مأزق حقوق المرأة.. أصولية مجتمعية تؤثر في المسؤولين والنخب

الكثير من المدافعين عن الحريات وحقوق الإنسان يقفون حائلين أمام تمكين المرأة وهو ما ظهر من خلال رفض مجلس الدولة تعيين المرأة ضمن أعضائه.
الجمعة 2018/06/22
حقوق المرأة قضية مجتمعية بالأساس

رغم تراجع تأثير الإسلاميين السياسي في مصر، ما زالت المرأة مستمرة في صراعها المحتدم لنيل المزيد من حقوقها التي يرفضها البعض بداعي تعارضها مع الشريعة، في حين أنها نظرة مستمدة من عقيدة مجتمعية مرتبطة بالتقاليد وممارسات ذكورية بالية. وهذا ما يفسر وفق الباحثة والإعلامية المصرية رباب كمال، لماذا لم يتزامن مع تراجع الجماعات الإسلامية تقدم في القرارات الداعمة لحقوق المرأة؟ وتشير كمال، في حوار مع “العرب”، إلى أن الأفكار “الأصولية” حول حرية المرأة كامنة في عقول المسؤولين والنخب بغض النظر عن التوجهات والأيديولوجيات.

القاهرة- هشام النجار/أحمد جمال- قطعت المرأة المصرية، شأنها في ذلك شأن نظيرتها العربية، أشواطا هامة في سبيل تحسين وضعيتها الإنسانية، حقوقا وحريات، والاعتراف بها في مجتمعات تقدمت في مختلف مجالات الحياة، إلا أنها مع ذلك ما زالت تعاني من رواسب موروث ثقافي مجتمعي في التعامل مع حقوق المرأة ويؤثر على طبيعة تواجدها في المجتمع، وهذا ما يفسر لماذا لم يصاحب انحسار التنظيمات الإسلامية في مصر تحقيق تقدم في مجال النظر في مطالب تحقيق المساواة وعدم التمييز والتمكين المجتمعي الكامل التي تنادي بها ناشطات في مجال حقوق المرأة.

من هؤلاء الناشطات الكاتبة والباحثة المصرية رباب كمال، التي ألفت مطلع العام الجاري كتابا بعنوان “نساء في عرين الأصولية الإسلامية”، لخص جملة من الأزمات التي تواجهها المرأة المصرية. يمثل الكتاب مرجعا للكثير من التفاصيل القانونية والدينية والاجتماعية التي استُخدمت للتأثير في المرأة وإبعادها عن الحصول على حقوقها.

تحدثت رباب كمال، في حوار مع “العرب”، عن أفكار الكتاب وواقع المرأة المصرية وكيف أن مطالب تحسين أوضاعها وتعزيز أدوارها المؤثرة في المجتمع والاستثمار في سياسات التنمية الشاملة، اصطدمت بواقع أصولي يسيطر على مؤسسات الدولة ويعيق الخروج من فلك إقرار التشريعات القانونية وفقا لتفسيرات وتأويلات الشريعة.

ما زالت حكومات، مثل الحكومة المصرية، تناقش حقوق المرأة باعتبارها قضية دينية وليست مجتمعية، خاصة في ما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية، بعد أن حصرت الدولة نفسها في رؤى وتأويلات فقهية بعيدة عن مشكلات الواقع، وهو أمر جرى العمل به قبل وصول جماعة الإخوان إلى السلطة ومستمر كذلك بعد رحيلها.

وتضرب رباب كمال أمثلة كثيرة على ذلك منها رفض البرلمان مشروع قانون تنظيم عمل المأذونين، الذي يجيز للمرأة تطليق نفسها من زوجها وموافقتها على زواج الرجل من أخرى، وتقاعسه عن تفعيل المادة 53 من الدستور والتي توصي بإنشاء مفوضية لمناهضة كافة أشكال التمييز، وفي الحالتين كانت حجة مخالفة الشريعة السبب المعلن لوقف هذه التشريعات.

يهاجم مناصرون للفصل بين الدين والسياسة الحكومة المصرية ويتهمونها باستغلال الدين كذريعة لتحقيق المزيد من التميز لصالح فئة على حساب أخرى، ورفض قوانين تحفظ الحقوق الإنسانية وتعطي المزيد من الحريات، ومنها حرية المرأة.

