مأثرة مانديلا ونهايات حكامنا

الاثنين 2013/12/09

لا مجال للمقارنة بين نيلسون مانديلا ومعمر القذافي. لا يكفي أن الاثنين كانا رئيسين أفريقيين لتكون المقارنة بينهما ممكنة.فالرجل الذي احتكر السلطة في ليبيا لأكثر من أربعين سنة بعد انقلاب عسكري قام به لا يشبه في شيء رجلا وصل إلى السلطة بعد حوالي ثلاثين سنة قضاها في السجن مدافعا عن حقوق مواطنيه.

هناك فرق جوهري بين حاكم لم يغادر السلطة إلا قتيلا بعد أن وصف شعبه بالجرذان، وبين زعيم قرر بعد أن اطمأن على مستقبل شعبه أن يذهب إلى هناء التقاعد المريح. ولكن أكان ضروريا بالنسبة لليبيين أن يُقتل زعيمهم الذي لطالما احتفوا به في مؤتمراتهم الشعبية بطريقة مذلة ومهينة؟

يصحّ ذلك السؤال أيضا في حالة صدام حسين، الرئيس العراقي الذي تم تنفيذ حكم الإعدام به من قبل عصابة طائفية في فجر يوم العيد بسبب تصديه لعصابة حاول أفرادها اغتياله.

لقد صنع حكامنا مصائرهم المبتذلة بأيديهم. هذا صحيح. كانت قسوتهم الشخصية أكبر من أن يحتويها مبدأ القمع الذي يمارسه النظام من أجل الحفاظ على استقرار الدولة. فكانت النتيجة أن تشبعت الشعوب بثقافة، لا تتخطى مفرداتها مبدأي الثأر والانتقام. وهما المبدآن اللذان نبذهمــا مـانديـلا، حين أحــل مبدأ التســـامح محلهمــا.

لم تكن السلطة بالنسبة لمانديلا غنيمة. فالرجل الذي انتصر على عنصرية البيض كان هدفه الأساس أن يهزم العنصرية، بيضاء كانت أم سوداء ليبني وطنا، يشترك الجميع في صياغة مفردات مستقبله. لقد صنع مانديلا شعبا من لحظة حرجة، كان من الممكن أن تؤدي إلى عداء مستأصل قد يمتد لقرون طويلة.

في المقابل فإن الحكام العرب الذين لم يثقوا بشعوبهم، وقدموا مبدأ البيعة الشخصية بما يتضمنه من ولاء انتهازي ووصولي منافق على مبدأ الانتماء الصادق إلى الوطن، كانوا قد قزّموا تلك الشعوب واستنزفوا قدراتها الإبداعية ومواهبها الخلاقة في مسيرات عبثية، اتضح في ما بعد أنها كانت تهدف إلى تكريس وجود الحاكم إلى الأبد.

لقد خذل الحكام العرب شعوبهم ومشوا بها في طريق الخيانة. فكان إنكار المبادئ الإنسانية والأخلاقية السبيل الذي اتفق من خلاله الحاكم مع الشعب لتصفية الحسابات العالقة بينهما. فبالقوة التي كان فيها الحاكم لا أخلاقيا، كان الشعب هو الآخر يزن سلوكه في ميزان لا أخلاقي.

كان قتل صدام حسين رغبة إيرانية ملحة في الانتقام من الشخص الذي أدخلها في حرب طويلة والحق بها هزائم عديدة، غير أنه كان في الوقت نفسه تجسيدا لرغبة الولايات المتحدة في عرض صورة للشعب العراقي، باعتباره صنيعة لفكرة الانتقام الطائفي.

سيكون علينا في المستقبل أن نقف في مواجهة عقدة ذنب، لن تفلت من آثارها السلبية الأجيال القادمة. وهي العقدة التي استطاع زعيم ممتلئ بإنسانيته مثل مانديلا أن يجنب شعبه السقوط في هاويتها.

لقد انتصر نيلسون مانديلا لشعبه حين صنع دولة، يكون فيها البيض مواطنين، بغضّ النظر عن لون الحاكم الأفريقي.

إنها مأثرته التي جعلت أعداءه يمشون إليه حفاة من أجل أن يلتقطوا معه صورا فوتوغرافية، قد تتيح لهم فرصة النفاذ إلى الجزء النظيف والنقي من التاريخ.

الآن يقف العالم كله إجلالا أمام جثمان المعلم الأفريقي، الذي عرف كيف يمكن أن يكون مخلصا لمبادئه الأخلاقية إلى النهاية، بما يعني تكريس نزعة الإخلاص إلى المستقبل، باعتباره الحقيقة الوحيدة التي تستطيع من خلالها الشعوب تلمس الطريق إلى مصيرها.

أما الحكام العرب فقد كانوا ماضويين بقسوة تجلياتهم وعنف رؤاهم، فكانت الجريمة هي المقياس الذي صارت شعوبهم تعود إليه لمعرفة درجة حريتها.لقد علم مانديلا شعبه الحرية من خلال العدل، فيما انهمك حكامنا في تدريس فعل الغدر.


كاتب عراقي

9