مأساة غزة وكيف يفكر السفاح

الأحد 2014/08/03

ليس أسوأ من أن ترى مأساة إنسانية تحدث أمام ناظريك، وتعرف، أو تعتقد أنك تعرف، إلى حد بعيد أسباب هذه المأساة، وكيف أن البعض لا تشكل المأساة لديهم أكثر من ورقة من أوراق اللعب السياسية، التي من خلالها يحسّنون مواقعهم السياسية أو يكسبون مكاسب معينة على حساب الدماء والأشلاء والأرواح المزهقة.

ترى كل ذلك، وتدرك أبعاد اللعبة المقيتة المميتة، ولكنك لا تستطيع أن تفعل شيئا. لا شك في أن ما تفعله إسرائيل في غزة مذبحة بكل ما في الكلمة من معنى، ومأساة هي عار على جبين الإنسانية وفق كل المعايير، وجريمة بكل المقاييس، إدانتها واجبة، والعمل على إيقافها واجب على كل قادر من الدول والمنظمات والأفراد، ومن منطلق إنساني في المقام الأول. بل إن الإدانة هي أضعف الإيمان لمن لا يستطيع غير ذلك. ولكن، ومن زاوية أخرى، فإن السلوك الإسرائيلي مفهوم، منظورا إلى المسألة سياسيا، وهي الدولة التي قامت واستمرت في الحفاظ على وجودها بالقوة والحل العسكري.

نعم، الجزء الأكبر من اللوم يقع على إسرائيل بالمبالغة في ردة فعلها، ولكن حماس ملومة أيضا، وهي التي تعرف أن سلوكها لا بد أن يؤدي إلى مثل ردة الفعل هذه، خاصة والكل يعرف مدى الحساسية الإسرائيلية تجاه مسألة الأمن، والضحية الوحيدة في كل ذلك، هو الفلسطيني البسيط: رجلا وامرأة، طفلا وشيخا، الذين لم يرحمهم العدو ولا رأف بحالهم الصديق، وتاجر بقضيتهم القريب والبعيد.

هذا لا يعني التخلي عن مقاومة المحتل، ولا يعني الاستسلام المطلق، كما قد يظن البعض، أو حتى يروّج البعض، فالمقاومة حق إنساني وفطري لكل معان من الظلم والاحتلال وهضم الحقوق، ولكن للمقاومة وجوه أخرى، وليس من الضروري أن تكون بوجه واحد، أو أن يكون ثمنها الإنساني بهذه البشاعة وهذه الوحشية.

لم تستلم الهند للمستعمر البريطاني، ولم يستسلم الأفارقة في جنوب أفريقيا لهيمنة الأقلية البيضاء ونظام الأبارتيد، ولم يستسلم سود أميركا للظلم العنصري هناك، بل قاوموا وانتصروا، حين كانت المقاومة من أجل المقاومة، ومن أجل المبادئ، وليست من أجل لعبة سياسية لا يهم من يدفع ثمنها، وفداحة هذا الثمن.

تشعر إسرائيل اليوم أنها قد أصبحت سيدة الشرق الأوسط، أو أنها أميركا الشرق الأوسط، ويتعزز هذا الشعور مع هيمنة بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيلي على الحكم، وهو الصهيوني المتعصب، والغارق في ثمالة الإيديولوجيا، فمن ذا الذي يستطيع أن يمنع إسرائيل أو نتنياهو من القيام بما يشاء، وكيفما شاء؟ ضعف عربي، بل انهيار عربي كامل، مترافق مع ظرف دولي في حالة تشكل جديدة، ممزوج بحالة يأس شعبي عربي في ظل سقوط كل الأيديولوجيات التي أدمنها العرب طويلا، بدءا من القومية، وانتهاء بالأصولية، مرورا بلحظات يسار سريعة، والدخول في نفق فوضى عارمة وعامة، ولا يبدو في الأفق حتى هذه اللحظة بصيص نور في آخر النفق.

كل الظروف تبدو لنتنياهو وحكومته ملائمة تماما لتحقيق حلم تكوين دولة يهودية صرفة، قوية في داخلها، ومسيطرة تماما على محيطها. وذلك لا يكون، وفق تفكير اليمين الإسرائيلي، إلا بالحفاظ على تماسك الإيديولوجيا الصهيونية أولا. تلك الإيديولوجيا التي كان لها الفضل في تجسيد الدولة اليهودية بعد أن كانت حلما في الأذهان، أذهان هرتزل وجابوتنسكي ووايزمان وموشي هس وغيرهم من آباء الحركة الصهيونية.