كتاب يلخص جملة من الأزمات التي تواجهها المرأة المصرية
كتاب يلخص جملة من الأزمات التي تواجهها المرأة المصرية

وتشير رباب كمال إلى أنه كانت هناك العديد من المواقف التي تجمع السلطة الحاكمة والتيارات الدينية، مثل ما حدث في عام 1980 عندما تحفظت الحكومة على البعض من بنود اتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة دوليًّا باسم اتفاقية سيداو. ورأت مصر، حينها، أن بعض بنود الاتفاقية مخالفة للشريعة الإسلامية، وكان ذلك يتوافق مع رؤى التنظيمات الإسلامية النشطة.

وتؤكد على أن ثمة مشكلة في التكوين الثقافي للقائمين على إدارة الكثير من مؤسسات الدولة، وتأثرهم بموجات متتابعة لما يسمى بـ”الصحوة الإسلامية” منذ سبعينات القرن الماضي حينما قرر النظام الحاكم آنذاك أن يتيح لها حرية الحركة في المجتمع، ما انعكس على ثقافة الطبقات الشعبية التي كان لها تأثير في النخب.

وما يبرهن على ذلك أن الكثير من الشخصيات التي تتولى مناصب قيادية في مصر ولا تنتمي تنظيميًّا إلى جماعات الإسلام السياسي تتوافق معها في الأفكار، والمشكلة الكبرى أن المدافعين عن الحريات وحقوق الإنسان يقفون حائلين أمام تمكين المرأة داخل المجتمع، وهو ما ظهر من خلال رفض مجلس الدولة (أحد أركان السلطة القضائية) تعيين المرأة ضمن أعضائه حتى الآن.

وتقول رباب كمال إن ما حدث في المجتمع المصري أمر غريب، فبدل أن تؤثر النخبة على العامة بثقافتها حدث العكس، وكانت أفكار الطبقات الشعبية وجماعات أفكار الإسلام السياسي أكثر تأثيرا في عقول النخب ورؤيتها لقضايا التحرر.

التجربة مع الإخوان

خبرت رباب كمال عن قرب التواصل مع جماعة الإخوان المسلمين وعرفت البعض من آليات عمليات الاستقطاب، والتي تعرّضت لإحداها، حيث تقول إنه جرى استقطابها من قبل الإخوان ضمن مشروع هدفه تحقيق توازن، وجلب عقول من طبقات اجتماعية وعلمية مختلفة للسيطرة على عقول الآلاف من الشباب لتصدير فكرة إيمانهم بالحداثة.

وتروي رباب كمال -وهي من رموز الحزب العلماني المصري (تحت التأسيس)- تجربتها مع الإخوان قائلة إنه تم استقطابها من داخل أحد مساجد منطقة مصر الجديدة. وقالت إن التجربة كانت محورية في تشكيل أفكارها، وأنها خرجت من التنظيم مبكرا باحثة عن مفهوم الوسطية، مشيرة إلى أنها اكتشفت أن هناك تقاربا بين فكر اليمين الديني والفكر الوسطي الذي تمثله إدارة الدولة المصرية.

وتعد فترة التقارب الفكري التي عاشتها رباب كمال مع جماعة الإخوان مفجرة للكثير من كتاباتها التي هدفت من خلالها إلى تشريح تأثيرات التنظيمات الأصولية في المجتمع، ولديها ثلاثة مؤلفات تدور في فلك قريب من هذه القضية: من وحي العلمانية ما لها وما عليها، ودولة الإمام: متى تخلع مصر عمامة الفقيه، ونساء في عرين الأصولية الإسلامية.

إنصاف المرأة

تركز رباب كمال على تبني قضايا شائكة بالنسبة للمجتمع المصري، وهي تؤمن بمقولة “لا شيء نخاف منه سوى الخوف نفسه”، غير أنها تؤكد أن هدفها ليس الانتحار على صخرة التنوير بقدر محاولة إحداث فارق في مناطق مختلفة، فيما تبقى المشكلة الكبرى بالنسبة إليها هي وقوع الكاتب أو الحقوقي بين مطرقة دعاة التطرف وسندان قوانين محاكم التكفير.

