مأزق الواقع العربي الراهن: أزمة حاكم ومحكوم

ندوة "مأزق الوضع العربي الراهن" في منتدى أصيلة تدعو إلى التعامل بواقعية مع مختلف القضايا من الأزمات الداخلية إلى القضية الفلسطينية.
السبت 2018/07/14
رؤى تراهن على الأمل الممكن

دعا المشاركون في ندوة "مأزق الوضع العربي الراهن: الممكنات والآفاق"، ضمن فعاليات منتدى أصيلة، إلى العمل على بناء الإنسان العربي القادر على مواجهة تحديات التنمية، مع منح الشباب أولوية خاصة. وجاء ذلك ضمن سلسلة من الندوات الفكرية التي تنظمها مؤسسة منتدى أصيلة بغاية إثارة الأسئلة وشحذ همم النخب المفكرة، وذلك استمرارا وإثراء لمقاربات فكرية مستندة على التأمل والتحاور بهدوء وتبادل وجهات النظر سعيا إلى استنتاجات فكرية مفتوحة تراهن على الأمل الممكن.

أصيلة (المغرب) - هناك من يعتبر الحديث حول ما يمر به العالم العربي من أزمات مجرد ترف فكري ومناوشات ثقافية لا أكثر، ومن المرجح أن هذه الوضعية التي طال أمدها وتناثرت أسبابها حجبت الحقيقة الكامنة وراء المأزق الذي دخله العرب بأنظمتهم ومجتمعاتهم ما جعل جل الباحثين الأكاديميين والمسؤولين الذين اقتربوا من مطابخ القرار يقرون في ندوة احتضنتها مدينة أصيلة شمال المغرب يومي 11 و12 يوليو الجاري، بأن الوضع ازداد قتامة والحلول باتت من قبيل التنبؤ الحالم.

رفض هذا الطرح محمد بنعيسى أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، عندما بسط موضوع مأزق الوضع العربي الراهن: الممكنات والآفاق، أمام أنظار مجموعة من السياسيين والأكاديميين والمسؤولين الحكوميين من المحيط إلى الخليج لمناقشته في إطار ما دأب عليه موسم أصيلة الثقافي الدولي طيلة الأربعين سنة الماضية.

محمد بن عيسى: مأزق الوضع العربي حالة عابرة لا ينفع معها جلد الذات
محمد بن عيسى: مأزق الوضع العربي حالة عابرة لا ينفع معها جلد الذات

وأوضح بنعيسى أن الغاية من تنظيم هذه الندوة، التي تضم أسماء وازنة تمثل مختلف الأطياف الفكرية والسياسية والفعاليات الأكاديمية والإعلامية، هي الاستماع والاستفادة المتبادلة من كل الآراء والمقاربات، وليس إسداء النصائح وإذكاء الحماسة لتوجهات معينة وإنما مقاربة الوضع وتحليله من كافة أوجهه وزواياه.

وتركز النقاش على ثلاثة محاور تهم حراك الشارع ودور الأنظمة الحاكمة وموضوع التحول الديمقراطي، ومصاعب العبور من المأزق إلى الانفراج.

وأعرب جل المشاركين والحضور عن قلقهم البالغ بشأن الأزمة التي أصبح يعيشها العالم العربي، بعد مرور سبع سنوات على الحراك الشعبي، الذي وإن انتهى بسقوط عدة أنظمة في المنطقة، وتوَّجُه أخرى إلى اعتماد مجموعة من الإصلاحات لتفادي الأسوأ، إلا أن الوضع العام لا يزال مقلقا، إذ يحمل سلبيات كثيرة في الحاضر والمستقبل.

وتمت الإشارة بهذا الخصوص إلى أن المأزق الحالي ذو صبغة شمولية، ويهم كل البلدان العربية، التي أصبح من واجبها أن تبادر إلى إصلاحات عميقة، سواء في الداخل القطري أو في العلاقات الإقليمية البينية أو الدولية.

حراك الشارع العربي

عمرو موسى: القرن الـ21 هو زمن الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص
عمرو موسى: القرن الـ21 هو زمن الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص

هناك من اعتبر أن الحراك الشعبي أو ما اصطلح على تسميته بـ”الربيع العربي” الذي خلخل سكون العالم العربي في العام 2011، نتيجة منطقية للضغط الممارس من الأنظمة على الحريات وسلب الحقوق وغياب العدالة وتوسع دائرة الفساد وتغوّله.

