مأزق مبيعات السلاح: السعودية لديها البدائل، ماذا عن ممارسي الضغط

صناع الأسلحة في ألمانيا يطالبون الحكومة بتعويض خسائر تعليق الصفقات مع الرياض.
السبت 2018/12/29
{يوروكوبتر النمر} توقفت في وسط الطريق إلى السعودية

تواجه الكثير من الدول الأوروبية والغربية اليوم مطبّات وأزمات نتيجة قرارات سياسية تقضي بوقف صفقات بيع السلاح مع المملكة العربية السعودية، أو التهديد بذلك، بسبب الحرب في اليمن أو بحجة قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي. أحدث المآزق ما تواجهه ألمانيا بعدما هدّد قطاع صناعة الأسلحة الحكومة بوجوب تقديم تعويضات للخسائر التي تكبّدها إثر توجه حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لوقف تصدير الأسلحة إلى السعودية، في موقف مشابه اتخذته الدنمارك وفنلندا وهولاند وإسبانيا وإيطاليا وكندا، وهي اليوم تقف كلها أمام معضلة حقيقة القدرة على تنفيذ هذا الوعد وإلغاء صفقات بالمليارات من الدولارات، ستجد السعودية بدائل لها في حين ستكبّد هذه الدول خسائر كبيرة.

برلين - يهدد قطاع صناعة الأسلحة في ألمانيا الحكومة بالمطالبة بالتعويض بسبب قرارها تعليق تصدير أسلحة إلى المملكة العربية السعودية، في معضلة تواجهها دول غربية عديدة سعت إلى إسكات ضميرها بسبب صمتها عما يجري في اليمن، بسبب توازنات ومصالح خاصة بها، بتحميل الرياض المسؤولية، وبالتالي “معاقبتها” بإلغاء صفقات لبيع السلاح لها بالمليارات من الدولارات، وهي اليوم تقف حائرة أمام ضغط لوبيات شركات السلاح المؤثرة من جهة، وصورتها كدول داعمة “لحقوق الإنسان” من جهة أخرى، وهي صورة تتحمل السعودية جزءا من ترسيخها على مدى السنوات الماضية بسبب صمتها عن سياسات الابتزاز بهذا الملف، خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001.

بينما طالب المدير التنفيذي للاتحاد الألماني للصناعات الأمنية والدفاعية، هانز كريستوف أتسبودين، الائتلاف الحاكم في ألمانيا بعدم إلقاء “قضايا سياسية بحتة” على عاتق شركات السلاح، وقال “بالطبع ليس من المستبعد المطالبة بتعويضات في هذا السياق”، يستحضر مؤيدوه ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حواره الأخير مع وكالة رويترز “أتمنى بحق ألا يقترح الناس ألا نحصل على مئات المليارات من الدولارات التي سيحولها السعوديون إلى روسيا والصين على الأخص بدلا من منحنا إياها. تتحدثون عن مئات الآلاف من الوظائف. تتحدثون عن عقود عسكرية وغيرها من العقود الضخمة”.

وأثبتت التطورات الأخيرة أن كل الدول التي مارست ضغوطا على السعودية تحت شعارات حقوق الإنسان في علاقة بالملف اليمني أو عبر محاولة توظيف ملف مقتل الصحافي جمال خاشقجي وجدت نفسها على أرض الواقع في مطبات عميقة بعدما أوقفت مبيعات الأسلحة للرياض، التي تبدو اليوم في موقف قوة بعد أن انتهجت سياسة رد الفعل، وأثبتت أنها قادرة على إيجاد بدائل، من أكثر من جهة، وروسيا أو الصين أحد البدائل الأشهر، كما أنها تتجه لتوطين الصناعات العسكرية، هي ودول أخرى في المنطقة، على غرار دولة الإمارات العربية المتحدة، وأيضا مصر، ضمن سياسة يمكن أن تتطور إلى تعاون مشترك، من حيث التصدير كما التصنيع.

هذا الملف الشائك الذي حذر منه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما رفض ربط علاقات بلاده ومبادلاتها التجارية مع السعودية بقضية مقتل خاشقجي، تجني شوكه اليوم ألمانيا التي سرّعت من وتيرة انتقاداتها وضغوطها عبر إمضائها في مرحلة أولى منذ شهر مارس الماضي معاهدة تنصّ على عدم تصدير أسلحة لقوات التحالف العربي في حربها ضد الحوثيين، المدعومين من إيران.

