مأزق الجماعة الأم يضع إخوان أميركا على صفيح ساخن

الأربعاء 2014/04/30
الرهان الأميركي على الإخوان بتعلة التصدي للتيارات الجهادية أثبت عقمه ما رفع من حدة الأصوات المنادية بمراجعة الرهان

وضعُ جماعة الإخوان المسلمين في العالم أصبح يُطرح بإلحاح لسببين إثنين؛ الأوّل ارتبط بتصنيف الجماعة “إرهابية” و”محظورة” في عديد الأقطار العربيّة، فضلا عن النزوع البريطاني إلى التّحقيق في وضعها وأنشطتها التي تقوم بها على تراب المملكة، أمّا الثاني فيتصل بما راج طويلا في القراءات السياسية، عن الرّهان الأميركي على “الإسلام المعتدل” عموما والإخوان بشكل خاص. وبين الرّهان الأميركي على الإخوان وانسداد شرايين الجماعة في المنطقة العربية، أصبحت قراءة حال التنظيم الإخواني في الولايات المتحدة أكثر من ضرورية. فكيف يمكن تَبيُّن وضع التنظيم وعناصره ونفوذه في الولايات الأميركية على ضوء المتغيّرات الراهنة؟

تسُودُ جماعة الإخوان المسلمين في أميركا حالةٌ من التّرقب والانتظار، خشية صدور أيّ قرار يقضي بحظر نشاط التنظيم الإخواني في الولايات المتحدة وتصنيفه كـ”تنظيم إرهابي”، على أعقاب القرار البريطانيّ الذي اتّخذه رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، قصد إجراء مراجعة شاملة، بموجبه، لأنشطة جماعة الإخوان المسلمين البريطانيّة. ما قد يؤدى إلى حظرها ووضعها في مصاف التّنظيمات الإرهابية، على غرار ما حصل في دول أخرى، خَطَت سُلطاتها الخطوة نفسها في علاقة بهذا التنظيم.

تعالت أصوات إعلامية أميركيّة منتقدة، في الفترة الأخيرة، تجاهل حكومة بلادهم لمسألة إعادة النّظر في نشاط التنظيم الإخواني على الأراضي الأميركية (باعتبار أنّه يستفيد من القوانين التي تسنّ داخلها، والتي تسمح له بالتواجد على أراضيها وبممارسة أنشطه بحريّة، حتّى بلغ به الأمر إلى التّغلغل والتمدّد دون أن يتمّ الانتباه إليه).

وكانت جماعة الإخوان المسلمين في أميركا قد تمكنت على مدى عقود طويلة من بناء تنظيم قوي، شديد التنظيم، وله أوجه مختلفة، عمدت معه إلى إخفاء تبعيّتها للتنظيم الإخوانيّ العالمي، من خلال تغييرها لمسمّياتها، قصد الحصول على دعم أقوى وقُبول دولي أوسع.

وعملت الجماعة بجهد كبير، من خلال ذلك، على تنصيب نفسها كمتحدث باسم الجالية المسلمة هناك، وكممثل ووسيط “شرعي” بينها و بين حكومة الولايات المتّحدة وصناع القرار في الدولة.

والحقيقة أن العلاقة بين الحكومة الأميركيّة والإخوان الذين ينشطون على أراضيها، تمتد إلى خمسينات وستينات القرن الماضي، عندما هاجر الإخوان إليها باحثين عن موطِئ قدم لهم يمكّنهم من البقاء و ممارسة نشاطاتهم.

وقد كان لهم ذلك، حيث أنّهم استفادوا من كل التشريعات والقوانين التي سمحت لهم بالبقاء وممارسة حياتهم السياسية دون الخروج عن القانون، ما ساهم في تمددهم وانتشارهم. فكثرت الجمعيات الأهلية والمنظمات الطلابية والثقافية، والأنشطة الدينية في المدارس والمساجد، وتعدّدت المنظمات الحقوقية غير الربحية التابعة لهم. ثم ما لبثوا أن امتدوا في كلّ الولايات مكوّنين مجالس لهم وفروع لمنظمات، تعمل كلّها بأسماء مختلفة، ولكنها لا تخرج من تحت عباءة التنظيم.

جماعة الإخوان في أميركا، بنت تنظيما قويا، عمدت معه إلى إخفاء تبعيتها للتنظيم العالمي، قصد الحصول على دعم أقوى وقبول دولي أوسع

كل ذلك النفوذ القوي الذي تمتعت به جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتّحدة، إضافة إلى العلاقات القوية التي كانت تجمعها بالحكومة الأميركية، سهلت لها العمل بأريحية وساهمت في توسّعها، لكنّ ذلك لم يخرجها من دائرة الشكوك، حتى بعد إتمام الاتفاق الذي أوصلها إلى دفة الحكم في بعض دول الوطن العربي (مثل مصر وتونس). وهو ما فسره ردّ مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، عندما صرّح لجريدة الرّأي الكويتية، بـ“أنّ جماعة الإخوان المسلمين لا تشكل خطرا على واشنطن”، لافتا إلى “أنّ بلاده لم تتسلم حتى الآن أيّ إشعار أو طلب لوضع جماعة الإخوان أو غيرها من التنظيمات على اللاّئحة الأميركية للتنظيمات الإرهابية”. إلاّ أنه لم ينف إمكانيّة قيام واشنطن بهذه الخطوة، قائلا:”يمكن لواشنطن أن تنظر في الأمر، وما يعنيه ذلك من إمكانيّة ترحيل أيّ عضو أو متعاطف مع هذا التنظيم عن الأراضي الأميركيّة".

