مأساة الحسين: تزييف التاريخ لإضفاء شرعية السلطة السياسية

ذكرى اغتيال الحسين استغلها الولي الفقيه ومن قبله الصفويون من أجل السيطرة على عقول التابعين، وما الانتصار لآل البيت إلا وسيلة لتمتين أواصر المذهب والتحكم في اللاوعي الديني بتوجيه المخيال الشعبي الشيعي صوب أطروحات السياسة ومغاليقها.
الجمعة 2015/10/30
حب الشيعة لآل البيت يوظف توظيفا سياسيا نابعا من مخيال طقوسي

احتفل الشيعة بيوم عاشوراء هذا العام، وكما هي العادة تم الاحتفال بلطم الخدود وإسالة الدماء والبكاء أو التباكي على الحسين، بناء على مقولة منسوبة إلى أحد أئمتهم “من بكى أو تباكى على الحسين وجبت له الجنة”. ربما لهذا السبب نرى الآلاف يتباكون وليس بهم بكاء، سيرا على العادة والتقليد.

لعبت مأساة الحسين دورا تاريخيا كبيرا، سياسيا واجتماعيا، في الحفاظ على لحمة الشيعة عبر التاريخ، من خلال خلق فولكلور شعبي يخاطب اللاوعي الديني، كما لعبت تلك المأساة أيضا دورا في منح المشروعية لأيّ سلطة سياسية تدعي أنها تمثل آل البيت، لذلك كانت وظيفتها سياسية بدرجة أولى.

ويقال إن البويهيين ـ الذين حكموا العراق وإيران ـ هم الذين شجعوا على هذه الممارسات، وإن بريطانيا عندما استعمرت الهند في بداية القرن التاسع عشر وعرفت تطرّف الشيعة في حب آل البيت وفي تخليد ذكرى مقتل الحسين، شجّعت على ذلك وأدخلت لأول مرة الضرب بالسيوف والآلات الحديدية إلى إيران، إذ كانت على نزاع مع روسيا على غزوها، بل إن السفارات البريطانية في العراق وإيران كانت تموّل مواكب العزاء في عاشوراء. ويعلمنا تاريخ الاستعمار الأوروبي أن الشعار الذي رفع فيه هو تحضير الشعوب الهمجية، لذا من الراجح أن بريطانيا شجعت على ذلك لتبرير احتلالها.

وعندما حكمت الأسرة البهلوية في بداية القرن العشرين دعمت هذا السلوك الاجتماعي، فكان الشاه يتقدم مواكب العزاء في عاشوراء، لأنه يحكم شيعة ولا بد أن يصنع مثلهم ليدوم سلطانه. وفي عام 1979 جاءت ثورة الخميني التي انقلبت على الشاه لكنها لم تنقلب على أيّ شيء آخر خلفه، بل إن دولة الثورة أعادت تجديد الطقوس التقليدية لحفلات عاشوراء، ووضعت لها مؤسسات وحسينيات خاصة، وأفردت لها ميزانية ضخمة من مالية الدولة، لكي يستمر هذا التقليد جيلا بعد آخر، طالما أنه المشترك الوحيد الذي يجمع بين الشيعة.

الشيعة الذين يحيون اليوم ذكرى مقتل الحسين في كربلاء، شيعة ثقافة شعبية وطقوس احتفالية هي طقوس عاشوراء

إن المثير هو أن الشيعة، الذين يدّعون في كل عام أنهم يبكون، لا يرغبون بالتحقيق في الوقائع التاريخية وغربلة الحقائق من الخرافات والأباطيل. فالثابت، تاريخيا، أن الشيعة هم قتلة الحسين رضي الله عنه، ولكنهم نجحوا في قلب الحقائق التاريخية فأصبحوا هم الذين يتباكون عليه كل عام، فكأنهم يتمثلون المثل العربي القديم “يقتلون القتيل ويمشون في جنازته”.

واقعة مقتل الحسين مشهورة في كتب التاريخ. والقصة باختصار كما ينقلها ابن الأثير وابن كثير والطبري (وهذا الأخير متّهم بالتعاطف مع آل البيت فروايته لا يلحقها الطعن) وسواهم، أنه بعد وفاة معاوية استدعى الوليد بن عتبة ـ وكان واليا على المدينة ـ الحسين وعبدالله بن الزبير وطلب منهما أن يبايعا يزيد بن معاوية، فرفضا. فلما علم أهل الكوفة ـمعقل الشيعةـ بالخبر أرسلوا إلى الحسين يطلبون منه المجيء إليهم ليبايعوه، ويقول المؤرخ الشيعي عباس القمي إن الرسائل وصلت ستمئة رسالة كلها “من عديمي الوفاء أولئك”، كناية عن أهل الكوفة، هكذا وصفهم القمي. وكانت رغبتهم في بيعة الحسين نكاية في بني أمية، لا حبا في آل البيت، كما يتبيّن من تحليل الوقائع.

