مأزق العمل المسلح في الثورة السورية

السبت 2014/05/17

يبدو المشهد العسكري في سوريا اليوم كما لو أنه يميل بسرعة لصالح النظام السوري. فالأخير يواصل تحقيق “انتصارات” محدودة، لكنها متتالية ومتسعة باستمرار على نحو أثار الرعب في قلوب مؤيدي الثورة السورية.

وتكاد تجمع الآراء على أن نقطة التحول في المشهد العسكري لصالح النظام، كانت ساعة دخول المقاتلين الأجانب الذين تدفقوا من لبنان والعراق وإيران لدعم الجيش السوري المتآكل بعد عامين ونصف من القتال مع قوى شعبية ;راديكالية وضعت إسقاط النظام غاية لها.

كان ذلك بمثابة إنعاش لقوات النظام التي فقدت أعدادا كبيرة جدا من الجنود المشاة، كما فقدت السيطرة- بصورة دراماتيكية- على مناطق واسعة من البلاد، الأمر الذي هدد بسقوطها في حال لم يتحرك الحلفاء. لم يتردد حزب الله اللبناني في التحرك لمساندة النظام السوري، وذلك بعد أن ربط مصيره بمصير بشار الأسد شخصيا، مستبعدا كل الحلول السياسية التي يمكن أن تنتهي برحيله، وكذلك فعلت إيران والعراق. وهو ما أعاد التوازن للصراع العسكري الذي كان يميل لصالح المعارضة. خصوصا وأن ذلك تزامن مع مأزق كبير كان قد وصل إليه العمل العسكري في الثورة، أو في تلك المرحلة من العمل العسكري على وجه التحديد.

ففي المرحلة الأولى، نشأ العمل العسكري في الثورة لحماية التظاهرات السلمية، وكان عفويا بصورة تامة، لكن تزايد الانشقاقات عن الجيش النظامي، وارتفاع وتيرة البطش والتدمير، جعلا الثورة تندفع لتطوير مكونها العسكري.

هكذا، اشتد عود العمل المسلح، وأخذ شكلا أكثر اتساقا وانضباطا وتنظيما، وارتفعت أعداد المسلحين الذين يدافعون عن الثورة إلى حد جعله يجتاز مرحلة جنينية، ليدخل مرحلة أخرى يكون فيها تأثيره أكبر وقدرته أعلى.

حدث كل ذلك بالتزامن مع ارتفاع مستوى التكتيك القتالي ضد أجهزة النظام ومليشياته وحيازة الثوار على بعض الأسلحة المضادة للدبابات والمدرعات التي جعلت من اقتحام المدن مهمة عسيرة ومكلفة للغاية.

وهو ما دفع النظام لاستخدام المدافع والصواريخ البالستية والطيران الحربي لقصف مناطق خارج سيطرته عجز عن دخولها. وبالنتيجة فإننا شهدنا تطورا نوعيا في العمل المسلح، حيث أصبح ذا بنية تنظيمية ومهام ونشاطات لا ترتبط بشكل مباشر بالحراك الشعبي كما كانت سابقا (مهام حماية التظاهرات واغتيال المخبرين)، إنها مهام «عسكرية»، تعمل على تحقيق انتصارات عسكرية على النظام، وهو ما حدث بالفعل في تلك “الفترة الذهبية”.

لكن عنف النظام دفع قوات المعارضة إلى التحصن في مدن وبلدات معيّنة، عجزت السلطة عن دخولها إلا بتدمير شامل لها، وهو ما كان يتسبب في نزوح السكان عن المدينة وتوقف الحراك الشعبي.

إن انتهاء العمل الشعبي والتظاهر في المناطق التي يتمركز فيها الجيش الحر، حدث بوتيرة سريعة ومتزايدة، وهو أخطر ما حمله هذا الشكل من العمل المسلح على التعبئة الجماهيرية والمشاركة الشعبية، وهو ما باتت الثورة تدفع ثمنه بشكل أكبر اليوم مـع الفارق النـوعي في التسليح بين الجانبين.

لكن خطرا آخر لا يقل أهمية حمله هذا التشكل المستقل للعمل المسلح، وهو ارتفاع مستوى التدخلات الدولية والإقليمية في شؤون الثورة، وإذا كانت هذه التدخلات متعذرة في ثورة شعبية جامحة، فإنها أيسر في تشكيلات عسكرية محددة تحتاج إلى دعم كبير بالمال والسلاح لتحافظ على مواجهة متوازنة مع النظام المدجج بالسلاح. الأسوء كان اشتراطات بعض الداعمين، والتي كانت تتضمن رفع مستوى الخطاب الطائفي في الثورة، مستغلة البيئة الخصبة الناشئة عن مستوى العنف الجنوني الذي كان قد أطلقه النظام ضد الثورة.

هنا نصل إلى المأزق الثالث وهو سيطرة الطابع الديني، وفي كثير من الأحيان «الطائفي»، على خطاب المكون العسكري للثورة. وهو ما سهّل من مهمة النظام في بث الرعب في قلوب الشرائح الاجتماعية المتخوفة من الثورة، وضمان تماسكها واستمرار تأييدها له. وتعمّق مأزق الثورة بتشكل مجموعات أصولية متطرفة تتبع لتنظيم القاعدة، لم تلبث أن تحولت إلى عون للنظام على الثورة.

قبل عام من اليوم على أقل تقدير، بدا واضحا أن المكون العسكري للثورة السورية، وعند هذا المستوى من التسليح والتنظيم، لن يتمكن من إلحاق هزيمة عسكرية بالنظام الذي يدافع عن نفسه بجيش مدجّج بالأسلحة، ومعد عبر عقود لـ”مواجهة الكيان الصهيوني”.

لكن النظام أيضا ما كان ممكنا له أن ينجح في هزيمة الثورة التي تحظى بدعم شرائح شعبية واسعة، وترفض الاستسلام مهما كانت التضحيات. وهذا استعصاء آخر يحتاج إلى حل من جانب قوى الثورة أساسا، لأنها هي التي يدفع الثمن بصورة خاصة.

على قوى الثورة أن تواجه التحدي التالي: كيف نعيد هيكلة العمل العسكري بما يخفف من حجم الخسائر، ويجنبنا أسلحة النظام المدمرة؟


كاتب فلسطيني- سوري

8