مأساة النمرود ومآسي الأجيال

الأحد 2016/12/11

في كل طالع يوم نصحو على جديد من الكوارث تسبب به الاحتلال الأميركي للعراق. واليوم كما في الأمس نصحو مجددا على فداحة حجم التخريب والضرر الذي أصاب مدينة النمرود الأثرية على أيدي مغول العصر الدواعش وهم الثمرة المرة بامتياز لاحتلال العراق..

وبغض النظر عن المتسبب الحقيقي في تلك الجريمة سواء بالفعل غير المباشر للاحتلال أو بفعل جهل وتخلف وفساد السياسيين العراقيين الذين جاء بهم، فإن واجب إعادة تعمير تلك المعالم الحضارية مهمة إنسانية شاملة لا تقتصر على العراق وحده كبلد أنهكته الحروب والأزمات وأدخله سياسيوه في أنفاق التخلف والظلام، بل تتعداه إلى العالم كله لما لتلك المعالم من أهمية قصوى كونها إحدى مكونات الإرث الإنساني برمته.

إنّ الجدل القائم الآن بشأن النظريات المتناقضة الخاصّة بعلمية ترميم الآثار المتضررة، سواء بفعل الإرهاب أو الكوارث الطبيعية أو عوادي الزمن، لهو جدل بيزنطي عقيم يريد من خلاله خبراء اليونسكو التملص من المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم في الحفاظ على الموروث الإنساني.

وبالنظر لتوفر التقنيات الحديثة وإمكانية التصوير ثلاثي الأبعاد، ولتوفر المادّة الخام من فتات الحجر الموجود في المواقع الأثرية التي تعرضت للتفجير، فإن احتمال إعادة ترميم مدينة النمرود أمر ممكن جداً في حال توفر الأموال اللازمة لذلك، ناهيك عن أن الأمر لا يقتصر على الموقع المذكور فقط، فأنا متأكد بأن العالم سيُصدم حالما يتم طرد فلول داعش من مناطق الموصل الأخرى واكتشاف حجم التخريب الذي جرى لمواقع المدن الآشورية الأخرى وأسوار مدينة نينوى التاريخية ومرقد النبي يونس وغيره من المواقع التي كانت تشكل واحدة من أبرز مفردات المعالم الحضارية في العالم، والتي ستحتاج هي الأخرى لجهود خلاقة مخلصة لترميمها وإعادتها إلى ما كانت عليه من ألق وفرادة تحكي للأجيال المقبلة قِصَّة الرقيّ والتحضر الذي كان قد وصل إليه إنسان بلاد الرافدين قبل آلاف السنين.

إن الإهمال الذي تتعرض إليه أغلب المواقع الأثرية في العراق اليوم، بما في ذلك تلك المواقع البعيدة عن تخريب المنظمات الإرهابية لهو دليل قاطع على عدم أهلية المسؤولين المحليين عنها، الأمر الذي يتطلب تدخلاً دولياً جديّا لإنقاذها وفق أسس علمية ومنهجية وبما يتيح مواصلة أعمال التنقيب المتوقّفة فيها منذ الاحتلال حتَّى يومنا هذا، بواسطة فرق دولية من المتخصصين وبإشراف مباشر من اليونسكو وإدارات المتاحف والآثار العالمية المعروفة وتوفير المبالغ اللازمة لذلك. ومثل هذا الجهد المطلوب سيكون محاولة خجولة للتعويض عن أضرار الاحتلال وما نتج عنه من تدمير للبنى الحضارية والتاريخية من بين ما تم تدميره من بنى اقتصادية واجتماعية وصناعية أخرى.

وأعتقد جازماً بأن الوقت قد حان لتعويض العراق عن تلك الجرائم وإن في البعد الحضاري، وإذا كان ما يعانيه البلد اليوم من كوارث أمنية ومجتمعية يدفع العراقيون وحدهم ثمنها من حياتهم ومستقبلهم، فإن مثل تلك الكوارث الحضارية سيدفع ثمنها العالم كله من دون استثناء، وما زلت أذكر دهشة هذا العالم عندما اكتشف عدد من الآثاريين العرقيين في تسعينات القرن الماضي كنز النمرود الذهبي ودقّة صناعته والكمّ الهائل من الإبداع اليدوي الذي انطوى عليه متمثلاً بتيجان الملكة وقلادتها وأقراطها التي دارت متاحف العالم وأبهرت الملايين كنموذج لما وصل إليه سكان وادي الرافدين من رقيّ وتقدّم في الفنون والآداب وصناعة الجمال. كم من الوقت سيمضي ونحن نحصي خسائرنا وخسائر الأجيال المقبلة.

كاتب من العراق

11