مأساة المثقف حين يتخلى عن دوره

الأربعاء 2013/11/20

لا يوجد تصنيف متفق عليه من هو المثقف، وسنعمل على تصنيف ثنائي يساعد على الفهم أكثر، المثقف إمّا أن يستقل بعمله، تصنيفاً وتحليلاً وفهماً وإعادة إنتاج للمعرفة، أو يستندَ إلى كل ذلك، ويضيفَ إليها صفة الممارسة، فيتركب فعله من ثقافة وسياسة وأيديولوجيا، أي يصبح مثقفاً عضوياً كما يقول غرامشي. لا مكان لمثقف السلطة داخل ما نشير إليه، فهو خادم السلطان بامتياز، مقولاته أيديولوجية، يرميها في وجه المعارضين، أو إزاء الواقع وكل مجرياته، ولا يغير منها تبدلاته المستمرة، أي هو لا ينتج ثقافة بل يفرض أيديولوجيا معينة، تكرّس ثقافة الطبقة السائدة الكولونيالية، أي ثقافة السلطان.

المثقف فشل أن يكون مستقلاً بذاته، قلّة أبحاثه تدينه وتفضحه. فقط بعض الكتب تكلمت عن الثورة، القراءة الهادئة تظهر فيها انحيازاً سياسياً لطرف ما، أي لم ينتج المثقف نظرية الثورة، ولم تشفع لها طول المدة، فبقيت الثورة يتيمة، ليس فقط من المناصرين العالميين لها، بل من دراسة المثقف لها.

ثورة طبقية

شاع سرد مقالي لا متناهٍ عن الثورة، هو أقرب للمتابعات الصحفية منه للبحث. قبالة ذلك بقيت مشكلات الثورة تتكثف تتلاحق وتتعقّد، حتى دخلت بنفق مظلم، عنوانه الجهادية والاقتتال مع كتائب الثورة، وعسكرة مَهولة، ودمار وقتل وحصار، وما يفوق المئة ألف شهيد، وأكثر من ربع مليون معتقل. من نافل القول، أن النظام سيدفع الثورة نحو ذلك، وطبعاً سيعمل الأخوان من أجل تفردهم بنظام الحكم، فهم يتوهمون أنهم البديل المطلوب جماهيرياً. جماعات التكفير والجهادية لا تهتم بإسقاط النظام بقدر اهتمامها بملء الفراغ، وبناء سلطتها القروسطية على جثة الثورة، وعلى نيران الخلافات المستعرة بين أطراف المعارضة السياسية؛ النظام وظفها بطريقة أو بأخرى بقصد تدمير الثورة، وإظهار نفسه نبي العلمانية الوحيد، والوكيل الحصري لمقاتل الإرهاب. لم يفعل المثقف شيئاً يُذكر لإيقاف كل ذلك، وكذلك القوى الحداثية المتصارعة.

مثقفنا، وهنا يتحدد كلامنا بالمثقف الحداثي، وعلى اختلاف تياراته، إمّا نعَتَ الثورة بالإسلامية، أو أنّ فيها نقصاً في موجباتها الحداثية، أو جعل منها مؤامرة إمبريالية، أو ليبرالية، وهناك من صنفها كثورة طبقية، ونجد من نظّر لها بعمق شديد، ولكن أعيته الحيلة، فلم يستطيع في ظل الانقسامات الحادة في أطراف المعارضة، أن يرسّخ قدمه في التنظير لها أو السياسة أوالثورة فظل هامشاً كما هٌمشت الثورة الشعبية.

مسألة الهوية

تيار من المثقفين الحداثيين، أبدع وتفنّن وأظهر كل ملكاته المعرفية في نقد الأخوان المسلمين، والجهادية والدول الإقليمية، وبذل مجهودات كبيرة، لتبرئة الذات من الأخطاء؛ وهو بذلك فاقد لدوره كمثقف، ويعمل حثيثاً لصالح حزبه، أو بممارسة أقرب للحزبية، يقدم رؤيته بما ينزه الذات ويكفر الأخر. نمط تفكير طفولي، يريد إثبات وجوده.

مثقفنا هذا فاشل. فَشِلَ في وضع رؤية تتجاوز انقسامات السياسيين الحداثيين، ولم يخض نقاشاً عن الثورة مع المثقفين، بينما تتطلب مشكلاتها رؤية عميقة لوضعها، كي تصاغ السياسات والبرامج عنها.

