مأساة رنا الفليطي: "العرسلة" التي تسبق "السورنة"

الثلاثاء 2014/12/09

رنا الفليطي هو الاسم الحركي لجبهة النصرة التي قتلت علي البزال. هذا ما قرره حزب الله وهذا ما سيكون. لا يريد الحزب أن يمنح أحدا سواه الحق في أن يقتل القتيل ويمشي في جنازته. أعطى الأوامر بتصنيف رنا الفليطي زوجة علي البزال، السنية العرسالية، إرهابية وقاتلة، ولكنه لم يمنحها شرف الاستمتاع المنتشي بالمشي في جنازة ضحيتها فذلك حق حصري له.

لم يحرم الحزب الإلهي الفليطي من أن تكون زوجة الشهيد، بل نزع عنها كل تاريخ علاقتها بها. سرق كل لحظة عاشتها معه ووهب عمرها برفقته معاني جديدة، سرعان ما احتلت ذاكرة أبناء البزالية وصارت السيرة الوحيدة الممكنة لهذه المرأة. تتلخص هذه السيرة في أن هذه العرسالية كانت قد قتلت زوجها بمجرد انتمائها إلى عرسال. لذا فإن ما قامت به النصرة ليس فعلا أصليا، بل إعادة تمثيل لجريمة عرسالية الأصل والمنشأ.

يعلم الجميع أن السوريين هم ضحايا الإهدار الإلهي للدم، وهو إهدار مفتوح وتام ولا حدود له، وبما أنه حد أقصى فإن كل ما عداه يبدو وكأنه نوع من الرقة والرحمة. لم ينجح الحزب بعد في “سورنة” عرسال تماما، وكذلك لم ينجح في “سورنة” رنا الفليطي تماما، لذا تبدو “العرسلة” في هذه اللحظة مقدمة أخيرة تسبق لحظة الوصول إلى حفلة الإهدار النهائية وهي “السورنة”.

حرمان الفليطي من المشاركة في جنازة زوجها هو بعض ما تتيحه رقة القاتل قبل تنفيذ حكم الإعدام. قبل التنفيذ بلحظة يكون المحكوم عليه لازال متمتعا بنسب إنساني ما، فلا يستطيع أحد ممارسة القتل دون نزع هذه الصفة تماما. لا أحد يقول إنه يقتل الناس إنما يكون التبرير الدائم هو قتل القتل. فعل تصفية الإرهابيين يلحق بهذا التوصيف، فهو لا يلغي من الوجود أناسا وشخصيات وكائنات لهم حيثية متصلة بالعيش والحياة، بل يلغي سياقا من سياقات الموت. هو إذن يستهدف الموت نفسه. لحظة “عرسلة” الفليطي هي لحظة أخيرة قبل هذا السياق، إنها القاتلة بالقوة وتحتاج أن تكون من جبهة النصرة لتكون القاتلة بالفعل.

اغتيال زوجها تم بيديها ولكنها لم تضغط الزناد. هذه هي المسافة التي تضيق بين البيئة الحاضنة للإرهاب وبين البيئة الصانعة له، بمعنى آخر لا تزال عرسال بيئة مؤيدة للنصرة، والحزب يريد أن يرفع تصنيفها الإرهابي لتصبح جبهة النصرة نفسها.

عملية رفع التصنيف تحتاج إلى ما يمكن أن نسميه شيوع الإهدار العادي. هكذا وفي ظل هذه المعمعة التي تلت اغتيال علي البزال بدا كل ما حدث من قتل اللاجئين السوريين والاعتداء على عرسال وتصفية بعض أبنائها، وكأنه جزء من الحياة الطبيعية واليومية. باتت هذه الأفعال معلما من معالم الألفة التي لا يحق لها استجرار استغراب أو استهجان، فكيف الحال إذا كنا نسعى إلى إدانتها؟

لا يستطيع “السياسي” العبور في غابة الجثث هذه. السياسة تعمل قبل المجزرة من أجل تجنبها. يريد الحزب والنظام السوري وإيران للسياسة أن تعمل بشكل مغاير لما وضعت له. يريدونها أن تعمل في المجزرة ومنها وفيها، وألا تكون استمرارا لها أو ممارسة لها بشكل آخر، بل يريدونها أن تتقمصها وأن تتحول إلى سياسة للمجزرة بالمعنى الإداري والتنظيمي. من هنا بات كل شيء يجنح نحو النهايات. النهايات تعلمنا كل شيء عن البدايات وعن السياقات التي أوصلت إلى النهايات، وتعلمنا أن نعيد تأويل كل شيء من جديد انطلاقا من اللحظة الختامية المحترقة. هكذا بتنا قادرين أن نرى كل تاريخ الحرائق مكثفا في لحظة واحدة.

تقول النهايات إن لحظة إعدام علي البزال وما تلاها، ترافقت مع غارات إسرائيلية استهدفت قوافل تحمل أسلحة تعود للنظام البشاري كانت في طريقها إلى حزب الله في لبنان. ليست هذه الأسلحة معدة لقتال إسرائيل، بل تهدف إلى استثارتها من أجل أن يبدو عنوان الحرب الرئيسي ضد السوريين هامشا واسعا يتسع لمقابر جماعية مفتوحة.

إسرائيل لا تريد أن تتعامل مع هذا الاحتمال. تريد للمجزرة ضد السوريين أن تكون عارية ومباشرة. تريد لبشار أن يستمر في ذبح السوريين قي سوريا بكل الأسلحة المبيدة والغبية التي لا تستعمل في أي حرب فعلية بل فقط في حالات الإبادة، وهي الحالة التي تسم تعامل النظام مع السوريين.

تريد من حزب الله أن يفعل الأمر نفسه مع اللاجئين السوريين في لبنان. تسعى إلى عدم السماح له بالحصول على أي سلاح متطور يمكن استخدامه ضدها أن يجعل المجزرة التي سيغطيها تتخفف من بعض وحشيتها، أو تتجه لتصبح نوعا من حرب. لا تريد إسرائيل حربا ضد السوريين، بل تريد إبادة. تريد ذبحا قريبا بالسكاكين كي يرى القاتل وجه الضحية، وكي تحتفظ الجينات السورية الناجية بصورة القاتل ووجهه، ولا تغفر له كي تكون الإبادة التالية شاملة. “السورنة” عنوان “إهدار حزبللهي وإسرائيلي” تام. رنا الفليطي العرسالية المتجهة نحو السورنة كانت إشارة لا تخفى على هذا النزوع.


كاتب لبناني

9