مأزق التحالف الدولي ضد داعش

الأربعاء 2014/11/19

يثير توجه الإدارة الأميركية لمراجعة استراتيجية التحالف الدولي ضد الإرهاب، جملةَ أسئلة كثيراً ما طرحت خلال الفترة الأخيرة على بدء عمليات التحالف قبل شهرين مضيا، ضد كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وتنظيم خراسان، في سوريا والعراق. وتتمحور هذه الأسئلة مجدداً حول آليات تلك الاستراتيجية وأطرافها، وجدواها، وحقيقة تعاونها مع نظام الأسد في ظل مؤشرين أساسيين أنها لا تتم بالتنسيق مع المعارضة السورية، وأنها تتسم بغموض أقرب إلى أجندة غير مفهومة بالنسبة لنا، لدى واشنطن، التي تفكر ما إذا كانت محاربة الإرهاب تستوجب، إضعاف الأسد أو إزاحته.

المحاولة الأميركية لاستراتيجية التحالف، التي أمر بها الرئيس أوباما مستشاريه قبل أيام، تأتي في ظل معطيات أساسية تتصل بأداء الإدارة الأميركية لملفات الشرق الأوسط، التي تشهد تعقيداً متلازماً مع الإخفاق الذي قلّما منيت إدارة أميركية سابقة على شاكلته. فقد اتسمت إدارة أوباما بالتردد والضعف، وعدم الحسم، خاصة بما يتصل بالملف السوري. يضاف إلى ذلك تأثيرات خسارة الديمقراطيين أغلبيتهم في الكونغرس لصالح الجمهوريين، الذين يوجهون على الدوام، انتقادات حادة لسياسة أوباما الخارجية والدفاعية، والطريقة التي يدير بها البيت الأبيض الحالة السورية. كما يؤخذ عليه ما اعتبرته أوساط الجمهوريين تهاوناً في اتخاذ استراتيجيات أكثر نجاعة في محاربة الإرهاب، كان من الممكن أن تؤدي إلى منع تنامي نفوذ وقدرات المنظمات والجماعات الإسلامية المتشددة في الشرق الأوسط، التي يُنظر إليها كخطر يهدد الأمن القومي و مصالح الولايات المتحدة، بشكل خاص.

من شأن الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، أن يكون تأثيرها مباشراً على السياسة الخارجية الأميركية، على صناعة القرار وتوجيه السياسات، وعلى ميزانيات مشروعات الإدارة الأميركية، بما فيها عمليات التحالف الدولي ومحاربة الإرهاب، التي تتولى واشنطن قيادتها. وجهة نظر الجمهوريين واضحة وثابتة لجهة أن تقوم الولايات المتحدة بعمل عسكري متكامل، بما في ذلك التدخل البري، في سياق معالجة الملفات الدولية الساخنة، كالملف السوري وداعش بغض النظر عن انعكاس ذلك على الولايات المتحدة. هذا الموقف تطبيق لمبدأ مسؤولية الولايات المتحدة على حفظ السلام العالم العالمي، ودورها الريادي في ذلك.

من المحتمل أن يبادر الجمهوريون الى طرح مشروعات، تتبنى تولي واشنطن دوراً أكثر فاعلية في استخدام القوة. هذا الأمر سيقود إلى تعثر خطط أوباما المربكة أصلاً، وفقاً لتباين أولويات مفهومي الدبلوماسية والقوة في العلاقات الدولية، بين الجمهوريين والديمقراطيين، إضافة إلى عرقلة تمويلها كما يحدث عادة في الكونغرس الأميركي، إذا لم يكن هناك توافق عليها.

هذا المشهد هو دافع أساسي لقرار الرئيس الأميركي، بإعادة النظر في استراتيجية التحالف الدولي، وتقييم مراحلها ونتائجها حتى الآن مع بروز تساؤل حول الموقف من نظام الأسد، وما إذا كانت الاستراتيجية يجب أن تشمله. لاشك في أنها تحتوي النظام السوري، بإبقائه تحت الخوف من أي خطأ يرتكبه يؤدي إلى إعاقة خطط التحالف، أو استهداف طائراته بأي شكل، وهو ما تحدثت عنه الادارة الأميركية بعد يومين من المراجعة، بتحذير الأسد من نتائج استهداف التحالف. هذا التحذير يقترب من سياسة الجمهوريين، لكنهم يطالبون بما يقود إلى تقليص الدورين الإيراني والروسي في المنطقة، وبالتالي مزيد من إخضاع نظام الأسد للأجندة الأميركية، وهو ما يتوافق عليه الساسة الأميركيون، بدلاً من إزاحة النظام أو المطالبة بتنحي الأسد بشكل جدي، في الحدّ الأدنى.