لا شيء من ذلك أبداً، أي لم يقرأ الواقع، وعُلِّبَ برؤية مسبقة عنه. أخطأ المثقف وأخطأت معه كل القوى الحداثية، وتفتت رؤاها ونشاطاتها وأعمالها؛ فهولم يفعل شيئاً يذكر رغم مرور ثلاث سنوات على سوريا، وهي سيرورة ثورية متصلة، بينما نجح النظام بدفع الثورة نحو الحرب نحو مستنقع "الحرب الأهلية".

ويكاد يقطع صيرورتها كثورة شعبية، ويدخلها بجحيم الجهادية والإمارات الطائفية والقومية، ويهيئ الأرض كلها لصوملة أو أفغنة.

المثقف لا ينتج معرفة. هو ينعت الأخر بالتأمر عليه، وعلى من يواليه، ويحجب صوته. وهذا كل صحيح، ولكن هذا ليس دور المثقف، فدوره يكمن بالتحديد في دراسة الواقع، وأطراف الصراع فيه، واكتشاف الأفكار والرؤى عنه، وتحديد السياسات العامة، وبالتالي تشكيل رؤية كاملة عن الواقع.

ينشغل بعض الكتاب في الآونة الأخيرة بالثورة، فيكتبون دراسات عن مسألة الهوية، والانقسامات الطائفية والقومية والمحلية، وبدلاً من قراءة الواقع وأسباب ثورته ومؤشرات دخوله نفق التذرر، يلجؤون لدراسة ظاهر الواقع بدلاً من إعادته إلى أصله، أي إلى الشرط الاقتصادي الذي وصله التطور، فكان بالتالي لا بد من الثورة، وفي هذا السياق تقرأ الهوية وكل قضايا العلاقات الاجتماعية والفكرية والدينية والثقافية القديمة والحديثة؛ أما قراءة الواقع، وكأنّه كذلك فهي قراءة أقرب للطائفية.

وربما العلموية، حيث تدعي بحثاً علمياً عن الواقع، بينما هي محكومة لرؤية طائفية في فهم الواقع، وهي وبإبعادها الشرط الاقتصادي كشرط محدّد للثورة، تصبح أحد مظاهر الرؤية الليبرالية، وبالتالي لا تقدم لنا تلك الدراسات معرفة، بقدر ما تسهم بقسطها الخاص في تأزيم الوضع المتأزم أصلاً. دراسات الهوية قضية شائعة.

قراءة الواقع

دور المثقف يكمن في قراءة الواقع انطلاقاً من الشرط الاقتصادي المحدّد له، ومن واقع الانهيار الاقتصادي للقطاعات الأساسية في الإنتاج، والتي شهدت قبل بداية الثورة وأثناءها تراجعاً حاداً في الزراعة والصناعة ولاحقاً تعطلاً شبه كلي، وافتقاداً لأي خطط للسياحة وسواها، وتزايد أعداد المفقرين، وتراجع معيشة الطبقات المفقرة، ودراسة كل مشكلات البينة الاجتماعية وأثر ذلك على العلاقات الاجتماعية، وسيادة علاقات أقرب للعائلية والدينية والعشائرية والمناطقية، ودوراً للسلطة الأمنية الشمولية في كل ذلك، وفي كيفية ترتيبه وضبطه في أشكال معينة. حين نبدأ الدراسة ضمن هذه المنهجية يستطيع المثقف العودة للواقع، وفهم آليات الصراع، وفهم أطراف الصراع، وتأثير فترة الثمانينات كذلك، وما هو شكل النظام السياسي، قبل تلك الفترة وبعدهاوالآن.

المثقف معني بالعودة لدوره، أي إنتاج المعرفة المطابقة، ولنقل القريبة من ذلك عن الواقع،لا الاعتماد على معيارية محددة، يقيس وفقها كل قوى الصراع، وتنتج له معرفة مسبقة عن الواقع، ولا تأتي بأيِّ جديدٍ.

وبالتالي هناك تاريخ لما قبل الثورة، وهناك أكثر من عقد كان له دور مركزي في إطلاق الثورة، وهنا ثلاث سنوات، تتطلب درساً منفصلاَ، وبحثاً مستمراً لكافة تطورات الثورة.

وبالمثل يتطلب الأمر بحث إستراتيجية النظام، وكيفية إدارته لنفسه وللثورة. وكيفية دفع توجهها الرئيسي نحو العسكرة وصولاً لخلق الجماعات الجهادية بشكل واسع وكبير.

طبعاً لا يمكن تجاهل دور الخارج الإقليمي والإمبريالي في كل ذلك.

المثقف معني بالكلام عن كل ذلك، وليس تحميل النظام أوالإخوان أو الجهادية المسؤولية، فهم جزء من اللوحة، وينتمون للمستوى السياسي للبنية، وليسوا كل البنية وليسوا كل الثورة.

14