مأزق لبنان: النخبة السياسية سبب في الأزمة وجزء من الحل

يحمّل الباحث في المركز الهولندي للدراسات الاستراتيجية، أروين فانفين، النخبة السياسية في لبنان مسؤولية انهيار الوضع في البلاد. ويذهب فانفين إلى حد اتهام النخب بأنها تقدّم مصالحها على مصالح الوطن وتخدم طوائفها وجماعاتها بالدرجة الأولى؛ مما يجعل البعض مستفيدا من الأوضاع الأمنية الراهنة وتداعيات الأحداث الإقليمية على لبنان.
الجمعة 2015/06/19
قلق اللبنانيين يتضاعف كلما طال العهد بأزمة بلادهم وبالصراع في سوريا

بيروت - يعيش لبنان على وقع أزمة متفاقمة يقارنها بعض الخبراء بالحرب الأهلية (1975 – 1990)، في حين يذهب البعض إلى القول إنها أشدّ وقعا بالنظر إلى ملابسات الأزمة وتعقيداتها وارتباطها بالوضع الإقليمي العام.

ويتخبّط لبنان، منذ أكثر من سنة، في هذه الأزمة، التي بدأت سياسية محورها الفراغ الرئاسي والشلل في عمل البرلمان والحكومة، وانتهت أزمة أمنية واقتصادية بسبب الصراع في سوريا.

ويرجع الباحث في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية، أروين فانفين، دائرة الأزمات المحتقنة في لبنان إلى سبب رئيسي، هو من وجهة نظره، النظام السياسي القائم على الصفقات التي تبرم بين أحزابه السياسية وطوائفه الدينية الكثيرة ومن يساندونها في الخارج. وهذا الأمر يجعل التوصل إلى توافق في الآراء في لبنان أمرا صعبا، إذ تقف التكتلات القوية وراء أطراف متصارعة في الحرب الأهلية الدائرة في جارته سوريا.

ومع تطوّر الوضع الأمني إقليميا، خصوصا في سوريا، بدرجة أولى، ثم في العراق، ركّزت التحليلات الأخيرة المتابعة لتداعيات الوضع على المشهد اللبناني على مدى سعي النخب السياسية والقوات الأمنية في التعامل مع الآثار غير المباشرة المترتبة عن الصراع في الجارة سوريا.

وتشير دراسة المعهد الهولندي للعلاقات الدولية، وعنوانها “النخبة والسلطة والأمن، كيف تخدم التنظيمات الأمنية مصالح النخبة السياسية”، إلى أن لبنان مرشّح لأن يكون الدولة القادمة التي ستخضع للعنف في المنطقة، ويتحول إلى مرتع للإرهاب خاصة وأن المجتمع منقسم في مواجهة معضلة الأمن المطولة التي تعززها بيئة إقليمية متقلبة.

النظام الأمني في لبنان يملك عددا من الخصائص التي تجعله عرضة للتأثير خارجي، وتجعل للصراع السوري صدى له في الجار لبنان

توصّل معد الدراسة أروين فانفين إلى هذا التوقّع، عبر الإجابة على مجموعة من الأسئلة التي طرحها في دراسته، تتعلّق بكيفية رسم مصالح النخبة السياسية اللبنانية للنظام الأمني في البلاد وكيف تؤثر على أداء الأجهزة الأمنية في البيئة اللبنانية الهشّة؛ فلبنان يعيش في منطقة بالغة الصعوبة ودول الخليج قلقة ومصر تصارع للخروج من محنتها واليمن يشهد حالة من التفكك وكذلك العراق وسوريا.

ويملك النظام الأمني في لبنان عددا من الخصائص التي تجعله عرضة للتأثير خارجي، وتجعل للصراع السوري صدى له في الجار لبنان. وهذا يشمل، على سبيل المثال، استمرار وجود حزب الله كدولة داخل الدولة مع القدرة على ممارسة العنف الذي يميز الجماعات الطائفية الأخرى، فضلا عن القوات المسلحة اللبنانية.

نخب سياسية أم زعماء طوائف دينية

لفهم المشهد الأمني في لبنان يجب النظر بترو في السياسة الداخلية للبلاد، حيث أن النظام السياسي اللبناني بعيد عن لعب دور سلبي أو لعب دور الضحية في الوضع الأمني الإقليمي. بدلا من ذلك، تؤثر مصالح النخب السياسية في لبنان على النظام الأمني. والافتراض الرئيسي هو أن المنظمات الأمنية في لبنان موجودة من أجل حماية مصالح النخبة، وهذا يتحقق من خلال اتفاق النخبة في البلاد، أي الترتيب بين النخب السياسية حول كيفية الحكم.

ومزيد من التبصّر في هذا الافتراض يمكن أن يساعد على تحسين الدعم الدولي للنظام الأمني المترنح في لبنان، إما عن طريق زيادة الفطنة السياسية لبعض القوى، وعلى الأقل، تجنب تعزيز هياكل السلطة القائمة دون أن تكون على علم بذلك.

