مأساة محمد الميلي

الجمعة 2015/05/01

يعامل النظام الجزائري الحالي كل الكتاب والأدباء والمثقفين الجزائريين الذين يقيمون مسافة نقدية معه باحتقار لا نظير له أبدا. سأتحدث هنا عن نموذج واحد وهو نموذج مأساة الكاتب الجزائري المعروف محمد الميلي البالغ من العمر 86 سنة والمصاب بالشلل الكلي في بيته بباريس منذ أكثر من سنة ولم تتدخل السلطات الجزائرية في أعلى هرم الدولة حتى الآن لإسعافه والتكفل بعلاجه بل لقد تركته فريسة للعزلة، والعذاب، والتفكك، والموت البطيء في غرفة ضيقة، وهو لا يقدر على الحركة إطلاقا، ولا توجد إلى جانبه ممرضة تسهر عليه، أما زوجته زينب الإبراهيمي المثقفة والفنانة الجزائرية المعروفة، وابنة العربي التبسي المصلح الوطني الجزائري وأحد الأقطاب المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فلا تقدر أن تفعل شيئا يذكر بسبب كبر سنّها ما عدا البكاء ليل نهار على زوجها المنكوب في الغربة بفرنسا. إن الكاتب محمد الميلي هو ابن المؤرخ الجزائري مبارك الميلي وأحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رفقة صديقه العلامة عبدالحميد بن باديس.

من المعروف أن محمد الميلي مجاهد جزائري انخرط في صفوف المجاهدين لتحرير الجزائر في عام 1955، ولعب دورا مشرفا طوال الحرب ضد الاستعمار الفرنسي إلى جانب أحد زعماء الثورة التحريرية الكبار وهو عبان رمضان، وصديقه المفكر العالمي فرانز فانون وشخصيات مناضلة أخرى.

ومن إنجازات محمد الميلي أنه قد كان، إلى جانب عبان رمضان وفرانز فانون ومجموعة من المثقفين والإعلاميين الجزائريين، من مؤسسي مجلة المجاهد التي كانت لسان الثورة التحريرية، وكانت الدولة المغربية الشقيقة مسرحا وحضنا لها ولهم في تلك اللحظة التاريخية الحاسمة.

للكاتب محمد الميلي مؤلفات عدة في حقل التاريخ، والدراسات الفكرية، فضلا عن عشرات المقالات ذات الطابع السياسي والثقافي. بعد الاستقلال مباشرة شغل الميلي عدة مناصب حساسة، منها مستشار الرئيس هواري بومدين، والمدير العام لمجلة المجاهد، والمدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وعضو المجلس التنفيذي بمنظمة اليونسكو، وسفير الجزائر باليونان، ووزير التربية الوطنية.

في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة همّش محمد الميلي كلية. أذكر أن الصديق محمد الميلي قد حدثني، منذ ثلاثة أعوام تقريبا، في منزله عن متاعبه الصحية المتفاقمة وعن عجزه على دفع ثمن العلاج جراء ظروفه المادية الصعبة، لأن مبلغ تقاعده لا يفي بالغرض، وهو أقل من 700 أورو شهريا، في الوقت الذي يتقاضى فيه وزراء أقل منه شأنا أضعاف هذا المبلغ.

منذ مدة طويلة وزوجته زينب الإبراهيمي تناشد، عبر وسائل إعلامية جزائرية السلطات العليا أن تتكفل بعلاجه من الشلل العام ومن أمراض أخرى، بأحد مستشفيات باريس، حيث يقيم، ولكن لا أحد استجاب إلى يومنا هذا. هذا هو حال هذا الأديب والمجاهد والمثقف اللامع في ظل النظام الجزائري الذي يدوس على المثقفين النظيفين الذين لم ينهبوا المال العام، ويرمي بتاريخهم الثقافي والفكري والنضالي المشرّف في ظلمات التجاهل المنهجي المقصود.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15