الدموي بعد فك الحصار عن مناطق المعارضة في حلب، متخذة من إسقاط المروحية الروسية في اليوم الثاني من معركة فك الحصار على حلب ذريعة مباشرة لزيادة عدد غاراتها في ريف إدلب وحلب.

نتائج المعركتين الهزيمتين تحتاج إلى وقت أطول لرصد مفاعيلها. لكن تصور أن ذلك سيكون تحولا استراتيجيا في المعارك غير واقعي حتى الآن. فالنظام لا يزال في بعض حلب، كما أن داعش لا يزال في بعض مدينة منبج وبعض ريفها، ويستطيع انغماسيّوه توجيه ضربات “الضباع” ضد القوات الكردية هناك، كما فعلوا بعد معركة عين العرب – كوباني وبعد انسحابهم من تل أبيض. مع ذلك يمكن تصور أن هنالك إرادة دولية للإمعان في كسر شوكة الطرفين، ومن ورائهما روسيا. ولا يعني تعبير إرادة دولية تضارب مصالح بين روسيا وأميركا بل قد يكون اتفاقا على إنهاك النظام والمعارضة.

يبقى المجهولان الأساسيان في المعادلات المتشابكة داعش والأكراد. وإذ لا خلاف على الحرب على داعش، يحتار المراقب في الأكراد، كونهم يتمتعون بدعم كل الأطراف الفاعلة في مناطق المعارك الحالية، إذا استثنينا عجز تركيا والمعارضة السورية عن الحد من استغلال الأكراد للظروف قصيرة الأجل.

كل ذلك يمهد لمسار تحجيم داعش ودحره ببطء نحو الرقة. بعدها، ليس أمام التنظيم إلا دير الزور، بعد أن تكون الرقة جثة. والرقة، للتذكير، تكاد تخلو من سكانها الأصليين، لكنها الآن مسكونة بما يفوق عدد سكانها من النازحين من مناطق في حلب وحمص وتدمر، كون هذه أخطر نارياً من الرقة، بحيث فضل النازحون حكم داعش الظلامي على العيش في مناطق تشكل ساحات للمعارك والقصف الجوي من كل الأطراف ضد بعضها.

وعلى فرض أن الرقة سقطت واندحر داعش نحو دير الزور، فهل سيتابع طيران التحالف والقوات الكردية، حربهما ضد داعش هناك، ما يعني تشكيل جبهة مع النظام وروسيا ضد داعش أم سيتسلم النظام والطيران الروسي عصا التتابع من التحالف الدولي في السباق للقضاء على داعش؟

الإرادات المتشابكة المتنافرة لا تتفق على عدو وحيد، فمقاتلو المعارضة أعداء للنظام وروسيا، وبعض مقاتلي المعارضة أعداء لأميركا، والأكراد “أعداء” مؤجلون لمقاتلي المعارضة، وداعش عدو لكل السوريين، بل وبعض الأكراد “أعداء” لبعض الأكراد المشتبه في تحالفهم مع نظام دمشق.

على هامش تلك التشابكات السياسية العسكرية، يبدو “الائتلاف”، و”الهيئة العليا للمفاوضات” عاجزين عن تحقيق آمال الشعب السوري، لكنهما، لحسن الحظ، لا يزالان “يمانعان” الإرادة السياسية الدولية، بتفريغ الثورة السورية مما تبقى لها من مضامين باتجاه تسوية على صيغة “لا غالب ولا مغلوب”، حتى بعد قتل النظام مئات الآلاف من السوريين.

كاتب وصحافي سوري

9