الإيديولوجيا الشوفينية


لكن عند التحليل العميق للصهيونية، نجد أنها، كأي إيديولوجيا قومية شوفينية، تقوم على ركنين رئيسيين تحديدا: القابلية للتوسع الدائم، ودوام الاعتقاد بعداء الآخر، وهو الآخر الذي يجب أن يكون موجودا على الدوام، سواء على وجه الحق، أو بابتداعه ابتداعا. فعندما كان أدولف هتلر (1889-1945)، يتحدث عن “المجال الحيوي” للرايخ الألماني وحقه في التوسع والاستعمار، وعندما كان بنيتو موسوليني (1883-1945)، يتحدث عن “غزو النجوم” عندما لا يصبح هناك متسع من الأرض، فإنما كانا يعبران عن النزعة التوسعية الدائمة في أي إيديولوجيا قومية مغرقة في شوفينيّتها.

وقد عبر ثيودور هرتزل (1860-1904)، صاحب كتاب “الدولة اليهودية”، والمؤسس الأبرز للصهيونية السياسية الحديثة، عن ذات النقطة في الكتاب آنف الذكر. ففي مذكراته، يذكر حديثا دار بينه وبين الأمير هوهنلوهي، مستشار الامبراطور الألماني قال فيه: “وسألني أيضا عن الأرض التي نريد وما إذا كانت تمتد شمالا حتى بيروت، أو أبعد من ذلك. وكان جوابي سنطلب ما نحتاجه، وتزداد المساحة المطلوبة مع ازدياد السكان”. وفي موقع آخر من المذكرات، يقول هرتزل: “إن الحكومة التركية طلبت أربعين مليون فرنك، وعرضت أن تعطينا مقابل ذلك امتياز إنشاء خط حديدي بين البحر المتوسط والخليج العربي، بالإضافة إلى حق إقامة جاليات ومستعمرات في فلسطين ضمن مساحة قدرها سبعون ألف كيلومتر مربع″.

ومن المعلوم أن مساحة فلسطين في ظل الانتداب البريطاني، لم تكن تتجاوز ستة وعشرين ألف كيلومتر مربع. وفيما يتعلق بالنقطة الثانية، نجد أن عقيدة العداء الدائم من قبل الآخر، أيّ آخر، هي جزء لا يتجزأ من محاولة الإيديولوجيا الشوفينية إضفاء انسجام مفترض على جماعة من البشر، بغرض خلق أمة متميزة أو جماعة سياسية أو نحو ذلك، وفق الخطوط العامة التي تحددها الإيديولوجيا. فهتلر، وفي كتاب “كفاحي” والكثير من خطبه، كان يفترض أن هناك مؤامرة دائمة ضد العرق الآري، والعنصر الجرماني تحديدا، من أجل إبعاده عن مسرح الإبداع ومسار الأحداث، وهو العرق الذي خلق الحضارة، ودون هذا العرق، أو بتلويث نقائه، تندثر الحضارة. وموسوليني كان يتحدث دائما عن الأخلاق الرومانية الرائدة.

وحديث المؤامرة والاستهداف والتربص والترصد، جزء رئيس في أدبيات الإسلاموية والقوموية العربية وغيرها من أصوليات وقومويات. وذات النغمة الاستهدافية تتكرر في الصهيونية، ففي “الدولة اليهودية”، يقول هرتزل: “إننا شعب واحد، وأعداؤنا جعلوا منا شعبا واحدا بالرغم منا، كما يحدث ذلك مرارا في التاريخ. الشدائد ربطتنا معا، وهكذا اكتشفنا بالاتحاد قوتنا فجأة… لتعط لنا السيادة على قسم من الكرة الأرضية، يتسع اتساعا كافيا لتلبية الحاجات المشروعة للأمة، والباقي نكون قادرين على تحقيقه بأنفسنا..”.

فالصهيونية إذن، كأي إيديولوجيا قومية شوفينية، تقوم على هذين الركنين: قابلية التوسع الدائم، وهاجس العداء الدائم. ولكن ما يفرق الصهيونية عن بقية الأيديولوجيات القومية الشوفينية، التي يحاول أصحابها التعبير عن أمم وشعوب وبلاد قائمة وراسخة، هو الوضع التاريخي لليهود في العالم، وانعكاسات ذلك على أوضاعهم اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا، وأثر ذلك كله على المحتوى الإيديولوجي للصهيونية.

