مأساة اليرموك بعيدة عن جنيف2 والنظام يتنصل من مسؤولياته

الجمعة 2014/01/31
أطفال اليرموك يبحثون عن الأمان في مخيم دمره الصراع وحصار النظام

دمشق – أن تقضي في سوريا قنصاً فهو أمر عادي هذه الأيام، أو أن تموت قصفاً فالأمر أيضا بات طبيعياً، حتى ذبحاً فذلك وارد أيضا في ظل حرب ضروس تعصف بالبلاد، التي أصبحت كل الأسلحة فيها مستخدمة وأبشع العقائد التكفيرية سارية بأحكامها. وفي أية طريقة من تلك الطرق، سيكون الموت واحداً، سريعاً. لكن أن تموت جوعاً فهذا ما يجعل من مخيم اليرموك وأزمته استثناء مختلفاً عن كل المعاناة التي تجتاح سوريا، في المخيم للموت وقتٌ للفراغ يملأ الأمعاء الخاوية، محاولات خجولة يسعى إليها مؤتمر السلام الخاص بسوريا جنيف2 من أجل فك الحصار عن المناطق المحاصرة، إلا أن هذا الكلام لا يغني ولا يسمن من جوع لأهالي المخيم.


تاريخ الحصار


أنشىء اليرموك في العام 1957 كمخيم للاجئين الفلسطينيين، الا انه تحول خلال العقود الماضية الى منطقة تجارية وسكنية تضم مباني من طبقات عدة يقيم فيها عشرات الآلاف من الفلسطينيين والسوريين.وقبل ومع تمدد المعارك في صيف 2012 إلى أحياء على اطراف دمشق، نزح العديد من سكان العاصمة إلى اليرموك، ما رفع عدد سكانه ومع اندلاع الاحتجاجات المناهضة لنظام الرئيس بشار الاسد، قارب تعداد الفلسطينيين فيه 150 ألف شخص،و سرعان ما تحول إلى ساحة حرب، وانتقل إليه العديد من السوريين الذين حملوا السلاح ضد القوات النظامية، حيثشارك مسلحون فلسطينيون في القتال، بعضهم إلى جانب المعارضين، وآخرون إلى جانب القوات النظامية، لا سيما منهم عناصر الفصائل الموالية للنظام، أبرزها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة.

وبدأ الحصار على مخيم اليرموك بتاريخ 26-12-2012 أو بعد ما بات يعرف بـ”ضربة الميغ” حيث استهدفت طائرات الميغ التابعة للنظام السوري العديد من الأماكن التي كانت تأوي العشرات من النازحين. ومنذ ذلك الوقت يعيش المخيم ظروفاً يصعب تصديقها وسط حصار شامل أدى إلى فقدان معظم المواد الغذائية والطبية من المنطقة مع تواصل القصف اليومي، وحسب الناشط الإعلامي “أبو عبد الله” المتواجد داخل مخيم اليرموك فإن الحصار مفروض على الحي من عدة جهات، بحيث تسيطر على مداخل الحي القيادة العامة لجبهة تحرير فلسطين بقيادة “أحمد جبريل” وعناصر جيش الدفاع الوطني من أهالي شارع “نسرين”، مدعومةً بعناصر فرع أمن “فلسطين” الشهير في سوريا، وتعتبر هذه الجهات غير متوافقة بين بعضها البعض لعدم وجود قرار مركزي واحد، ما يعرقل إدخال المساعدات دوماً إلى المخيم، في حال تم الاتفاق على إدخالها، فضلاً عن تواجد فعّال لكل من لواء “أبي الفضل العباس" العراقي و”حزب الله” اللبناني، اللذين يلعبان الدور الأبرز في تلك المنطقة متولّين قيادة العمليات هناك، حسب ما أفاد به “أبو عبد الله” حيث قال إن الفصائل المقاتلة هناك قد خرقت العديد من اتصالات الفصائل المحاصرة للحي، وأظهرت جميعها أن من يقوم بإصدار الأوامر للعمليات هم من يتحدثون باللهجة العراقية أو اللبنانية.

منذ قرابة السنة لا يوجد كهرباء في داخل المخيم، علماً أن الكهرباء من الحاجات الأساسية للكائن الحي، ويقطن مخيم اليرموك مليون و300 ألف نسمة، ووصل عدد ضحايا الجوع داخل المخيم إلى قرابة الثمانين شخصاً. كما أن العدد قابل للازدياد، هذا ويعاني المخيم من توقف كامل لكافة الخدمات الطبية والتعليمية أيضاً، وقد بدأ انتشار فيروس التهاب الكبد الوبائي، والوضع الطبي يعاني ما يعانيه من نفاد كل شيء بالمشافي الميدانية، ووصل الأمر إلى استخدام “قطع الأقمشة” بعد تعقيمها من أجل تطهير الجروح عوضاً عن “القطن والشاش الطبي”. كما أن المشرفين هم من الأطباء الذين لم يكملوا تدريسهم بعد، أي أنهم غير متمرسين بمهنة الطب، والمشفى الوحيد الذي يعمل هو مشفى فلسطين الذي يستقبل فقط حالات الإسعاف، وهناك مشفى ميداني آخر يعاني من شح المواد الطبية والأدوية والمستلزمات الطبية الأولية، وقد كان ذلك سبباً في وفاة الكثير من الحالات التي كان بالإمكان إنقاذها.