ولا يختلف رأي الدكتور محمد كمال الصاوي، المحلل السياسي في وزارة الدفاع الأميركية، عما جاء سابقا، حيث يؤكد “أنّ تنظيم إخوان أميركا هو جزء من التنظيم الدولي، إلاّ أنه الأقوى و قد يكون الأكثر فاعلية. ذلك أن بعض الشخصيات استطاعت الوصول إلى مناصب كبيرة في الدولة. حيث تمكّنوا من الوصول إلى الكونغرس، من خلال بعض الشخصيات المهاجرة الّتي ظهرت بوضوح كالسيدة داليا مجاهد والسيدة هوما عابدين (هندية الأصل) ومحمد الإبياري وغيرهم…

وكانت السيدة داليا مجاهد (مصرية الأصل)، قد عملت مستشارة إسلامية لدى الإدارة الأميركية بقيادة أوباما، وفي وقت سابق كانت تعتبر همزة الوصل بين التنظيم الإخواني والحكومة الأميركيّة في البيت الأبيض، كما عملت على نقل مقترحات وطلبات التنظيم الدولي إلى الرئيس الأميركي (أو العكس)، وذلك حسب ما ورد في صحيفة الأهرام الجديد الكندية بتاريخ 20 أكتوبر 2013. في حين أنّ، هوما عابدين، و هي صحفية منحدرة من أسرة باكستانية، عُيّنت مديرة إدارة لمكتب هيلاري كلينتون عندما كانت وزيرة للخارجية في حكومة باراك أوباما الأولى. و لم يكن دخول مجاهد وعابدين إلى دوائر القرار سوى فاتحة لدخول آخرين ممّن يحسبون على التيار الإخواني الأميركي. إذ نذكر على سبيل المثال عارف خان (باكستاني الأصل)، والذي يُعدّ من أبرز الوجوه الإخوانية الّتي عملت في دوائر صنع القرار الأميركيّة، حيث عُيّن من قبل أوباما في منصب مساعد وزير الأمن الداخلي عام 2009، وكان مكلفا باستراتجيّات الأمن الداخلي. وكان قبل ذلك قد شغل منصب المدعي العام الفيدرالي في لوس أنجلوس الأميركية منذ العام 1997 وحتى العام 2005، ثمّ تقلّد بعد ذلك مناصب حكوميّة عدّة في ولاية واشنطن.

تظاهر إخوان أميركا بعدم وُجود صلة بينهم وبين التنظيم الدولي، في حين أنّهم التنظيم الأقوى في العالم

وكانت بعض التقارير الإعلامية الإستخبارتية الأميركيّة، قد ذكرت دوره في أكثر من ملف، وخاصة في ما يتعلّق بتنظيم عدة لقاءات ومفاوضات بعضها معلن وأكثرها سريّ ما بين سنتي 2001 و 2011، بين ممثلين عن الإدارة الأميركيّة و آخرين عن جماعة الإخوان المسلمين.

وحول الأهداف التي يمكن أن يرسمها الإخوان لأنفسهم في أميركا، يشير المحلل محمد كمال الصاوي إلى نقطة مهمة، وهي أنّ إخوان أميركا لهم هدف واحد غير معلن، وهو أسلمة المجتمع الأميركي. لذلك فهم يعتمدون فكرا ومنهجا واستراتيجية طويلة الأمد، تبدأ بتغير الفرد ثمّ العائلة ثمّ الحي ثمّ الأمة.

ويتمّ ذلك عن طريق الراغبين في اعتناق الإسلام. ومن ثمّ انتخاب ودعم المسلمين الّذين يملكون عقلية مشابهة لهم، من أجل شغل مواقع سياسية هامّة.

ويشير الصاوي إلى أنّ تنظيم الإخوان المسلمين في أميركا، أثبت أنّ لديه قدرة فعالة على الحشد، وهو ما ظهر جليّا إبّان عزل مرسي عن منصبه على إثر ما حدث في مصر بعد خروج الناس إلى الشوارع في الـ30 من يونيو الفائت. لذلك يرى محمد كمال الصاوي أنّ ظهور الثورات العربية، ساهم كثيرا في بروز إخوان أميركا في المشهد السياسي، حيث أنّهم لعبوا دورا كبيرا في مساندة الإخوان المتواجدين في دول الثورات العربيّة للوصول إلى دفّة الحكم.

وبدا ذلك جليا في مساندتهم لكلّ من مصر وتونس وغيرهما. إلاّ أنّه ساهم، في ذات الوقت، في إظهار نواياهم أمام العالم كلّه، ما وضعهم في دائرة شك أكبر. فتعالت من ثمّة بعض الأصوات المنتقدة لهم، حيث طالبت بعض الدوائر السياسية والأوساط الأكاديمية والإعلامية تطويق نشاطهم. وأصبحت أهدافهم الحقيقية اليوم مكشوفة أمام أنظار الجميع، “أهداف ليست كما يصورونها على أنّها انتصار للدين، بل هي تسعى للوصول إلى كرسي الحكم”، حسب تعبير الصاوي.

13