مأزق عباس بعد إعلانه مرسوم الانتخابات الفلسطينية

كان الأجدر بمحمود عباس الواقع بين مطرقة الضغوط الإقليمية والدولية وسندان المجتمع والذي يمر بأسوأ مراحل حياته أن يذهب إلى خيارات عقلانية والكف عن البغضاء والنرجسية فلا يتبنى خططا رعناء.
الاثنين 2021/01/25
محاولة استنساخ السلطة

مع مرور الوقت، تزداد التساؤلات حول كيفية إجراء الانتخابات الفلسطينية التي أعلن الرئيس الفلسطيني عن إجرائها، وحدد مواعيدها. فقد كان طبيعيا، أن يتوقف الفلسطينيون أمام بعض ما استجد من قرارات، تقلل في جوهرها من مصداقية هذا التوجه، وأول هذه القرارات تعيين قاضٍ متقاعد في منتصف الثمانينات من العمر، ليكون رئيسا لمجلس القضاء الفلسطيني الأعلى، سبق له أن عمل قاضيا لمحكمة عسكرية أردنية، حاكمت الفدائيين الفلسطينيين بعد أحداث سبتمبر 1970، وأصدر عدة أحكام بالإعدام.

بعد التعيين هبت زوبعة من داخل فتح نفسها ضد قرار محمود عباس، لأن الفلسطينيين يعلمون تاريخ الرجل المكلف، ولا يزال بعض من حُكم عليهم على قيد الحياة، وجاء تعيينه في سياق تركيز عباس على الجهاز القضائي. وهذا بحد ذاته تدبير، لتهيئة الجهاز القضائي، لكي يؤدي الدور الذي يريد عباس أن يلعبه أعلى مسؤول قضائي في السلطة، لاحتواء العملية الانتخابية في حال حدوثها، وما زاد الطين بِلّة، أن نقابة المحامين الفلسطينيين، هي التي بادرت بإعلاء الصوت رفضا لقرارات عباس بخصوص القضاء.

وفي أجواء التذمر المتفشي داخل حركة فتح، تجرأ بعض أعضاء اللجنة المركزية، للمرة الأولى، على إعلان موقف معارض تماما لعباس، ومساند لنقابة المحامين. وبات الشارع الفلسطيني يتساءل “كيف يمكن لحركة فتح، أن تخوض انتخابات عامة، بينما التعارضات تزداد في داخلها، فضلا عن وجود تيار إصلاحي معارض، يزداد قوة يوما بعد يوم، وينتسب إليه شُبان من الجيل الجديد؟”.

كل ذلك، أصبح معطوفا على العشرات من الملفات التي تتعلق بتجاوزات من الرئاسة الفلسطينية وفوضى القرارات الإقصائية وغير الدستورية، التي لا تزال تتوالى. فالرجل يمسك بكل مسؤوليات السلطة والمنظمة في يده، وهو يتجاوز الوثيقة الدستورية في كل شأن، ولا يقيم وزنا للنظام الإداري والقانون، وقد شطب المؤسسات والقانون الدبلوماسي، ووصل الأمر في مستوى البعثات الفلسطينية الدبلوماسية إلى أقصى درجات الرداءة، وإلى درجة أن طلبت جمهورية موريتانيا في الأسابيع الماضية، سحب سفيره منحرف السلوك، قبل أن تطرده.

كان ذلك نتيجة التعيين الخاطئ لعنصر سبق أن طرد من أربع سفارات، بتوصيات لجان تحقيق، وهو ليس من كادر وزارة الخارجية أصلا، لكن عباس، في كل مرة، يمتثل لعناصر من حاشيته عندما يطلبون إعادة ابتعاث العنصر مع ترقيته. وجرت التطورات لكي تجعل السفير غير المرغوب فيه، يتمرد على من قرر تعيينه، فيتأكد عباس ووزير خارجيته للمرة الخامسة، أن العنصر لا يصلح، وها هو يرفض قرار الإقالة الذي ستنفذه موريتانيا.

ويمكن القياس على حدث كهذا، لكي يعرف الفلسطينيون طبائع عباس الذي يأخذ فتح إلى هزيمة محققة، بجريرة تصرفاته، في أية انتخابات تُجرى. فالرجل لم يتعلم من درس يناير 2006 عندما تغلبت حماس على فتح صاحبة الإرث الكفاحي الكبير، وبلا برنامج للحكم، وكان ذلك نكاية في السلطة بالدرجة الأولى.