فمن الناحية الاجتماعية، عاش اليهود غالب تاريخهم في أحياء منعزلة، أو “غيتوات” منعزلة عن المجتمعات التي يعيشون فيها، كأحد الوسائل لتجنب الذوبان في تلك المجتمعات. ومن الناحية الاقتصادية، عاش اليهود وليس لهم إلا رب واحد، كما قال كارل ماركس (1818-1883)، في كتاب “المسألة اليهودية”، ألا وهو الذهب. وذاك راجع إلى الإحساس بعدم الأمان والاستقرار في أيّ مجتمع يعيشون فيه، وبالتالي فإن الذهب هو طوق النجاة الوحيد.

بطبيعة الحال لا يسري مثل هذا التحليل على كل اليهود فردا فردا، وليس موقفا سلبيا من اليهود بصفتهم جماعة من البشر، أو دينا من الأديان، ولكنه يعبر عن سمات تاريخية عامة حين تحليل التاريخ اليهودي العام. ونفسيا، تولّد لدى اليهود قناعة نفسية جماعية على أنهم غير مرغوب فيهم في أيّ مجتمع يعيشون فيه أو يتعاملون معه، حتى لو كانت الظواهر تقول غير ذلك. فهرتزل، ومن قبله ليو بينسكر (1821-1891)،


العقدة اليهودية


مؤسس حركة محبي صهيون، ردد أن عداء اليهود شيء متأصل في النفس البشرية. وفي ذلك يقول هرتزل: “إن المشكلة اليهودية كائنة حيث يوجد اليهود بأعداد ظاهرة. وحيث لا توجد فإنها تأتي مع اليهود المهاجرين.. وهذه هي الحالة في كل بلد، وستبقى كذلك، حتى في البلاد المتقدمة في التمدن مثل فرنسا إلى أن يوجد حل للمشكلة اليهودية على أساس سياسي. واليهود الذين لا حظ لهم، يحملون هذه الأيام بذور اللاسامية إلى إنكلترا، وقد سبق أن ادخلوها إلى أميركا”.

وعلى ذلك، فإن الصهيونية، بالإضافة إلى أنها أدلجة لليهودية، كما أن النازية أدلجة للشعور القومي الألماني بعد الحرب الأولى، والفاشية أدلجة للشعور القومي الإيطالي وتراثه الروماني، والإسلاموية أدلجة للإسلام والشعور الديني والتاريخي لدى المسلمين، إلا أن الصهيونية، تحمل في طياتها كل عقد اليهود التاريخية، وتجسد كل تاريخ اليهود كما هو متصور، سواء الاجتماعي أو الاقتصادي أو النفسي.

ومن هذا المنطلق يمكن أن نفهم نهج نتنياهو وسياساته وما يمكن أن يفعله، بصفته نموذجا للفكرة الصهيونية في أنقى صورها. ففي مقال قديم للكاتب الإسرائيلي “عمانوئيل سيفان”، يناقش فيه العلاقة بين بنيامين نتنياهو ووالده، المؤرخ اليهودي بنزويون (أو بن صهيون) نتنياهو (1910-2012)، يقول: “والخلاصة التي توصل إليها بنزويون واضحة: الغوييم (غير اليهود) سوف يشككون دائما باليهود، وسوف يحسدونهم ويكرهونهم. حتى أحوالهم الجيدة حاليا في الولايات المتحدة وأوروبا هي خدعة ووهم. أما الوسيلة الوحيدة لهم للخروج من كل هذا، فهي بأن يكون لهم دولة خاصة بهم. لكن حتى هناك، كما يرى نتنياهو الأب، على اليهود أن يبقوا دائما على سلاحهم. فالأعداء يصولون ويجولون في الجوار كله، وحائط الحديد، وهي الفكرة المأخوذة عن أستاذه جابوتنسكي، هو ما ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه. فالقوة العسكرية والجماعية القومية الصحية هما الضمانتان الأخيرتان للبقاء على قيد الحياة كجماعة. ذلك أن الغوييم سيبقون دائما غوييم، أي لا ساميين، حتى لو كانوا من أصل ساميّ كما هي حال العرب، وهكذا فحظ الاندماج في منطقة الشرق الأوسط لن يكون أفضل من حظ الذوبان في أسبانيا وألمانيا”.

هنا إذن يكمن العقل السياسي لنتنياهو. هذا العقل الذي تعشعش فيه “العقدة اليهودية” التي يحملها نتنياهو في أعماقه، بل والكثير من اليهود في إسرائيل وحول العالم، ولكن نتنياهو يبقى نموذجا حيا وملموسا لهذه العقدة. فإذا كانت “المشكلة اليهودية” في أوروبا قد حُلّت بقيام الدولة اليهودية خارج أوروبا، وفي فلسطين تحديدا، وانتصار الديموقراطية في الداخل الأوروبي، فإن العقدة اليهودية ضاربة في أعماق التاريخ والنفس اليهودية بالرغم من كل شيء. وهذه العقدة تقوم على الرغبة اليهودية في الاندماج في المجتمعات التي تعيش فيها، وعدم الرغبة في ذات الوقت، وكأن الأمر أشبه بمفارقة من نوع ما.