أروين فانفين: النخب السياسية في لبنان تؤثر على شكل النظام الأمني

ويقدّم أروين فانفين تعريفا عمليا لمصطلح “النخب”، يفيد بأنهم أفراد أو ممثلو جماعات ذات تأثير على الموارد الأمنية الملموسة وغير الملموسة للشعب. وفي الحالة اللبنانية الحديث عن النخب يندرج في السياق تلك التي تمثل إلى حد كبير الجماعات الدينية المنظمة على أساس اجتماعي سياسي، مثل حزب الله (الشيعي) وتيار المستقبل (السني). ويتم النظر إلى النخب على المستوى الوطني كممثلين متجانسين نسبيا مع دوائر واضحة المعالم.

وتؤكد الدراسات التي تم إنجازها في الغرض أن النخب السياسية في لبنان تؤثر على شكل النظام الأمني وأداء أجهزته الحكومية وغير الحكومية على المستوى الوطني. ويشير اتفاق النخب في لبنان إلى مزيج من القواعد الرسمية وغير الرسمية على أساس أن النخب الطائفية الرئيسية في لبنان تحكم البلاد.

وقد بات واضحا أن اتفاق النخبة هو اتفاق بين أقليات مقسّمة تقوم بتحديد مصالحها على مستوى المجموعة، إلى جانب تحديد المصالح التكميلية على المستوى الفردي. وهذا يعني أن الأمن في لبنان تمّ تنظيمه بشكل يجعله في خدمة مصالح الفئات الرئيسية للطوائف ولا سيما نخبها.

وهذا الأمر يبقى مبعثرا في ظل فرص الهيكلية لتحقيق الربح الخاص عبر توفير “الأمن”، وكلما بقيت هذه الفرص محكومة بإطار طائفي أوسع استفاد واحد أو أكثر من أصحاب المصلحة الرئيسيين. وأوضح الطابع غير الرسمي لتوفير الأمن (بما في ذلك المؤسسات الأمنية الرسمية للدولة)؛ عن عدم قدرة المنظمات الأمنية التابعة للدولة على توفير الأمن القومي الجماعي، لذلك فإن استمرار الوضع الراهن لا يحدد كيف ولمن يتم توفير الأمن.

والغريب في هذا الاتفاق أن النخب اللبنانية تعترف صراحة وبشكل رسمي بمنظمة مسلحة بارزة خارج إطار الدولة، على غرار حزب الله، الذي مازال يحافظ على قدراته المسلحة الهامة خارج سلطة الدولة، وبالتالي احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة ليس أمرا واقعا ولا هو مطمح للنخب اللبنانية.

أثر الحرب في سوريا

يشكل النزاع في سوريا تهديدا أمنيا خارجيا، يطال لبنان بالدرجة الأولى، وذلك ناتج أساسا عن التطرف الراديكالي، حيث أن لا الدولة اللبنانية ولا الأجهزة الأمنية الحكومية ستكون قادرة على مواجهة ذلك بمفردها. ورغم أن هناك ما يبرر تدخل حزب الله نيابة عن الرئيس الأسد كوسيلة للدفاع ضد تهديد التطرف، يبدو أن الحزب قد أدرك أنه يمضغ أكثر مما يمكن أن يبتلع.

النخب السياسية في لبنان تؤثر على شكل النظام الأمني وأداء أجهزته الحكومية وغير الحكومية على المستوى الوطني

ونتيجة لذلك، أدت الجهود المبذولة لمواجهة خطر التطرف والحفاظ على اتفاق النخب اللبنانية إلى فتح حوار بين حزب الله وتيار المستقبل، وكذلك تعاون بين حزب الله والجيش اللبناني. في الوقت الذي بدا فيه أن ذلك يصب في مصلحة حزب الله، إلا أن الأحداث كشفت أن هذا الأخير لا يستطيع السيطرة على الموقف على الأرض.

ويخلص الباحث الهولندي أروين فانفين، إلى أن هذا الوضع يقدم فرصة للتغيير على المدى الطويل حيث يمكن السيطرة على المنظمات الأمنية واستخدامها لتأكيد سيطرتها على المشهد الأمني الداخلي، من خلال خدمة مصالح النخب الطائفية في حين تبقى شرعية في نظر السكان. إذا لم يكن ممكنا استمرار هذه السيطرة، فيمكنها أن تكتسب خصائص الأمن العام.

ومع مرور الوقت، قد تتمكن الأجهزة الأمنية في لبنان من تحويل التوقعات الشعبية من توفير الأمن على أساس طائفي إلى توفير الأمن على أساس وطني. وفي حين أن هذا سيكون عملية طويلة الأمد ومعرضة للانتكاسات، لكنه يمثل نهجا عمليا للحفاظ على الاستقرار النسبي بين النخب المنقسمة بشدة، خاصة وأن اتفاق النخبة يعترف بتأجيل المصالح الوطنية مقارنة بتلك الطائفية.

7