وإلى هذه الرؤية، يميل تاج الدين الحسيني أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الرباط، مشيرا في مداخلته إلى أن حراك الشارع العربي في كل البلدان تقريبا أخذ اتجاهين؛ الأول عبارة عن ثورات واسعة استعمل فيها العنف المسلح والتغيرات لم تؤت المطلوب من شعاراتها المرفوعة، فلا ديمقراطية ولا حقوق ولا تطور، أما الثاني فتوجه نحو الإصلاح الذي لم يصل إلى مداه كون العالم العربي يعيش أزمة في تحقيق تنمية داخلية.

ويعتبر عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية سابقا، أن ما تعرفه جل الدول العربية من صراع وإرهاب وحروب أهلية وتراجع في الأداء الاقتصادي، تعبير عن أزمة فشل للنظام الرسمي العربي، الذي تجلى في عدم وصوله وتواصله مع النظم والأفكار العالمية.

ويعود سبب هذا الفشل كما يرى عمرو موسى، إلى الفساد المستشري وسوء إدارة الحكم في الكثير من الدول العربية من ناحية، ومن ناحية أخرى غياب سيادة القانون والعدالة. وأدى تراكم هذه النتائج إلى انهيار النظام فقام الحراك الشعبي في العام 2011.

وبعدما شخص أسباب الفشل، أقر عمرو موسى أن الشارع العربي يطالب بإصلاح المجتمعات العربية وتنشيط العمل الأهلي ومنظمات المجتمع المدني التي تهتم بالصحة والبيئة والتعليم، فالقرن الـ21 هو زمن الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لأجل الانطلاق نحو المستقبل وعدم تكرار أخطاء الماضي.

وخلال المئة عام الأخيرة لم يبرز نموذج ديمقراطي واعد ومندمج وملهم يستحق التعميم على جل البلدان العربية، يقول عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات العربية المتحدة.

ويتساءل عبدالخالق عبدالله عما يعيق التحول الديمقراطي في العالم العربي، مشيرا إلى أن المسار الديمقراطي معطل ولم يعد هناك اهتمام دولي بأي تحول ديمقراطي بالدول العربية فلا حاضنة دولية الآن وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية التي لم تعد مهتمة، بالإضافة إلى أن النماذج العالمية والإقليمية لا تشجع والنموذج التركي لم يعد يغري كنموذج ديمقراطي.

سميرة رجب: لا بد من تمتين العلاقة بين الشعوب والدولة كشريكين
سميرة رجب: لا بد من تمتين العلاقة بين الشعوب والدولة كشريكين

شددت الكاتبة البحرينية سميرة رجب على أن المنطقة العربية تتعرض لأخطر مأزق جيوسياسي هز أركان النظام العربي الرسمي ويعمل على نخر الدول العربية والحلول لهذا المأزق لن تأتي من الخارج بل لا بد من تشخيص الداء داخليا والبحث عن حلول جذرية، فالعامل الخارجي استثمر الأوضاع استراتيجيا لصالحه؛ فشل الدول العربية في بناء قوتها الداخلية وبناء تكتل إقليمي لمواجهة التحديات.

وترى رجب أن الانفراد بالسلطة عرقل الإصلاحات السياسية والاجتماعية وهو مكمن المأزق وصولا إلى الحالة الخطيرة من تكلس النخب الثقافية والسياسية مع تراكم الخلافات، وبالتالي لا بد من تمتين العلاقة بين الشعوب والدولة كشريكين.

وتضيف أن جذور المأزق العربي الراهن تكمن في أننا لم نحسم في مفهوم الديمقراطية وإدارة الحكم فلا يزال هناك قصور في تحديد المفهوم والشكل الذي يناسب العرب. والسؤال هو لماذا كان هناك رفض مستمر لفكرة الديمقراطية في مجتمعاتنا؟ ولماذا الأحزاب والنخب عجزت عن أن تمارس الديمقراطية حتى تكلست وخرجت من دائرة اهتمام الشعوب؟

لكن، لا يعني ذلك التعميم، فلا شكّ أن هناك استثناءات عبر مناطق تنعم بالكثير من مظاهر الاستقرار، تقول سميرة رجب إنها تمنح بصيص أمل، ويمكن اعتبارها أمثلة وتجارب يمكن أن تسعف الباحثين والمحللين بملامح وخطط عمل لتجاوز الأوضاع العسيرة التي تعصف بأغلب دول المنطقة.