الرغبة في الاندماج بدافع تجنب الشذوذ الذي قد يقود إلى الاضطهاد، كما حدث في التاريخ الأوروبي، وعدم الرغبة في الاندماج بهدف إلى الحفاظ على المقومات الخاصة “لشعب الله المختار”. كما تقوم هذه العقدة على إحساس يهودي عام بأن اليهودي غير مرغوب فيه في أيّ مكان، حتى وإن بدا الأمر غير ذلك. وطرح بنزويون نتنياهو السابق، خير مثال على هذه النقطة.

وعلى ذلك، فإن نتنياهو واليمين الإسرائيلي حين يتحدثون عن السلام، فإنهم صادقون في قولهم. ولكن السلام الذي يتصورونه ليس السلام المتعارف عليه بين كافة الأمم حين تسعى إليه في أعقاب صراع أو حرب أو خلاف، وإنما هو سلام بمعايير خاصة.

سلام يضع في مقدمة أولوياته أمن الدولة اليهودية المطلق، وحقها في التوسع على “أرض إسرائيل” وفق حاجاتها، ووفق مقولة هرتزل إن حدود الدولة اليهودية تتحدد وفقا لحاجات سكانها. وحقها في الحركة الاقتصادية الحرة في “مجالها الحيوي”، الذي هو منطقة الشرق الأوسط. وأخيرا حقها في حرية امتلاك السلاح، مهما كان نوعه، وبأي كمية كانت، في سبيل الحفاظ على توازن قوى في منطقة اصطنعت فيها دولة إسرائيل اصطناعا.

ولكن في مقابل هذا السلام، ماذا ستعطي الدولة اليهودية للطرف الآخر، الطرف الذي تقيم معه السلام؟ الكف عن الحرب معها، هذا هو كل ما يمكن أن تمنحه الدولة اليهودية وفقا للعقل السياسي لنتنياهو واليمين الإسرائيلي. وهذا هو بالضبط معنى شعار “السلام مقابل السلام” الذي كانت تطرحه حكومة نتنياهو وتكتل الليكود. فإسرائيل، وفق نظرة اليمين الإسرائيلي الذي يضرب دائما على وتر العقدة التاريخية اليهودية، لا يمكن أن تعيش دون الشعور الدائم بالخطر، الضروري لاستمرار تماسك الإيديولوجيا الصهيونية المؤسسة، التي هي حجر الأساس في تماسك الدولة والأمة. فاليهود أمة ودولة نتيجة هذه الإيديولوجيا، وبغيرها يعود اليهود مجرد جماعة ضمن جماعات ليس إلا، أو مواطنون في دول غير يهودية. إسرائيل لا يمكن أن تعيش دون مجال حيوي اقتصادي تعمل فيه، ولذلك فهي بحاجة للسلام، وهذا ما أدركه اسحق رابين وشيمون بيريز مثلا، وطرحه بيريز في كتاب “الشرق الأوسط الجديد”، بعد أن أدركوا في النهاية أن الإيديولوجيا مهمة في مرحلة التأسيس، ولكنها في النهاية عقبة في طريق البناء والاستمرار.

هذه هي المعضلة الإسرائيلية، في ظني، التي يعتقد نتنياهو أنه قادر على حلها عن طريق العنف والدولة اليهودية النقية والصافية، وأولوية الحل العسكري في التعامل مع الآخر العدو، والتي يعبر عنها بوضوح أكثر وزير خارجية إسرائيل أفيدجدور ليبرمان في تصريحاته ومقابلاته.