يذكر ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” أن الحسين لما التقى أهل الكوفة أنكر زعيمهم، ويدعى الحر بن يزيد التميمي، أن يكونوا قد كتبوا إليه بالفعل رسائل، فأخرج الحسين كيسين (خرجين) مليئين بالرسائل فنثرها أمامه، فقال له الحر: فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا أنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك (نقودك إلى) الكوفة على عبيد بن زياد. وابن زياد هذا كان واليا على الكوفة، وكانت مهمته اعتقال الحسين والمجيء به إليه، لتسليمه إلى الخليفة يزيد. وهكذا فالقصة كلها لعبة، والرسائل كانت طريقة لإيقاع الحسين في الفخ. وفي الأخير انقلبوا عليه فقتلوه ومنعوه من شرب الماء حتى مات عطشا في يوم جمعة.

الثابت، تاريخيا، أن الشيعة هم قتلة الحسين رضي الله عنه، ولكنهم نجحوا في قلب الحقائق التاريخية فأصبحوا هم الذين يتباكون عليه كل عام

ويقول محسن الأمين في كتابه المعروف “أعيان الشيعة”، وهو شيعي، إن الحسين بايعه عشرون ألفا من أهل العراق ثم “غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم”. ولكن الشيعة أخذوا هذه القصة وأدخلوا فيها عجائب وقصصا، مثلما فعل المسيحيون مع يسوع المسيح في قصة الجلجلة، لكي يبقى المخيال الشعبي حيّا يشتغل، ويستمر التوظيف السياسي. ويقول ابن العبري في كتابه “تاريخ مختصر الدول” إن “للروافض في هذه القصة زيادات وتهاويل كثيرة”.

بيد أن ما يثير الغرابة في الثقافة السياسية الشيعية، هو ذلك الربط الذي يقيمه الشيعة بين الموقف السياسي من قضية السلطة بعد وفاة النبي (ص)، وبين الموقف الأخلاقي من الصحابة. فهم يلعنون الصحابة وإحدى زوجات النبي (ص)، هي عائشة رضي الله عنها، ويوحون إلى أتباعهم أن هذا تقليد دأب عليه آل البيت، ومن ثمة سحبوا موقفهم من البيت الأموي على الصحابة كلهم، وموقفَهم من حقبة معاوية وما يليها على موقفهم ممّا بعد السقيفة.

وكما سبق أعلاه، فإن أهل الكوفة لو يكونوا راغبين في مبايعة الحسين حبا فيه بل نكاية في يزيد بن معاوية، لذا لعبوا لعبة الشطار، بأن يكونوا مع الغالب، فكانوا مع يزيد إحقاقا للشعار الشهير “قلوبنا مع علي وسيوفنا مع معاوية” الذي رفعه سلفهم يوم التحكيم، وما أدراك ما يوم التحكيم، يوم ادعى المتشيعون أنهم مع علي وإنهم لناصروه، فإذا بهم يميلون إلى الطرف الآخر.

ما يدل على هذا رواية ابن العبري، فقد روى أنه بعد تولي هشام بن عبدالملك الحكم، خلفا ليزيد، خرج زيد بن علي بن الحسين إلى الكوفة (عندما قتل الحسين في كربلاء لم يبق من عقبه إلا ابنه علي الذي استثنوه لأنه كان مريضا) أسرع إليه الشيعة وقالوا له “نرجو أن يكون هذا الزمان الذي تهلك فيه بنو أمية”، ثم أخذوا يبايعونه سرا، فبايعه أربعة عشر ألفا منهم “على جهاد الظالمين والرفع عن المستضعفين”، فلما علم يوسف بن عمر، وكان أميرا على البصرة، سعى إلى قتال زيد، لكن الكوفيين بدل أن يوفوا بعهدهم ويقاتلوا معه جاؤوا إليه وسألوه “ما تقول في أبي بكر وعمر؟”، فأجابهم “ما أقول فيهما إلا خيرا”.

نريد أن نخلص من ذلك إلى أن الشيعة الذين يحيون اليوم ذكرى مقتل الحسين في كربلاء، بالضرب واللطم وسب الصحابة ولعن أهل السنة، ليسوا شيعة أهل البيت، بل شيعة ثقافة شعبية وطقوس احتفالية هي طقوس عاشوراء، وبأن غياب الجرأة الدينية والتاريخية والأخلاقية يجعلهم يتجاهلون بأن أسلافهم الأولين ـ الذين تركوا لهم هذه الثقافة العدوانية ـ كانوا خصوما للحسين وأعوانا لخصومه، ولم يكونوا من مشايعيه.

13