مأسسة وثيقة قرطاج

مؤسسة وثيقة قرطاج باتت منتهى الشرعية وأصل السلطات في سحب الثقة من الحكومة واقتراح تغيير الوزراء والقيام بجرد حول أداء كل وزير ومحاسبته أو تزكيته.
الجمعة 2018/03/16
وثيقة قرطاج مؤسسة فوق السلطات

تحوّلت وثيقة قرطاج من بروتوكول توافقي يرسم الأولويات والنقاط الأساسية في عمل الحكومات، إلى مؤسسة مستقلة بذاتها، سيدة في قراراتها وذات نفوذ وسلطة عليا على كافة المؤسسات الرسمية في البلاد بما في ذلك المؤسسات المنتخبة.

ففي كل لقاء من لقاءاتها الدورية، يفصل الموقّعون على وثيقة قرطاج في أمر استراتيجي وحساس وخطير يلامس بالضرورة الخطوط العريضة لعمل الدولة التونسية، وتقريبا بات التأريخ لأعمار الحكومات والوزراء محددا باجتماعات الأطراف الممضية على الوثيقة.

تعيش تونس منذ المصادقة على دستور 2014، حالة من التهجين في النظام السياسي للبلاد، حيث تتوزّع السلطات بشكل ارتجالي بين القصبة وقرطاج وباردو، وتتشابك مراكز النفوذ في ما بينها في أكثر من ملف على الصلاحيات والقرارات، فحالة “الشبه رئاسي الشبه برلماني” أفضت في المحصلة إلى حالة الشبه نظام سياسي.

وهو ما أدّى في الكثير من الحالات إلى غموض بناء واستراتيجي حيال طبيعة أصحاب القرار في الدولة التونسية، سواء في مستوى النص التشريعي أو الممارسة الإجرائية.

تزيد مأسسة وثيقة قرطاج وتحويلها إلى مؤسسة فوق السلطات، من المفارقة في المشهد السياسي ومن تعقيداته.

باتت مؤسسة وثيقة قرطاج منتهى الشرعية وأصل السلطات في سحب الثقة من الحكومة واقتراح تغيير الوزراء والقيام بجرد حول أداء كل وزير ومحاسبته أو تزكيته، وإدارة الشأن الاقتصادي واقتراح الحلول البديلة لاستنهاض الوضع الاقتصادي الراكد، بعبارة أدق صارت وثيقة قرطاج المطبخ الحقيقي لاتخاذ القرارات ولإدارة الشأن العام.

بهذا المعنى تنتقل تونس من استبداد الفرد بالقرار إلى استبداد مجموعة محدّدة للقرارات السيادية الكبرى، بمنأى عن منطق التمثيل الانتخابي ومنطوق الشرعية الانتخابية.

فمحاسبة الوزراء على أدائهم يكون ضمن صلاحيات مجلس الشعب والهيئات المنتخبة، واقتراح تغيير بعض الوزراء من صميم عمل المجلس التشريعي الذي يمتلك حصرا الحق في حجب الثقة أو إقرارها.

صحيح أن مثل هذه الأمور (تعيين رئيس حكومة أو اقتراح وزراء) تطبخ ضمن مجالس القرار العميق وتهندس وفق منطق المحاصصات والترضيات الحاكم للعلاقات بين الأحزاب، ولكن أن تتحوّل هذه المجالس إلى مؤسسة فوقية آمرة على كافة السلطات يسترعي الانتباه والاهتمام مليّا.

قد يحاجج البعض في هذا السياق إلى أن تونس اليوم محكومة بالتوافق السياسي والاجتماعي والاقتصادي المؤسّس على التشاركية والمشاركة العريضتين، وهو قول منطقي ولكن مع التنسيب، فالتوافق يصبح سلطة محدودة وفق الزمان والمكان بعد أن يستعصى على كافة السلطات الشرعية المنتخبة حل الإشكالات الجوهرية، وهو بالضبط ما قام به الرباعي الراعي للحوار، ولكنه لا يتحوّل بأي شكل من الأشكال إلى سلطة رديفة أو سلطة مقابلة ناهيك عن أن يتحول التوافق إلى سلطة فوق السلطات الشرعية المنتخبة.

في العمق تمثل مؤسسة وثيقة قرطاج، امتدادا لمؤسسة الشيخين، حيث تم توسيع الحلقة الثنائية بين الرئيس الباجي قائد السبسي والشيخ راشد الغنوشي على مجموعة من الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين وبعض الأحزاب السياسية غير الوازنة وغير المؤثرة ضمن المشهد السياسي التونسي.

وبقدرة قادر صار اجتماع الموقّعين على وثيقة قرطاج، بمثابة اجتماع المجلس الأعلى للدولة التونسية وبمثابة السلطة الأولى، تكثر التكهنات حيال مضامينها وقراراتها السرية قبل العلنية وتؤثث فضاءات النقاش التلفزيوني حولها، ليساهم الإعلام في استبطان وهضم فكرة “علوية” وثيقة قرطاج عن كافة الوثائق بما فيها وثيقة الدستور.

وفق هذا المضمار يكون الفاعلون السياسيون والاجتماعيون شركاء في عملية استفراغ المسار الانتقالي الديمقراطي والحيلولة دون التأصيل لمفهوم دولة المؤسسات ودون التأسيس لمقاربة أفقية السلطات، عندما أيضا تصبح عملية طرح الأسئلة حول ظاهرة عزوف الشباب والطبقة المثقفة عن العملية الانتخابية وعن العمل السياسي برمته عملية عقيمة، فما الجدوى من قيمة أصوات ومن مشاركة انتخابية يذهب ريعها إلى سلطة الأمر الواقع، وما قيمة توقيع على الأوراق الانتخابية طالما أن السلطة الحقيقية في الاقتراح والقرار منوطة حصرا وقصا بالموقّعين على “وثيقة قرطاج”.

9