مأساة الموريسكيين ضحايا الاضطهاد

السبت 2014/08/16
طرد المسلمين من ميناء دينايا

أبوظبي- البحث في تاريخ الموريسكيين هو بحث في تاريخ المسلمين بإسبانيا بعد سقوط غرناطة، وهو تاريخ حافل بالآلام والمعاناة القاسية التي عاشوها هناك، في ظل الاضطهاد وسياسة الانتقام التي مارسها المسيحيون الإسبان ضدهم. من هنا فإن كتاب “تاريخ الموريسكيين حياة ومأساة أقلية”، للباحثين الإسبانيين أنطونيو دومينغيت أورتيت وبيرنارد فانسون والصادر عن “مشروع كلمة” في أبو ظبي بترجمة محمد بنياية يكتسب أهمية خاصة لأنه يعيد كتابة هذا التاريخ المأساوي، بل لأنه جاء من باحثين إسبانيين اشتغلا بأمانة علمية على إنصاف ذلك التاريخ.

يتفق أغلب المؤرخين الإسبان على تقسيم تاريخ الصراع المسيحي الموريسكي إلى ثلاث مراحل، كان أولها تنصر المسلمين القشتاليين، وثانيهما ثورة الموريسكيين الغرناطيين، وثالثهما طرد الموريسكيين نهائيا من إسبانيا.

مع ذلك يرفض الباحثان أنطونيو دومينغيت أورتيت وبيرنارد فانسون اعتبار تاريخ العلاقة بين الموريسكيين والمسيحيين تاريخ صراع دائم لأنهما يريان أن التحول في العلاقة جاء نتيجة لسلسلة طويلة من الأحداث، تغير خلالها وضع الموريسكيين من مسلمين إلى مدجنين ثم إلى موريسكيين.

القارئ للكتاب يلاحظ المنهج التاريخي في تتبع الأحداث وتطورها على مستوى العلاقة بين الطرفين وما جرى فيها من معارك واتفاقات كانت تفرض على الطرف المسلم وفي مقدمتها إلغاء الخصوصيات الموريسكية كالرموز الإسلامية واللغة العربية والختان. لقد كانت هذه السياسة تهدف إلى تجريدهم من كل عاداتهم وخصوصياتهم الثقافية حتى لو كان الموريسكي قد أعلن اعتناقه المسيحية.

هذه السياسات العنصرية التي تنوعت بين القمع ومحاولة الدمج دفعت بالموريسكيين في مناطق مختلفة للقيام بثورات متعددة خلال مدة ربع قرن، لكنها بسبب اختلال موازين القوى بين الطرفين كان يتم القضاء عليها حتى كانت نهايتها مع انتهاء آخر وجود لهم على الأرض الإسبانية.

يفرد الكتاب حيزا كبيرا للثورات وحركات التمرد التي قام بها الموريسكيون


سياسة الدمج


رغم كل المحاولات والمشروعات والضغوط وسياسات الإكراه التي مورست بحق الموريسكيين فقد فشلت سياسة الدمج التي اتبعها الإسبان وظهر الموريسكيون أكثر تشبثا بالإسلام وبعاداتهم وتقاليدهم كرد على محاولات صهرهم في المجتمع. وقد لعبت المراسلات العديدة كما يكشف الباحثان بين الموريسكيين والقسطنطينية عن الدور الذي لعبته في تعزيز آمالهم بقدوم العثمانيين لنجدتهم. كذلك لعبت الغارات التي كان يشنها قراصنة جنوب المتوسط وتوغلهم في بعض المناطق الساحلية دورها في تمكين العديد من الموريسكيين من الفرار باتجاه الشمال الإفريقي. لقد ظلت محاولات الثورة من قبل الموريسكيين قائمة ولعل ثورة الموريسكيين الغرناطيين هي مثال على تلك الثورات التي كان يقودها خلف بن أمية. هذه الحرب يقسمها الباحثان إلى أربع مراحل يتناولان كل مرحلة منها بالتفصيل، لا سيما على صعيد الانقسامات التي كانت تحدث في صفوف الحملة الإسبانية أو بين الموريسكيين بسبب تباين الآراء حول المواقف التي يجب اتباعها.


ثورة الموريسكيين


يفرد الكتاب حيزا كبيرا للثورات وحركات التمرد التي قام بها الموريسكيون في مناطق مختلفة من البلاد كان أهمها ثورة الموريسكيين التي قادها ابن أمية في الأرياف وهي تتصف بالقوة التي عززتها صلات القرابة بين المجموعات الثائرة، ما جعلها ذات طابع قروي، كان للتضامن الموريسكي في مملكة غرناطة معها دوره في تقويتها وعلى الرغم من تخوف المسيحيين في تلك المناطق من قيام تحالف إسلامي بين الموريسكيين والبربر الجزائريين والدولة العثمانية إلا أن ذلك لم يتحقق إلا بشكل جزئي بسبب انشغال الدولة العثمانية بحربها في قبرص، إضافة لانشغالها ببعض القضايا العالقة مع الروس.