مأزق ميركل

الرياض قادرة على إيجاد بدائل
الرياض قادرة على إيجاد بدائل

وضعت هذه الخطوات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اليوم وجها لوجه في معركة لي ذراع مع منتجي الأسلحة في ألمانيا الذين هدّدوا بالمطالبة بتعويضات للخسائر المالية الفادحة التي تعرضوا لها.

ويتساءل العديد من الخبراء الألمان عن البدائل التي ستجدها الحكومة لإيجاد التعويضات اللازمة والحال أن الاقتصاد سيشهد تراجعا في وتيرة النمو الاقتصادي خلال 2019.

وتراجعت صادرات الأسلحة الألمانية على نحو ملحوظ هذا العام، حيث أظهرت بيانات وزارة الاقتصاد الألمانية أن الحكومة وافقت على تصدير أسلحة وبضائع تسليح أخرى بقيمة 4.62 مليار يورو حتى 13 ديسمبر الجاري. وكان إجمالي قيمة صادرات الأسلحة الألمانية خلال العام الماضي بأكمله يبلغ 6.24 مليار يورو.

وعندما أعلنت ألمانيا أنها ستمنع مبيعات الأسلحة إلى السعودية، حثت الدول الأخرى على أن تتبع خطاها، مؤكدة أن الحظر سيكون أكثر فعالية إذا شارك المزيد من البلدان، وهي تروج لأوروبا رائدة القيم الإنسانية، في وقت تنسحب فيه الولايات المتحدة من الساحة العالمية في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب الذي قال صراحة إنه لن يتخلى عن صفقات ستوفر له الآلاف من الوظائف والمليارات من الدولارات.

 واتبعت ألمانيا فنلندا وهولندا والدنمارك وإيطاليا وإسبانيا، بعضها فعّل قرار تعليق الصفقات، وبعضها الآخر لا يزال في حيرة من أمره. أما بريطانيا، ثاني أكبر مصدر أسلحة للسعودية بعد الولايات المتحدة، فسارت على درب فرنسا، حيث أكدت رئيسة الوزراء تيريزا ماي رفضها لدعوات جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال المعارض، لإنهاء مبيعات السلاح للسعودية؛ فيما قال وزير الخارجية جيريمي هانت “هناك وظائف في المملكة المتحدة معرضة للخطر، لذلك عندما يتعلق الأمر بقضية مبيعات الأسلحة فإن لدينا إجراءاتنا”.

السعودية تتجه لتوطين الصناعات العسكرية، هي ودول أخرى في المنطقة، على غرار الإمارات ومصر، ضمن سياسة يمكن أن تتطور إلى تعاون مشترك من حيث بيع الأسلحة وشرائها كما التصنيع

وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تعتبر السعودية ثاني أكبر مستورد للأسلحة في العالم بعد الهند. والسعودية اليوم أصبحت بحاجة لامتلاك الأسلحة أكثر من أي وقت مضى تزامنا مع الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط إثر سحب قواتها من سوريا، وهو ما يعبد الطريق لإيران وأنقرة لزعزعة الشرق الأوسط أكثر.

وكان للسعودية في السابق مواقف صارمة مشابهة، لعل أبرزها حظر النفط في سنة 1973. ويتذكر خبراء ذلك التاريخ، مشيرين إلى أن ردود الفعل أصبحت أقوى وأكثر تنوعا، بعد أن أضحت الرياض شريكا تجاريا مؤثرا لأغلب هذه الدول، على مستوى تجارة الأسلحة كما على مستوى مشتريات أخرى كثيرة، هذا إلى جانب استعادة الدور الإقليمي، الذي تستمده السعودية من مكانتها الدينية من جهة، وعلاقتها الوثيقة بقوى أخرى مؤثرة في المنطقة، من جهة أخرى. وعلى الرغم من أن اسم السعودية، يذكر في كل ملفات، فإنها تكاد تكون الدولة الوحيدة التي لم تدخل في أي صراع إقليمي، بل على العكس دفعت أثمانا باهظة من رصيدها نتيجة تلك الصراعات.