وهنا، يذكّر محمد بنعيسى أنه عندما نتحدث عن مأزق الوضع العربي، فإننا لا نعمم ولا نبالغ وإنما نعني تحديدا مناطق بعينها، تعرف للأسف الشديد أزمات بلغت مستوى الحروب الداخلية، وكأن العقل السياسي فيها أخذ عطلة ممددة أو استقال عن التفكير بتعبير المفكر الراحل محمد عابد الجابري.

واستشهد بالتجربة المغربية، مشيدا بـ”الحكمة والشجاعة والإرادة الثابتة” للعاهل المغربي الملك محمد السادس، الذي “قرر بوعي وتفكير استباقي التصدي للمشاكل من جذورها واجتثات مسبباتها، ليس بالوسائل العنيفة والقرارات المتسرعة، بل بالحوار المنفتح والتأكيد عليه عبر إشراك كافة القوى والفعاليات السياسية والنقابية وتعبيرات المجتمع المدني”.

محمد قواص: لا بد من ربط أزمة الأنظمة بكل التطورات الراهنة
محمد قواص: لا بد من ربط أزمة الأنظمة بكل التطورات الراهنة

وبالتالي، ليس مأزق الوضع العربي قدرا ومصيرا بقدر ما هو حالة عابرة، قد تطول أو تقصر، ولا ينفع معها جلد الذات والتعبير عن الأسف واليأس، بل يجب التعمق في مراجعة هذه الحالة وفهم أسبابها مع ضرورة توفر الرغبة في تدارك الوضع.

وهنا، يربط المحلل السياسي اللبناني محمد قواص بين الرغبة في الخروج من المأزق وفكرة الإجماع، حيث يشير إلى أنه ليس هناك إجماع حول لماذا تفجر الوضع في العام 2011، وبالتالي ليس هناك إجماع حول طريقة الخروج من المأزق.

ولعدم إعادة نفس الخطاب، يرى قواص أنه لا بد من ربط أزمة الأنظمة بكل التطورات الراهنة التي يعرفها العالم ومعرفة الأسباب توصل إلى طرق العلاج. ودعا إلى عودة العرب، اليوم، للقضية الفلسطينية لتكون مركزية، لا ليزايدوا بها، بل ليعالجوا مشاكلهم مجتمعين، وإلى طرح سؤال ماذا يريد المواطن العربي من الغد، فهو أمر في غاية الأهمية لوضع الحلول.

ويلتقي في هذه النقطة مع حديث عمر موسى عن أن من التحديات الإقليمية التي تواجه النظام العربي هي وضعية القضية الفلسطينية وحلها حل عادل ومنصف، فالمبادرة العربية لسنة 2002 صفقة متوازنة للطرفين والتعايش والاعتراف المتبادل، ولا صفقة دون حل عادل، لا بد من الدفاع عن القضية.

ويقول عمرو موسى إن الوقت قد حان لبحث نظام عربي جديد يأخذ بعين الاعتبار الوضع الإقليمي في المنطقة الذي لا يرتبط فقط بإسرائيل بل كذلك إيران وتركيا، وإذا أحسنا التعامل مع أوضاعنا الداخلية يمكننا التعامل بندية مع هذه القوى الصاعدة إقليميا. ودعا إلى تجمع من سبع دول تتوافق على مصالح محددة لتشكيل نواة نظام عربي جديد.

وحذر نبيل عمرو وزير الإعلام الفلسطيني السابق، من أن صفقة القرن يجري تطبيقها على أرض الواقع حاليا دون إعلانها. فالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من أساسيات هذه الصفقة.

