مأزق النقد الثقافي

الأربعاء 2016/03/30

أصبح الاتجاه الجديد-القديم في نقد الفنون والآداب وهو ما يعرف بـ”النقد الثقافي”، يطغى كثيرا على معظم مدارس النقد، بل وامتد إلى النقد الذي ينشر في الصحافة العامة، وأصبح هناك ولع خاص بتطبيقه على الأعمال الإبداعية القادمة من ثقافة “الآخر”، أي من العالم غير الناطق بالإنكليزية والفرنسية، أو “العالم غير الأوروبي”.

يتعامل النقد الثقافي مع الإبداع، ليس كنتاج “نخبوي”، بل كنتاج يصلح للناس جميعا، ويجب أن ينظر إليه في إطار الثقافة الكلية السائدة في المجتمع، كما يهتم كثيرا بتأثير البعد الاجتماعي على المبدع (الكاتب، الشاعر، المؤلف، الموسيقار، الرسام.. إلخ) أكثر من اهتمامه بذات المبدع نفسه، وبتجربته الذاتية، وعلاقته بالوسيلة التي يبدع من خلالها، واهتماماته الجمالية التي قد تصل إلى قدر من التجريد يصعب الإحاطة بأسسه الاجتماعية عادة.

ويميل النقد الثقافي إلى الاهتمام بـ”الوصف” أكثر من “التقييم”، وفحص العلاقة بين العمل الإبداعي والعالم، مع إنكار أهمية الحكم عليه أو تقدير قيمته في سياق تاريخ تطور النوع الإبداعي، كما يهتم النقد الثقافي بعلاقة المنتج الإبداعي بغيره من الأعمال، وعلاقته بالأنماط الاقتصادية، والظروف الاجتماعية السائدة (وضع المرأة في المجتمع، العلاقة بين الجنسين، الإشارات ذات الدلالة السياسية، الوجود المستقل للأقليات وتبعيتها للمحيط الاجتماعي في الوقت نفسه أو خضوعها القهري أحيانا.. وغير ذلك).

هذه النظرة تحكم معظم الكتابات التي تتناول الأعمال الإبداعية القادمة من ثقافتنا، فقد تم تناول رواية “عمارة يعقوبيان” مثلا، ثم الفيلم كشكل فني آخر يقوم على الصور والعلاقات داخل النص الأصلي الأدبي، في الدوريات والصحف البريطانية، ليس كعمل فني مستقل، قائم بذاته يمكن الحكم على قيمته الفنية في إطار ما ينتج في عصره من أعمال مشابهة، بل كـ”دليل” أدبي على ما يحدث في “المجتمع” المصري وقت ظهور الرواية والفيلم، أي كبيان للعلاقات بين الجنسين، الصراعات الطبقية، تضاؤل دور الطبقة الوسطى، الكبت الجنسي والكبت السياسي والاجتماعي، دور الضباط في المجتمع المصري في ما بعد استلام السلطة في 1952، مقارنة بعالم الباشاوات في ما قبل 1952، القهر الاجتماعي والفقر كمنبع للتطرف الديني، تدهور أخلاقيات الطبقة الحاكمة (الفساد) وبروز الدور الأمني، الرفض الأخلاقي-الديني للمثلية الجنسية، وتضاؤل دور المثقف وهامشيته.

وقد تمتلئ هذه الكتابات بالكثير من المقاربات والمقارنات وتحليل الإشارات ودلالاتها الاجتماعية والسياسية، لكنها لا تخلص عادة إلى تحديد “القيمة” الفنية للعمل ككل في إطار مثيله مما ينتج في العالم الأوروبي مثلا، وذلك في إطار رفض اعتبار “القيمة الفنية” قيمة عليا ترتبط بنظم وأنساق فنية مستقرة، فالفكرة السائدة لدى دعاة النقد الثقافي هي أن لا شيء مستقرا على حاله، وهذا صحيح، لكن ما يشغل النقد الثقافي أكثر من غيره، هو الاهتمام باستنباط الدلالات السياسية والاجتماعية من العمل، أما على الصعيد الفني والإبداعي، فلا تؤخذ هذه الأعمال عادة على محمل الجد.

يظل المستوى الفني والأدبي “غامضا” أو مجهولا، وهو ما يجعل النقد الثقافي الغربي ينظر إلى كل الأعمال الأدبية والفنية التي يمكن استخراج بعض الدلالات الاجتماعية والسياسية منها، باعتبارها أعمالا مهمة، تلقى الكثير من الاهتمام والحفاوة، بينما قد يكون مستواها الفني نفسه محدودا للغاية، إذا ما أخضعت للتقييم من الزاوية الفنية والجمالية.

ولعل أكبر دليل على ما نقوله هنا، ما ينشر أحيانا من كتب تحوي ما أصبح يعرف باسم “أدب التشات”، أي تلك الكتابات الوصفية المليئة بالاستطرادات والثرثرة بلغة أنظمة التخاطب المتوفرة على مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت حاليا، وهي كتب وروايات تلقى عادة ترحيبا حماسيا من جانب بعض النقاد الجادين، لا لشيء سوى لدلالاتها الاجتماعية الخاصة، وجرأتها على كشف ما يتجاوز كثيرا أسقف الحرمان والقهر والجفاف القائمة واختراقها، دون أن يعني هذا أنها تتمتع في الواقع بأي قيمة أدبية.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

16