كل الخطابات من الديني إلى العلماني في حاجة إلى تجديد ومراجعة
كل الخطابات من الديني إلى العلماني في حاجة إلى تجديد ومراجعة

تمثل أكبر انتصار حققته الدولة المدنية -وفق رباب كمال- في إزاحة الإخوان عن الحكم، غير أن ذلك لم يترافق مع تحقيق انتصار متواز في مجال مجابهة أفكارهم المنتشرة والمتجذرة داخل المجتمع، ما يحصر مكاسب المرأة في عدم فقدانها ما حصلت عليه من مكتسبات صغيرة في مقابل تحقيق بعض النجاحات الشكلية.

وينص الدستور المصري الحالي على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، لكنه يظل غير مفعّل حتى الآن، لكن ذلك لا يلغي أن هناك محاولات لتحقيق اختراقات في مجال حقوق المرأة حيث تم إقرار جملة من القوانين التي تصب في صالح المرأة، وهو ما يدفع رباب إلى تأكيد أن هناك حركة نسوية تؤيدها السلطة الحالية من الممكن أن تجد المدافعات عن حقوق المرأة مساحات للتوافق معها.

وتعتبر الفرصة مواتية ويجب استغلالها، حيث تبدي السلطة المصرية الراهنة اهتماما خاصا بالمرأة التي كانت الصوت الأكثر تأييدا وحشدا للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. ولعبت الكثير من السيدات أدوارا مساندة للحكومة في نزع فتيل التشدد، وشاركت بقوة في احتجاجات وتظاهرات 30 يونيو 2013.

وتقول رباب كمال إن المرأة المصرية نجت بعد إفشال سيطرة اليمين الديني على الحكم ومفاصله التشريعية، لكنها تؤكد أن الخطر القادم يأتي من المجموعات السلفية التي ما زالت تتحرك بحرية وسط المجتمعات الريفية التي تمثل نقاطا رخوة لا تفرض عليها الحكومة كامل سيطرتها.

ويعد ذلك سببا مباشرا في اهتمامها برصد تحركات التنظيمات السلفية لإعادة هيكلة ذاتها في مرحلة ما بعد الإسلاموية، من خلال مؤلفها الجديد “القوامة الدينية في خطاب الدعوة السلفية”.

وترى أن الخطر المحدق بمدنية المجتمع بشكل عام ينبع من هذه التحركات التي تحاول البناء على شعبيتها السابقة لنشر الأفكار التي تمكنها من السيطرة متى أتيحت الفرصة.

ومن وجهة نظرها تعدّ المواءمات السياسية التي قامت بها الحكومة المصرية مع تنظيمات الإسلام السياسي منذ فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات، السبب الرئيسي في سيطرة أفكار الإسلاميين ورؤاهم على مدنية الدولة، وهو ما ضرب التوعية بحقوق المرأة في مقتل، وألصق بها تهما تمس شرف المرأة.

المواجهة الحتمية

تستمر المواءمة بين السلطة الحاكمة والتيار الديني من خلال سماح النظام المصري بتواجد شكلي لحزب النور السلفي في البرلمان، ما ينقذ التيار السلفي من الإقصاء بشكل كامل، ويعطي له متنفسا للتحرك يحاول من خلاله الحفاظ على شعبيته، مقابل رغبة حكومية في عدم وضع التنظيمات الإسلامية جميعًا في سلة واحدة.

وتشير رباب كمال إلى أن مواجهة هذا الخطر ينبغي أن تكون عبر سحب المرتكز الذي يثبتون عليه أقدامهم ويتمثل في الظهير الشعبي المؤيد لهم، من خلال تحرير العقول والثقافات من الفكر الأصولي، وأن ذلك يكون مهمة جهات التنوير والمجتمع المدني الذي سيتوجب عليه القيام بجهود مضاعفة للوصول إلى المواطنين البسطاء في القرى والنجوع.