فيصل المقداد: تم إدخال 600 حصة غذائية وبعض الأدوية وحليب للأطفال


مساعدات خجولة وخيبات أمل


قدر حجم المساعدات التي وصلت إلى المخيم، حسب ناشط إعلامي من قلب المخيم في لقائه مع (أنا برس)، بـ120 سلة غذائية لسبعة آلاف عائلة محاصرة، وباقي الحصص الغذائية تم تحميلها إلى شارع نسرين المؤيد للنظام ويضيف أبو عبد الله “المساعدات التي أرسلت إلى المخيم أنزلت في منطقة اشتباكات، وهي ساحة راما، ويعد انتحارا الذهاب إلى هذه الساحة لشدة الاشتباكات فيها”، وقد ناشد سكان المخيم كثيراً القيادة الفلسطينية كون أن غالبية سكان المخيم من الفلسطينيين، إلا أن المسؤولين الفلسطينيين لم يساهموا سوى إعلامي في فك الحصار عبر شاشات التلفزة ويرى أبو عبد الله أن “السلطة الفلسطينية، حسب علمه، لم تقدم أية خدمة على الإطلاق، وإنما قامت بإدخال مساعدات عبر وسائل الإعلام فقط، مما يجعل النظام المستفيد الوحيد منها وأن جميع الفصائل الفلسطينية خارج سوريا تتشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في حصار المخيم”.

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد دعا في وقت سابق إلى إغاثة المدنيين في المخيم الفلسطيني وإنقاذ اللاجئين في المخيم المحاصر في العاصمة السورية دمشق،ومن جانبه، طالب رئيس الوزراء الفلسطيني، رامي الحمد الله، المحتمع الدولي إلى إغاثة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك عبر فتح ممرات إنسانية. لافتا، في بث إذاعي فلسطيني مشترك تضامنا مع مخيم اليرموك عبر 55 إذاعة محلية، إلى الخطر الذي يحدق بالفلسطينيين داخل المخيم جراء الحصار الذي يمنع المساعدات الغذائية والطبية.

كما أن شح المواد الغذائية وندرتها أديا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل كبير وحدثنا من داخل مخيم اليرموك رامي “أن سعر كيلو الأرز وصل إلى 100 دولار أي ما يعادل أحد عشر ألف ليرة سورية وأن أرخص السلع في مخيم اليرموك هي “العشب” الذي ينبت في الأرض ووصل سعر الكيلو الواحد إلى 700 ليرة سورية وبلغ اللحم 6000 ليرة للكيلو، أما الخبز فهو معدوم داخل المخيم منذ شهور طويلة. واليوم يقتات الناس داخل مخيم اليرموك على لحم القطط والكلاب، هذا ما أكده لنا الناشط أبو عبد الله، و قال إن ما بث عبر شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام من صور ليس من داخل مخيم اليرموك وإنما نشر من قبل بعض الأشخاص لتهويل المشهد وتضخيمه، “كنشر صور لأناس يأكلون قططا”.

يرى أبو عبد الله أنه “على الرغم من أن الصور كاذبة في ذاك الحين إلا أن المشهد أصبح أشد فظاعة وليس بحاجة إلى الفبركة أبداً وتوجد صور أشد فظاعة من التي نشرت سابقاً ولكن الأطر الإعلامية ترفض نشر صور ذات مشاهد قاسية وهذا ما حال دون انتشارها”.


جنيف2 والحصار


رغم أن مساعي مؤتمر السلام الخاص بسوريا لا تزال مستمرة لفك الحصار على المناطق المحاصرة إلا أن الحصار لايزال قائما في كافة المناطق، وعن وصول المساعدات الإنسانية يتبادل الوفدان السوريان التهم بالمساهمة في عدم وصول المساعدات الإنسانية، وقد تحدث فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري في مؤتمر صحفي أنه تم إدخال 600 حصة غذائية وبعض الأدوية الضرورية وحليب للأطفال، إلا أن من يقطن داخل اليرموك يؤكد أن السلال الغذائية التي دخلت لا تتجاوز 120 سلة غذائية، وأن باقي السلال قد استولت عليها الميليشيات المتواجدة هناك.

ويقول مراقبون إن النظام يماطل في جنيف2، ويحاول التملص من إيجاد صيغة للهروب من أي التزام يفضي إلى إنهاء الحصار، مع العلم أن 600 حصة غذائية لسبعة آلاف عائلة محاصرة لا تفي بحاجة جميع الأهالي المحاصرين بالجوع والموت من كل المنافذ.

* بالتعاون مع أنا براس للإعلام

6