مأزق الاستعانة بقيصر

لو توقفنا عند تجارب جميع الذين حاولوا الاستعانة بقيصر، أي قيصر وكل قيصر، في التاريخ الإنساني وفي تاريخنا العربي على وجه خاص، لوجدنا النتيجة واحدة، حيث الخذلان والذل والندم.
السبت 2018/03/17
تسليم العراق إلى القيصرين الأميركي والإيراني ، دمَّر جميع البنى في هذا البلد العريق

في البدء أقول، إن القيصر هنا، هو القوة الأجنبية، أو هو القوة التي يمثلها حكم أو حاكم أجنبي، وكانت البداية في تحول هذه المفردة إلى رمز، قد اقترنت ببيتين من الشعر قالهما امرؤ القيس:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه/ وأيقن إنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما/ نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
أما امرؤ القيس، فهو ابن الحارث من ملوك كندة، ويعد من أهم الشعراء العرب قبل الإسلام، وهو من شعراء المعلقات وقد اشتهر بلقب الملك الضليل. وكان والده قد قتل في صراع قبلي وخسر ملكه، فعزم امرؤ القيس على استعادة ملك أبيه مع أنه لم يكن أكبر أخوته، وقرر أن يستعين بقيصر الروم في استعادة ملك أبيه، فتوجه إليه برفقة واحد من رجالات أبيه، قال بعض مؤرخي الأدب، إنه عمرو بن قميئة. وتقول الرواية إن القيصر استقبله وأكرمه بدليل قوله:
ونادمت قيصرَ في ملكه/ فأوجهني وركبت البريدا
وهنا تتداخل الرواية بالأسطورة، حيث قيل إن قيصر أوهمه، بأن بعث معه جيشاً يضم أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأهداه في الوقت ذاته، بدلة مسمومة حين ارتداها تناثر لحم جسده بفعل السم، وتقول رواية أخرى بأنه أصيب بالجدري، وفي الروايتين يموت وتفشل مهمته بالاعتماد على قيصر في استعادة ملك أبيه.
إن رواية البدلة المسمومة التي أهداها القيصر إلى امرئ القيس، أكثر تطابقاً مع البعد الرمزي لهذا الحدث التاريخي، سواء كان حقيقياً أم لم يكن، وبخاصة إن موقف القيصر هذا، جاء كما تقول الرواية، بناء على نصيحة من مستشاري القيصر، بأن نجاح امرئ القيس في استرداد ملك أبيه، قد يجعل من حكمه قوة عربية تضر بمصالح الروم.
إن الشاعر محمود درويش خير من وظف رمزية هذه الحادثة في شعرنا المعاصر، بتوقع مآل الاعتماد على قيصر – الأجنبي، حيث لن يكون هذا المآل مختلفاً عمّا آلت إليه محاولة امرئ القيس، وذلك في قوله:
سنختار سوفوكل قبل امرئ القيس/ مهما تغيَّرَ تين الرعاة وصلى لقيصر أخوتنا السابقون/ وأعداؤنا السابقون معاً.. في احتفال الظلام
وقوله أيضاً:
لم يقل أحدٌ لامرئ القيس.. ماذا صنعت بنا/ وبنفسك، فاذهب على درب قيصر/ خلف دخان يطل من الوقت أسود/ واذهب على درب قيصر/ وحدك.. وحدك .. وحدكَ/ واترك لنا هاهنا لغتك
وقد نبهنا الباحث خليل الشيخ في كتابه “السيرة والمتخيَّل” إلى أن رمز قيصر امرئ القيس، كان حاضراً في وعي درويش، في إحدى رسائله إلى الشاعر سميح القاسم، جاء فيها:” ولكن هل استطاع امرؤ القيس، أن يوقف المذبحة وأن يسقط الطائرات، أو هل استطاع على الأقل، أن يمنع سواه ممن ساروا على دربه من اللحاق بقيصر على الرغم من أنه أدرك الخيبة، ونبّه السائرين إلى أن صاحبه قد بكى”
ولو توقفنا عند تجارب جميع الذين حاولوا الاستعانة بقيصر، أي قيصر وكل قيصر، في التاريخ الإنساني وفي تاريخنا العربي على وجه خاص، لوجدنا النتيجة واحدة، حيث الخذلان والذل والندم، فلقيصر حساباته ومصالحه وهو غير معني بحسابات ومصالح الآخرين وأوهامهم.
وإذا كانت جميع تجارب الاستعانة بقيصر – الأجنبي، مريرة وخاسرة، فعندي إن من بين أكثرها مرارة وخسراناً، هي تجربة تسليم العراق إلى القيصرين الأمريكي والإيراني، فالنتيجة التي لا يُختلف عليها والتي يكررها ملايين المتابعين من عراقيين وغيرهم، هي إن تسليم العراق إلى هذين القيصرين وإلى سواهم أيضاً، دمَّر جميع البنى في هذا البلد العريق، الاجتماعية والقيمية والاقتصادية والثقافية والبيئية وغيرها، فإن استمر الحال كما هو عليه  فعلى العراق السلام ولا ينفع بكاء، كما لم بنفع بكاء صاحب امرئ القيس.

15