انهيار الإيديولوجيا الصهيونية المؤسسة


السلام مقابل الأرض مثلا سوف يؤدي في النهاية إلى انهيار ركني الإيديولوجيا الصهيونية المؤسسة، وفق نظرة نتنياهو واليمين الإسرائيلي، وتتحول إسرائيل بالتالي إلى دولة لا نكهة لها ولا خصوصية، وليس “الدولة اليهودية ” التي راودت أحلام هرتزل والآباء المؤسسين، والتي تتفق مع رؤى والد نتنياهو نفسه. ولعل اليمين الإسرائيلي محق في نظرته تلك. فالسلام، وفق الرؤية العربية ورؤية بعض الأحزاب الإسرائيلية الأخرى، سوف يؤدي فعلا في النهاية إلى وجود دولة إسرائيل، ولكن دون صهيونية. ويبدو من تحليل شيمون بيريز في “الشرق الأوسط الجديد” أنه قد أدرك هذه الحقيقة، من حيث أن الصهيونية قد أدت مهمتها في إنشاء الدولة وثباتها، ولكنها لا يمكن أن تستمر كما كانت في أذهان مؤسسيها، في عصر سقطت فيه الإيديولوجيات، وثبتت فيه الحدود. وبالتالي فإن استمرارية الدولة اليهودية لن تتم دون اندماجها في محيطها، أي تحولها إلى دولة شرق أوسطية حقيقية، والخروج من كونها مجرد “غيتو” لليهود في المنطقة والعالم.

ولكن الخيار الذي سار ويسير فيه نتنياهو، أي الوقوف ضد عملية تسوية متبادلة المنافع والمصالح بين المتخاصمين، لن يؤدي في النهاية إلا إلى عدم استقرار ذات الدولة اليهودية في الختام.

قد لا يرضى اليمين الإسرائيلي بتغير الحال، ويتشبث يإيديولوجيا صهيونية صافية، كما يتشبث الإسلامويون بمقولاتهم النافية للآخر، ولكنه لن يحافظ على تماسك المجتمع الإسرائيلي واستقراره. فالاستنفار الدائم، والدخول في مغامرات عسكرية بين الفينة والفينة، سيؤدي إلى تململ داخلي، وزيادة الرغبة في هجرة معاكسة، قد يكون مترافقا مع انخفاض في نسبة الهجرة إلى إسرائيل، وهو ما يحدث اليوم. وعدم الاستقرار سيقلل من الدور الاقتصادي لإسرائيل، سواء من حيث كونها مستقبل للاستثمارات، أو كونها مصدّر للتكنولوجيا وغيرها من سلع وخدمات. ودون العامل الاقتصادي، لا تستطيع إسرائيل أن تستمر في الوجود الفاعل، كما أنها لن تستطيع أن تعيش إلى الأبد على المساعدات الخارجية. ولذلك، فإن نتنياهو أو خلفه إن سار على خطاه، سيجد نفسه مجبرا في النهاية على السلام، وإن كان ذلك على حساب الإيديولوجيا، وأن تصبح إسرائيل دولة شرق أوسطية دون صهيونية، من أجل بقاء إسرائيل ذاتها، ولكن قد يكون أوان ذلك قد فات مع كل هذه الدماء التي سالت في غزة، وتركت جرحا وكرها لا يندملان في النفس الفلسطينية بوجه خاص.

فالناس قد ينتشون لبعض الوقت على وعود الإيديولوجيا، ولكنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا عليها كل الوقت. فسواء تمسك نتنياهو وإسرائيل بهذه السياسة أو تلك، فإن التسوية في النهاية هي المصير. تسوية تراعي مصالح كل الأطراف، وليس استسلام طرف لآخر دون قيد أو شرط، وهو ما يسعى إليه نتنياهو اليوم في حربه الشاملة على غزة، وفي وضع العراقيل أمام السلطة الفلسطينية في رام الله. فرابين وبيريز وأولمرت وغيرهم من السياسيين الإسرائيليين، لم يكونوا أقل صهيونية من نتنياهو، ولكنهم أدركوا هذه الحقيقة، وهي الحقيقة التي نصحهم الزعيم الفرنسي شارل ديغول (1890-1970)، بالأخذ بها عقب انتصارهم في حرب يونيو/حزيران، عام 1967، حين نبههم إلى ألاّ يغتروا بنصرهم الساحق والسريع، لأن نجاحهم الحقيقي واستمرار وجود الدولة الإسرائيلية يعتمد على قدرتهم على الاندماج مع محيطهم الواسع والتفاعل معه، وليس محاولة الهيمنة المطلقة عليه عن طريق القوة المجردة، ومن يتجاهل الحقيقة لا يصمد طويلا، والحقيقة هنا هي أن تتخلى إسرائيل عن صهيونيتها، والعقدة اليهودية التاريخية، وإلا فإن الفناء هو المصير مهما طال الزمن، في محيط بشري وثقافي وتاريخي وجغرافي قد يكون متخلفا وضعيفا اليوم، ولكنه باق ما بقيت الحياة، والأيام في النهاية دول، ومن سره زمن ساءته أزمان..

هذا، ولتطب لكم الحياة.

6