كتاب يعيد القراء إلى الوثائق والتاريخ

لقد تركز الدعم على سواحل شمال أفريقيا ومن بعض الموريسكيين المقيمين في ممالك إسبانية أخرى كبلنسية التي كانت العلاقات فيها بين الموريسكيين والسكان الإسبان أكثر توترا وصعوبة. يعزو الباحثان أسباب فشل هذه الثورة إلى غياب الدعم التركي من جهة ومن جهة أخرى إلى تصاعد الخلافات الداخلية بين الموريسكيين إضافة إلى قيام بلنسية بتجريد الموريسكيين فيها من سلاحهم وإخضاعهم إلى مراقبة شديدة.

من خلال التدقيق ومراجعة العشرات من الوثائق والمصادر التاريخية، التي اهتمت بدراسة الجغرافيا البشرية للموريسكيين في إسبانيا، يرسم الباحثان خارطة دقيقة لتوزع الموريسكيين في الممالك الإسبانية المختلفة. ومما يخلصان إليه من نتائج أن الثقل الأساسي للموريسكيين كان يتواجد في مملكة غرناطة.

لقد كان المئات من الموريسكيين يتواجدون بالمدن في أحياء خاصة بالمسلمين كانت معزولة عن باقي المدار الحضري. كما تبين الدراسة أن هؤلاء الموريسكيين كانوا من ذوي الأصول المدجنة الذين كانوا في طريقهم إلى الاندماج لكن قيام ثورة الموريسكيين حالت دون ذلك إذ بدأت عمليات طرد الآلاف من الموريسكيين من غرناطة إلى مناطق مختلفة من قشتالة، وفي مرحلة لاحقة سيتم طردهم من المناطق القريبة من سواحل المتوسط لكي يحرموا حلفاءهم البربر على الضفة الأخرى من إمكانية السيطرة على تلك السواحل، في حين لم تتوقف عمليات هرب الموريسكيين عبر البحر باتجاه بلدان الشمال الأفـــريقي.

هذا الوضع جعل موريسكيي غرناطة بلا جذور نتيجة الارتحال الدائم حتى أصبحت هذه السمة ميزة أساسية للديموغرافيا الموريسكية انعكست سلبا على وضع الزيادة السكانية لهم.

يكشف الكتاب عن الرغبة الماثلة عند مسيحيي إسبانيا من خلال مجموعة التدابير الرامية إلى التبشير التي اتخذوها في دمج الموريسكيين. وفي حين تشير الدراسة إلى بعض الإيجابية في سياسة التذويب هذه، فإنهما يكشفان عن الجانب المدمر لها وعلاقته بالاضطهاد الذي كان يمارس ضد الموريسكيين. وتتوقف الدراسة عند طابعين أساسيين من سياسة القمع التي كانت تمارس في المجال الديني، أولهما الاعتماد على جهاز تشريعي واسع بدأ منذ مرحلة مبكرة وكان يجري تطويره لكي يحقق إلغاء أي مظهر يدل على الإسلام فرديا كان أم جماعيا. وعلى الرغم من محاولات الموريسكيين تعديل هذه القوانين إلا أن أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى هذا الهدف إلا بصورة محدودة.

تتوقف الدراسة عند الدور الخطير الذي لعبته محاكم التفتيش في اضطهاد الموريسكيين الذين يعتبرون الضحية الأولى لهذه المحاكم لا سيما في بلنسية وغرناطة حتى تمَّ طردهم من هناك. من العقوبات التي طبقتها تلك المحاكم على الموريسكيين هناك عقوبتان أساسيتان أولهما هي التصالح مع الكنيسة وكانت ترافقه عملية مصادرة لأملاكهم، في حين كانت العقوبة الثانية هي الموت في المحرقة، وإن لم تكن تطبق بصورة واسعة. ويبين الباحثان أن التهمة الأساسية بالنسبة للموريسكيين كانت هي الإسلام عند هؤلاء القضاة، ما كانت تستدعي العقوبات الأشد.

يسهب الباحثان في سرد عمليات الطرد الواسعة التي تعرض لها الموريسكيون في إسبانيا سنة 1609 بعد أن تم إرجاء تلك العملية مرات عديدة، حيث كانت الجهة المفضلة لهم هي تونس بسبب الترحيب الذي كانت تبديه لهم في حين رتب البعض منهم أموره مع فرنسا التي استقبلتهم مقابل المال ما أعفاهم من فظاعات الترحيل القسري. نصوص مرسوم الطرد كانت تتضمن فيما تتضمنه ترحيلهم إلى المناطق التي تحدد لهم خلال ثلاثة أيام حاملين معهم ما يستطيعون من متاع، والإبقاء على ما تبقى من الأمتعة دون تدميرها تحت طائلة الإعدام.

17