مأساة امرأة اسمها فرخندة

الخميس 2015/05/07

شربنا فبحنا فاستبيحت دماؤنا – أيُقتل بوّاح بسر الذي يهوى

وما السر في الأحرار إلا وديعة – ولكن إذا رقّ المدام فمن يقوى؟

تذكرت هذين البيتين للسّهروردي وأنا أشاهد شريطا على مواقع التواصل الاجتماعي يصور مشهد مقتل فرخندة. هي امرأة أفغانية في مقتبل العمر، 27 سنة، كانت تدرس في كلية الشريعة وتحلم بأن تصبح معلمة دين، تحفظ القرآن عن ظهر قلب منذ نعومة أظافرها، وترتدي “الحجاب” وفق التّقاليد المحلية بالتّمام والكمال.

كل هذا لم يشفع لها أمام الدّهماء الذين أعدموها مساء يوم 27 مارس الأخير وسط العاصمة كابول بتهمة حرق القرآن، تهمة أطلقها أحد بائعي التمائم فهاجت عليها الجموع بلا دليل ولا سؤال.

ماتت فرخندة بعد أن تعرضت لسحل وحشي ورفس همجي وركل بالأرجل ورجم بالأحجار إلى أن تهشّم رأسها وخرت على الأرض ميتة. ولما تأكد الهُمّج من أن أنفاسها قد انقطعت، احتفلوا بمقتلها وبدأوا يقفزون فوق جسدها ويتقافزون، قبل أن يجعلوا أحدهم يدهسها تحت عجلات سيارته، ومن ثم بدأوا يجرون جثتها على ضفاف نهر كابول في مشهد صادم لكل ذي ضمير حي.

لم ينته الأمر عند هذا الحد بل أشعلوا النار في جثتها، واستعانوا بالقش والخشب والقماش المتاح لمزيد من اللهب ومزيد من الفرحة والفرجة، وبدأوا يطلقون صيحات التكبير: الله أكبر الله أكبر.

وعندما أفرغوا شحنتهم من الحقد والغضب، بحثوا عن الحجّة لتبرير فعلتهم الشنيعة، دوّروا في كل مكان فلم يجدوا أيّ أثر لأي قرآن محروق. وهو الأمر الذي أكدته لجنة التحقيقات القضائية. لقد كانت التهمة كيدية إذا.

تمّ تداول أشرطة المشهد المصور بأجهزة الهاتف المحمول، في منتديات التواصل الاجتماعي، واعتقل العشرات من المورطين، ضمنهم عدد من رجال الشرطة، ورجل دين يدعى يعقوب خان، وقدموا جميعهم للمحاكمة التي انطلقت أطوارها قبل نحو أسبوع واهتمت بها منظمات حقوقية أفغانية وعدد من وسائل الإعلام المحلية والدّولية.

أثناء مراسيم دفن الشهيدة فرخندة، يوم 27 مارس، تطوعت بعض النساء الناشطات لحمل النّعش، خلاف ما تقتضيه تقاليد “وسواس الفحولة”، ما اعتبره البعض بمثابة بوادر أولية لانتفاضة الوعي.

وفعلا فقد خرجت بعض المظاهرات الاحتجاجية ضد قتل فرخندة. وهي المرة الأولى منذ سقوط نظام طالبان عام 2001 التي تخرج فيها مظاهرات شعبية تساند قضية “امرأة مظلومة”، لا سيما وأن الظلم قد وقع هذه المرة باسم الغوغائية الدينية، ما يوحي بإمكانية أن تصبح مأساة فرخندة وخزة توقظ الضمير الأخلاقي من سباته وغيبوبته.

24