يبدو أن واشنطن مستمرة في التغاضي عن الجرائم المرتكبة في سوريا منذ ما يزيد على ثلاثة أعوام، من صنع الإرهاب وإيجاد بيئة ملائمة لانتشاره، ونظام الأسد في مقدمة أولئك الذين يمتهنون ممارسة الإرهاب. مع ذلك تتجاوزه استراتيجية التحالف، التي لم تفرز نتائج مباشرة وواضحة، فيما يتصل بمحاربة الإرهاب في المنطقة. على النقيض من تحجيم داعش، فإن -ومنذ سبتمبر الماضي- الدولة الإسلامية قد تمددت جغرافياً، وتعززت قدرتها القتالية، واجتذبت مزيداً من المنضويين إلى صفوفها.

في مواجهة عمليات التحالف، تمكنت داعش من فهم نقاط ضعفها، ومفاصلها، فأعادت بناء استراتيجية المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها على الأرض. فتمكن التنظيم حتى الآن -إلى درجة ملحوظة-، من الإفلات من نتائج حاسمة. واستطاع بالمقابل أن يكثّف عملياته ويصعّد من جرائمه الوحشية، في مختلف المناطق الذي نفذ فيها إعدامات في دير الزور وريف حلب وإدلب، وأخيراً عملية الذبح الاستعراضية لجنود سوريين أسرى، إضافة إلى الأميركي بيتر كاسينغ العامل في حقل الإغاثة الإنسانية. فيما يتجه الوضع في كوباني/عين العرب إلى ما يشبه حرباً مفتوحة طويلة الأمد، تستنزف أطراف الصراع المسلح، وتعمق الخلافات الإقليمية والدولية، والرابح الوحيد هو قوى الإرهاب.

نظام الأسد من جهة ثانية، تمكن بفضل السياسة الأميركية، ودعم موسكو وبيجين، من الإفلات من العقاب الدولي، على جرائم الإبادة المنظمة، وفي مقدمتها استخدام السلاح الكيمياوي. وشكلت عملية إرغام النظام على تسليم مخزونه الكيمياوي، مقابل عدم محاسبته، والتغاضي تالياً عن استخدامه الغازات محلية الصنع، غير المحظورة، نظراً لابتكار تركيبها، وطرق استخدامها في سوريا. وفي الواقع لم تكن هناك أي إجراءات دولية تمنع نظام الأسد من استمرار استخدام الكيمياوي بمختلف أشكاله ومستوياته، ضد المدنيين السوريين.

واليوم فإن استراتيجية التحالف الدولي، تمنح النظام السوري فرصة جديدة للاستمرار في استهداف المدنيين، تحت ذريعة محاربة الإرهاب، جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة، وبالتناوب مع طلعاتها الجوية.

وقد أتاح التحالف استغلال داعش، لما تسميه المواجهة مع الهجمة الصليبية الجديدة والأخيرة، التي سيندحر فيها الغرب في دابق. وتمكنت من حشد قوى جديدة ما كانت لتنضوي تحت رايتها، ولكن قدرة تنظيم الدولة، وسيطرته على الأرض، وترهيب المواطنين، جعل منه رأس حربة في مواجهة عدوان التحالف الصليبي، كما تنظر إليه داعش والنصرة على حدّ سواء.

إن تأخر الموقف الأميركي في حسم ملفات المنطقة، وعجز استراتيجيات التحالف تاليا، لن يقودا إلا لمزيد من التعقيد والفوضى، الرابح فيه نظام الأسد وداعش حتى اللحظة، في ظل معارضة دخلت النفق المظلم بسبب إغفالها دوليا، واستفحال صراعاتها الداخلية.


كاتب سوري

9