تاج الدين الحسيني: أغلب المجتمعات العربية تعاني من أزمة في تحقيق التنمية الداخلية
تاج الدين الحسيني: أغلب المجتمعات العربية تعاني من أزمة في تحقيق التنمية الداخلية

كيف يمكن الإصلاح

تعتقد سميرة رجب أن المهم هنا ليس تحليل الواقع وإنما تفهمنا وتوافقنا على الأزمة ومعناها ومطالبات المواطن بحياة أفضل، ومنها التعامل مع أزمة التعليم ومشاريع الصحة وأن يكون للنخب المثقفة اهتمام أكبر بما يتحدث به العالم كموضوع المناخ مثلا حيث سيتأثر العالم العربي بكل انعكاساته على الحياة العامة بلا شك، كما أنه لا بد من إطار ديمقراطي يمنع انفراد شخص أو مجموعة باتخاذ قرارات مصيرية تخص مستقبل ومصير الشعب.

وبداية الإصلاح تكون، كما قال تاج الدين الحسيني، من الإنسان وذلك بتجاوز أخطاء الماضي وإعادة الاعتبار للطبقة الوسطى التي تتآكل وتتلاشى، وأيضا مع الأحزاب السياسية التي فشلت في مهمة تأطير الجماهير وبالتالي فقدت مصداقيتها، فالطريق شاق وطويل لكن يبقى هناك الأمل في الإصلاح.

وإصلاح الوضع العربي للخروج من المأزق حسب المدير التنفيذي لمجلس علاقات العالم العربي مع أميركا اللاتينية والكرايب، حسن عبدالخالق، يكون من خلال إقامة أنظمة ديمقراطية ترفع من قيمة المحاسبة والمساءلة وتقسيم السلطات، وعدم النظر إلى الوراء وتجميد الخلافات لصالح مشروع مجتمعي.

كيف يمكن بناء إنسان عربي فاعل

خرجت ندوة مأزق الوضع العربي الراهن: الممكنات والأفاق ببيان وتوصيات من أهمها:

  • إعطاء إصلاح التعليم الأولوية التي يستحقها، وإعادة النظر في مناهج التربية والتعليم، والعمل على بناء الإنسان العربي القادر على مواجهة تحديات العولمة، والتحلي بقيم المواطنة في ظل المحافظة على الموروث الثقافي والفكري، والانفتاح على الحداثة.
  • توجيه اهتمام خاص لفئات الشباب، الذين يشكلون أكبر نسبة من المجتمعات العربية، والذين يعانون من الاغتراب الاجتماعي في قلب أوطانهم. *القضاء على كل أشكال الفساد واستغلال النفوذ، والقيام بإصلاح اقتصادي واسع لتشجيع الاستثمار المنتج مع دعم الفئات الفقيرة وحماية الطبقة المتوسطة.
  • اعتبار الديمقراطية قيمة كونية قائمة على التعددية واحترام إرادة المواطنين وتمكينهم، من خلال صناديق الاقتراع، واحترام حقوق الإنسان، وتمكين المعارضة من ممارسة دورها في النقد، وحماية حقوق الأقليات.
  • دعم المجتمع المدني وترشيد دوره، مع رد الاعتبار لدور الأحزاب المتمثل في تأطير المواطنين وخوض الصراع السلمي والديمقراطي لممارسة الحكم.
  • إعادة النظر في قنوات التعاون العربي وتمتيعها بالوسائل والمصداقية الضرورية لممارسة دورها في تسوية المنازعات البينية وتحقيق الاستقرار الإقليمي ومحاربة الإرهاب وفتح قنوات التعاون المنتج والبناء بين مختلف الأقطار العربية.
  • اعتبار قضية فلسطين قضية مركزية بالنسبة لكل البلدان العربية، وبأن كل تسوية في المستقبل ينبغي أن تكون قائمة على مبدأ “رابح رابح”. وبالتالي رفض كل ما يُروَّج حول صفقة القرن، واعتبار المبادرة العربية للسلام هي الصفقة الحقيقية التي تحفظ حقوق كل الأطراف، وتحقق السلام والاستقرار. وتضمن حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتفويت بما فيها حقه في إقامة دولة قابلة للحياة، داخل حدود ما قبل 1967 والقدس الشرقية بوصفها عاصمة الدولة الفلسطينية.
  • توخي اليقظة والحذر بخصوص استراتيجيات القوى الشمولية، والعابرة للقوميات، بشأن المنطقة العربية، ونتائج تحالفاتها مع القوى الإقليمية الصاعدة بما فيها إيران وتركيا، وكذلك إسرائيل، وما يمكن أن تشكله مواقفها من تحد للأمن القومي العربي.
7