ربما يكون عباس، قد استشعر هزيمة فتح قبل أن تقع، وأحس بأنه أمام خيارين، إمّا أن يحاول اجتذاب حماس لخوض الانتخابات مع فتح في قائمة واحدة، وإمّا أن يذهب إلى الخيار الأصعب، وهو بدء عملية إصلاحية واستعادة المؤسسات الدستورية وإجراء مصالحة فتحاوية داخلية. لذا وجد من السهل عليه، أن يمد حبل الوداد لحماس، لكي تتشارك معه في قائمة واحدة. وحماس ليست في المحصلة غافلة عن مقاصد مثل هذا التدبير. فلا هي تثق فيه وتأمن جانبه، ولا لغته تناسبها، ولا هي ساذجة لكي تحمل على عاتقها عبء ملفات الانحراف. فلديها ما يكفيها، من خلال تجربتها في حكم غزة.

وطالما أن مشاركة فتح بقيادة عباس، في قائمة واحدة، من شأنه الإجهاز تماما على ما تبقى لها من مصداقية، فإن محاولة تشكيل القائمة الواحدة، لضمان استنساخ سلطة عباس، محكوم عليها بالفشل. ذلك فضلا عن ردة فعل المجتمع الفلسطيني على أطروحة القائمة الواحدة. فالقوى الفلسطينية السياسية ترى في هكذا مقترح، معادلا موضوعيا للتحايل والمحاصصة بين سلطتين في الضفة وغزة.

فضلا عن ذلك، إن الكادر في حركة فتح، يرفض هذا التدبير، وقطاع عريض منه، يفضل المصالحة الفتحاوية الداخلية، وينتظر أية إشارة لاستذكار وجوب مثل هذه المصالحة. فعندما توفيت والدة المناضل سمير المشهراوي، الرجل الثاني في تيار الإصلاح الديمقراطي، تلقى الرجل التعازي من عدد كبير من الكادر الفتحاوي المتقدم، وعُدّت تلك إشارة تصالح، أجاب عليها المشهراوي بتكرار استعداد التيار إلى مثل هذه المصالحة، ولو على حسابه وبجهوده.

لكن الرئيس عباس، لم ولا يفكر في اجتراح ما يعتبره سُمّا. فالصدع الفتحاوي نشأ أصلا عن موقف اعتباري، علما بأنه يخطئ في تحديد اعتباراته، إذ يعتبر النقد تعديا على مقامه. فلم تكن هناك مشكلة لديه مع النائب محمد دحلان، وقت حدوثها، إلّا على هذا المستوى، وجوهر المشكلة، عدم تحمله النقد عندما يتصل الأمر بشخصه أو بنجليه.

بعد أيام قليلة، من الإعلان عن إجراء انتخابات فلسطينية عامة، كان واضحا أن عباس لم يجد مفرا سوى تحديد المواعيد. فهذه هي المرة الرابعة التي يُعلن فيها عن انتخابات وشيكة، ومرت سنوات على هذه الحال، ولم يتم التقدم خطوة واحدة في هذا الاتجاه، ما جعل المانحين، وبخاصة الاتحاد الأوروبي يلوحون بقطع المساعدات، لأن أوروبا غير مستعدة للاستمرار في دعم حاكم فرد، ليست لديه مؤسسات، ويجمع كل الصلاحيات في يده.

وأغلب الظن أن الأوروبيين تواصلوا بهذا الشأن مع عواصم في الجوار العربي، لكي يساعدوا في دفع عباس إلى انتخابات حرة وشفافة. ولأن كل مشكلة تلد أخرى، فقد تحسس الجوار العربي، خطر التجديد للأنموذج الحمساوي، فعادت العواصم إلى محاولة إقناع عباس بضرورة توحيد فتح لكي تعزز فرصتها في الفوز.

وبدلا من أن يقتنع عباس بنصائح الأشقاء، اختار العكس، وأصبح يتوسل قائمة مشتركة مع حماس، تؤدي إلى محاصصة واستنساخ، ولكي تسهل عليه المهمة، التفت إلى الجهاز القضائي ضمانة الرشاد في أية عملية ديمقراطية، وتحول إلى ضمان طواعيته. لذا كان الفصل الأول، من التهيؤ للانتخابات، يزدحم بالشواهد على أن الأمور، ذاهبة إلى تدابير فاشلة، ستكون لها تداعيات سلبية.

كان الأجدر بمن يقع بين مطرقة الضغوط الإقليمية والدولية، وسندان المجتمع الذي يعاني ويمر بأسوأ مراحل حياته، أن يذهب إلى خيارات عقلانية، والكف عن البغضاء والنرجسية، فلا يتبنى خططا رعناء، لا يجهل الناس مقاصدها.

فلا حماس ستندمج مع فتح في قائمة واحدة، لكي تحمل على كاهلها إرث عباس وتتبنى خطابه، ولا هو في مقدوره أن يتحمل كلاما ناصحا أو معترضا بين ظهرانيه، وبالتالي لن يحتمل آراء الناصحين لا من حماس ولا من فتح، لأسباب شخصية وسلطوية محضة. لكن الواقع، أنه الآن في مأزق، والخيارات أمامه محدودة، بل إن الجميع طليق، بينما هو الذي أصبح محاصرا.

8