واللافت أنه على عكس مواقف سابقة، اختارت الرياض هذه المرة رد الفعل عبر تأكيد قدرتها على التحرك لتجاوز الضغوط من حيث تنويع مصادر استيراد السلاح، كما بدأت في بعث استراتيجيات واضحة لضمان أمن بلادها خاصة عبر ما تضمنه برنامج رؤية السعودية 2030 من تصورات لتوطين صناعة السلاح لتجنب الارتهان للأسلحة المستوردة من الخارج. وما يقوي الموقف السعودي، بشكل كبير، ضعف الموقف الأوروبي من حيث أهمية مبيعات سلاحها للرياض، وأيضا بسبب أن الدول الأوروبية تحاول الترويج لشعارات إنقاذ اليمنيين، لتخفي ما وراء هذه التصريحات وما بين سطور الملفات المحيطة بالقضية في علاقة بمصالح بعض الدول الأوروبية والغربية التي تجمعها بقطر وحتى إيران.

وتقول صحيفة فاينيشيل تايمز إن ترامب عمل على تضخيم تقديراته لعدد الوظائف التي يمكن أن تدعمها صفقات الأسلحة مع السعودية (حوالي 500 ألف وظيفة)، لكنه على حق في القول إن خفض المبيعات ستكون له عواقب بالنسبة لبعض المصنعين.

ووفقا لمساش توسا، محلل في شؤون الطيران والدفاع، شهدت مبيعات الأسلحة في البلدان الأوروبية إلى السعودية نموا كبيرا. وقدرت مبيعات وتسليم الأسلحة من فرنسا وحدها بأكثر من 500 مليون يورو هذا العام. كما كانت السعودية سوقا مهما جدا في الدفاع في المملكة المتحدة، حيث مثلت 36 بالمئة من إجمالي صادراتها من حيث الحجم العام الماضي.

موازنة المصالح

Thumbnail

قبل سقوط بعض الدول في الأزمة الجديدة، صدرت العديد من التحذيرات من أن قضية مقتل خاشقجي وضعت الكثير من الدول والحكومات في مأزق الاختيار بين المصلحة العامة أو ما تعتبره قيما حقوقية هي في الأساس أدوات سياسية توظفها هذه الحكومات عند الحاجة.

وعلى عكس ألمانيا المتضرر الأكبر، فإن دولا أوروبية وغربية أخرى تعاملت بشكل أفضل مع المسألة عبر محاولتها التوفيق بين عقود الأسلحة المربحة والمطالبة في الوقت ذاته بوجوب الكشف عن حقائق أي ملف قد يكون فيه انتهاك لسيادة القانون الدولي. واتخذت هذه الدول الأخيرة مثل هذه المواقف أيضا، ليس للوقوف مع السعودية أو غيرها بل لضمان مستقبل مصالحها الاقتصادية والتجارية، حيث توفر صناعة الأسلحة حجما هائلا من الوظائف لمواطنيها.

هنا، على سبيل المثال بالتزامن مع إبرام صفقة قيمتها 1.8 مليار يورو (2 مليار دولار) لبناء خمس سفن تابعة للبحرية، اعترف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بأنه يضع الوظائف أولا لعدم إغراق بلاده في أزمة مالية. وقال عقب إعلان ألمانيا عن وقف بيع الأسلحة للسعودية “إن خطورة هذه الأحداث التي أدينها لا يمكن أن تمنعنا من التصرف بمسؤولية تجاه اقتصادنا”.

ومن جهته كان رئيس الوزراء الكندي جوستين ترودو، الذي ذاق صعوبة دفاع السعودية عن مصالحها بعد التوتر الأخير في العلاقات، أشار إلى أنه من غير المرجح أن يلغي الصفقة الموقعة مع السعودية في 2014 لتزويد السيارات المدرعة بمبلغ 11.5 مليار دولار، التي تعتبر الأكبر من نوعها في التاريخ الكندي. وقال إن الصفقة وقعت عليها الحكومة السابقة وأنه سيكون من “الصعب للغاية” الانسحاب دون دفع “غرامات باهظة.

وعلى ضوء هذه التطورات، بات واضحا أنه ما أن تصل المواقف إلى صفقات السلاح التي تقدر بالمليارات من الدولارات فإن دولا كثيرة تتريث في اتخاذ قرار بقطع مبيعات السلاح عن السعودية التي تدخل بدورها طورا جديدا في سياستها الدفاعية الشاملة، بشكل يجعل أمنها واستقرارها ومصالحها محصنة من أي تقلبات في المواقف الدولية.

6