مأساة قنصلية بنغازي.. درس أمني قاس للأميركيين

الجمعة 2015/09/18

أصبح السفير الأميركي في ليبيا كريستوفر ستيفنز، السفير السابع الذي يتم قتله أثناء أدائه لواجبه، عندما اقتحم مسلحون البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي في الـ11 من سبتمبر عام 2012. وقد ألقت العديد من التحليلات اللوم بخصوص تلك الحادثة على الحكومة الأميركية متهمة إياها بالإهمال وعدم الكفاءة في حماية بعثاتها الدبلوماسية.

وبغضّ النظر عن أنّ الإخفاقات الأمنية تعتبر أمرا لا مفر منه، إلا أنّ العديد من الخبراء والمحللين لفتوا إلى أنّ وزارة الخارجية الأميركية كان عليها أن تتخذ المزيد من الاحتياطات الأمنية مسبقا، أو ربما كان حريا بها أن تُبقي ستيفنز خارج ليبيا في مثل ذلك التاريخ الذي يقابل ذكرى أحداث 11 سبتمبر 2001. وعلى الرغم من أنّ النقاشات الحزبية التي اندلعت بعد وفاة السفير ركزت كثيرا على تحديد المسؤوليات، إلا أنّ ذلك الموضوع سرعان ما تمّ صرف النظر عنه، عملا بمبدأ أنّ ما يهم حقا في أعقاب المأساة هو تحديد المشكلة الهيكلية أو الإجرائية الكامنة وراء الفشل ومُعالجتها. وهنا تكمن المشكلة الأعمق التي أثارها هجوم بنغازي الذي يعدّ هجوما مثيرا للجدل على شخصية رفيعة المستوى، إلا أنه رغم ذلك لم يدفع وزارة الخارجية إلى طرح الإصلاحات الداخلية التي كانت ضرورية منذ فترة طويلة.

ولم يكن هجوم بنغازي الكارثة الأولى التي تشهدها وزارة الخارجية الأميركية، فقد سبقتها هجمات إرهابية مروعة على السفارات الأميركية في بيروت والكويت في عامي 1983 و1984، والتي أتبعتها العشرات من تفجيرات السيارات الملغومة وجرائم الخطف وخطف الدبلوماسيين الأميركيين والبريطانيين والروس في لبنان خلال عقد من الزمن. وحتى قبل بيروت، فقد جدّ تفجير عند البوابة الخلفية للسفارة الأميركية في سايغون في عام 1968، كما تم خطف السفير الأميركي كليو نويل في الخرطوم وقتله عام 1973، بالإضافة إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، والقائمة ما تزال طويلة.

وبالعودة إلى حادثة مقتل ستيفنز، فقد تمّ على إثرها تكثيف الضغوط على وزارة الخارجية لمُطالبتها بتعزيز الأمن في سفاراتها الأميركية. وفي العام 2013 استأجرت وزارة الخارجية 151 عنصرا جديدا من أفراد الأمن، وأضافت 20 فردا جديدا من عناصر حرس الأمن البحري واعتمدت متطلبات أكثر تشدّدا للردّ على أي تهديد يستهدف السفارات والقنصليات. وقدّم المسؤولون تدريبا أكثر شمولا على مكافحة الحرائق (لأن المهاجمين الذين كانوا في بنغازي أضرموا النار في الطابق الذي تم إغراقه بما في ذلك الأثاث الموجود بالمجمع بوقود الديزل)، كما تمّت دراسة معالجة جداول انتشار الجنود والقوات في محاولة لبناء فرق متماسكة يمكن أن تكون أكثر فعالية في حالات الطوارئ.

وعلى الرغم من القيام بتغييرات هيكلية إلاّ أنّها لم تكن شاملة بما فيه الكفاية، حيث شكل التنظيم الداخلي واحدا من الحواجز الرئيسية أمام التدابير الأمنية الفعالة داخل وزارة الخارجية؛ فتحت إشراف وزير الخارجية هناك فئات واسعة من وكلاء توجيه نشاط القسم، مثل وكيل الشؤون السياسية أو وكيل النمو الاقتصادي. وهناك أيضا مكتب جامع يسمى “الإدارة”، وتحت إشراف وكيل الإدارة، توجد مجموعة من المكاتب الأخرى، من بينها جهاز الأمن الدبلوماسي في وزارة الخارجية.

وبعد وفاة ستيفنز في ليبيا، تم تشكيل لجنة للتحقيق في الأسباب الجذرية للفشل الأمني، وكان من بين نتائجه البطء في تمرير المعلومات جراء التسلسل الهرمي. وقد كشف أيضا أنّ استجابة الوزارة وصلت عندما بدأت الحشود المحتجة في تسلق جدران السفارة في بنغازي. وأوصت اللجنة بأن تتمّ ترقية مساعد وزير الخارجية الذي يقود جهاز الأمن الدبلوماسي في وزارة الخارجية إلى مستوى وكيل، وأن يقوم برفع تقاريره مباشرة إلى وزير الخارجية.

واختارت وزارة الخارجية عدم تغيير الهيكل التنظيمي من أجل إتاحة الفرصة أمام جهاز الأمن الدبلوماسي في وزارة الخارجية للوصول بشكل مباشر إلى كبار صناع القرار. ولكنها في المقابل اعتمدت طريقا أكثر حذرا، وهو خلق وظيفة جديدة، تتمثل في نائب مساعد وزير الخارجية للتهديدات الكبرى، وهو الآن مسؤول عن ضمان أمن المناصب الدبلوماسية في المناطق المعرّضة للخطر ويتلقى الكثير من الاهتمام. كما أعادت الدولة ترتيب خدمة الأمن حتى أن مكتب جهاز الأمن الدبلوماسي للاستخبارات وتحليل التهديد في وزارة الخارجية أصبح يرفع تقارير مباشرة إلى مساعد الوزير المكلف بالأمن الدبلوماسي.

لكن هذه التغييرات التي حدثت في أسفل التسلسل الهرمي، تحصر جهاز الأمن الدبلوماسي في وزارة الخارجية، المكتب الذي يتحمل المسؤولية كاملة عن سلامة جميع موظفي وزارة الخارجية، في أعماق مكتب الإدارة، فعدم قدرة الأجهزة الأمنية على إيصال تقاريرها مباشرة إلى وزير الخارجية يؤدي إلى مواصلة منع عملية التدفق الحر للمعلومات واتخاذ القرارات بسرعة وفاعلية في حالات الطوارئ.

ويحتاج الجهاز إما إلى ترقية رئيس جهاز الأمن الدبلوماسي في وزارة الخارجية إلى مستوى وكيل وزارة أو جعل جهاز الأمن الدبلوماسي أشبه بمكتب التحقيقات الفدرالي، ممّا يُمكنه من أن يرفع تقاريره مباشرة إلى وزير الخارجية. وإلى أن تجري وزارة الخارجية إصلاحات داخلية، يبدو أن المتابعين غير متفائلين بأنه سوف يتم إحراز أي تقدم حقيقي نحو تحويل الثقافة التنظيمية إلى الحد الذي يتم فيه أخذ المسائل الأمنية على محمل الجد. وليس هنالك شك في أن وزارة الخارجية تحتاج إلى تكريس المزيد من الموارد لتوظيف وتدريب أفراد الأمن، بالإضافة إلى إجراء إصلاحات هيكلية داخلية.

محلل سياسي بمركز ستراتفور

6