ورغم التأثير الضعيف الذي يقوم به المجتمع المدني في التوعية بحقوق المرأة في مقابل تحركات التنظيمات الإسلامية، فإن الباحثة المصرية تعول كثيرا على قدرته على النفاذ إلى مناطق سيطرة هذه التنظيمات، عبر انتشار ما تسميه بـ”نسوية الرجل”، وهي دعم حقوق المرأة التي يتبناها الرجال جنبا إلى جنب مع المرأة، الأمر الذي يساهم في تغيير نظرة المجتمع إلى قضايا المرأة باعتبارها مشكلة مجتمعية.

وتلفت كمال إلى أن إحداث اختراق في الثقافة الحالية يتطلب المزيد من الدراسات المتعلقة بسلوك الإنسان، قبل الرهان على الحراك التوعوي والثقافي، لنيل مكتسبات قانونية ودفع الأزهر إلى تغيير فتاويه الرسمية.

لا وجود لمصطلح "القضايا الحساسة"، فكل قضية لها وقتها وظروفها ومرحلتها التي تتغير، فقضية تعليم الفتيات أو عمل المرأة في مطلع القرن العشرين كانت قضية حساسة قبل أن تصبح حقا دستوريا وممارسة عادية.
لا وجود لمصطلح "القضايا الحساسة"، فكل قضية لها وقتها وظروفها ومرحلتها التي تتغير، فقضية تعليم الفتيات أو عمل المرأة في مطلع القرن العشرين كانت قضية حساسة قبل أن تصبح حقا دستوريا وممارسة عادية.

وتوضح أن الحقوق التي تتمتع بها المرأة اليوم كانت مرفوضة من بعض رجال دين السلطة، وكانت هناك فتاوى من الأزهر تقرّ برفض دخول المرأة إلى البرلمان وساحات القضاء (فتوى مفتي الديار المصرية حسنين مخلوف 1952)، وكانت هناك فتاوى رفضت تجريم ختان الإناث (فتوى شيخ الأزهر جادالحق علي جادالحق عام 1994)، قبل أن يتم انتزاع هذه الحقوق من تحت عمامة الفقيه وتم تغيير الفتاوى لاحقًا.

وهذا يعني أنه لا وجود لمصطلح “القضايا الحساسة” وأن كل قضية لها وقتها وظروفها ومرحلتها التي تتغير، فقضية تعليم الفتيات أو عمل المرأة في مطلع القرن العشرين كانت قضية حساسة قبل أن تصبح حقا دستوريا.

وتشدد الباحثة المصرية على أن إحداث تغيير في دعم المجتمع لحقوق المرأة لن يتم إلا من خلال “تجديد الخطاب العلماني”، والذي نقدته في كتابها “دولة الإمام- متى تخلع مصر عمامة الفقيه” من خلال عدة محاور، بينها انفصال بعض الأصوات العلمانية عن قضايا الجماهير وتوجيه خطابها بشيء من الاستعلاء، والتغني بتحقيق انتصارات سياسية زائفة على تنظيم الإخوان منذ تركه الحكم، في حين أن ذلك كان دور التدين الشعبي وليس التيارات المدنية.

وتراهن رباب كمال على الثورة الثقافية ونضال التيار التنويري الذي يدفع بالنخب المؤثرة إلى تغيير مواقفها، وتضرب مثلا المفكر الراحل قاسم أمين الذي غير أفكاره التقليدية التي وردت في كتابه المصريون المكتوب بالفرنسية مدافعا عن الحجاب، وصار رائدا في حقوق المرأة بعد مراجعات استقاها مما كان يطرح في صالونات التنوير من أفكار.

وترى أن العبرة في ما يتعلق بالحقوق ليست بالكم ولا بحصول المرأة على مناصب وإنما بتشريعات تحمي المرأة التي تمثل الجمهور العريض، وبفضل نظام الكوتة يوجد الآن أعلى تمثيل نيابي للمرأة في تاريخ مصر، لكن من بين هذا التمثيل نساء رافضات لحقوق المرأة تحت مسميات عدة.

وتخلص إلى أن الإشكالية تتعلق بالرأي العام؛ فالعامة هم من يضغطون لتغيير وتطوير التشريعات وهذا يستدعي السعي إلى تغيير طريقة تفكير الناس كي نستطيع تغيير القوانين، لافتة إلى أن حدوث التحول لا يقاس بالأيام.

12