مؤتمرات المصالحة في ليبيا فرص لتشكيل تحالفات جديدة

مصالحة بين مصراتة والزنتان بعد سنوات من الخلاف، وسلامة يرى أنه لا حل قبل القضاء على الاقتصاد الأسود.
الجمعة 2018/03/30
مصالحة فرضتها المصلحة

طرابلس - يعقد الليبيون بين الحين والآخر مؤتمرات تهدف في ظاهرها إلى معالجة الخلافات الاجتماعية التي تسببت فيها الصراعات المسلحة التي شهدتها البلاد منذ 2011، إلا أنها ترنو في الحقيقة إلى عقد تحالفات جديدة تفرضها المرحلة، قد تتسبب في إحداث المزيد من الاقتتال.

عقد ممثلون عن الزنتان ومصراتة الأربعاء لقاءً هو الأول بين المدينتين اللتين تنتشر فيهما أقوى جماعات مسلحة في الغرب الليبي، منذ المعارك الدامية التي اندلعت بين الطرفين في 2014 للسيطرة على العاصمة طرابلس.

وبدأ الخلاف بين المدينتين عندما شهدت العاصمة طرابلس حربا طاحنة بين قوات عملية فجر ليبيا التي كان يقودها صلاح بادي (المنتمي إلى مدينة مصراتة) والمقرب من حكومة الإنقاذ حينذاك وبين كتائب الزنتان التابعة لعملية الكرامة بقيادة المشير خليفة حفتر.

وكانت الزنتان حتى وقت قريب تعد إحدى أهم المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الليبي بقيادة حفتر، في المنطقة الغربية. ويسيطر على مدينة مصراتة تيار الإسلام السياسي وتتهم من قبل الجيش بدعم الجماعات الإرهابية التي نجح في طردها من مدينة بنغازي في يوليو الماضي، عقب معارك استمرت نحو ثلاث سنوات.

وقال رئيس بلدية الزنتان مصطفى الباروني في بداية اللقاء “هذا الاجتماع هو خطوة أولى ستليها (خطوات) أخرى”.

وأضاف “لن يتم اللجوء مجددا إلى السلاح لحل خلافاتنا”.

وقال رئيس المجلس العسكري في مصراتة محمد رجب إن هذا الاجتماع الأول سيسهل “المصالحة مع مناطق وقبائل أخرى” في ليبيا. وشدد الجانبان في بيانهما الختامي على ضرورة توحيد الجيش والشرطة في ظل سلطة مدنية، فضلا عن مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله.

ولم يعلق المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق على هذه الخطوة ولا بعثة الأمم المتحدة، لكنها قوبلت بترحيب كبير من قبل المفتي المقال الصادق الغرياني وأنصاره وعبدالحكيم بلحاج رئيس حزب الوطن والقيادي السابق في الجماعة الليبية المقاتلة (فصيل مقرب من تنظيم القاعدة).

وأثنى حزب الوطن على توقيع اتفاق المصالحة بين المدينتين. وأكد حزب الوطن على ما ورد في البيان الصادر عقب اجتماع المصالحة بين المدينتين من احترام للدولة المدنية ورفض الانقلابات العسكرية.

وبدوره رحب الغرياني بجهود المصالحة بين مصراتة والزنتان داعياً الطرفين إلى توحيد صفوفهم رفضا للظلم ونصرة للعدل والالتزام بمخرجات ملتقاهم وخاصة المتعلقة بالمحافظة على أهداف “ثورة 17 فبراير”.

لكن هذا التقارب أثار ريبة المتابعين من إمكانية أن تكون مقدمة لإشعال حرب جديدة في المنطقة. وأبدى سليمان البيوضي عضو “حراك شباب من مصراتة ” مخاوفه من أن تكون هذه المصالحة تمهيدا لـ”معركة جديدة تنسجها ذات الأيادي السوداء التي قتلت شباب ليبيا، بتحالف مصلحي جديد هدفه طرابلس”.

وأضاف في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك “ما يحدث هو عبارة عن تشكيل حلف مصلحي عنيف تقوده قوى الإرهاب من وراء ستار ويجر لمعركة الثقب الأسود في طرابلس التي ستبتلع الجميع”.

في المقابل يقول مراقبون إن هذا التحالف الجديد، يأتي ردا على تجاهل رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج للمدينتين، مقابل تقاربه مع المنطقة الشرقية الواقعة تحت سيطرة خليفة حفتر. وليست هذه المرة الأولى التي يقود فيها الإسلاميون مصالحة بأهداف سياسية، حيث سبق لهم أن عقدوا في مايو 2016 مؤتمرا في العاصمة القطرية الدوحة حضرته شخصيات محسوبة على نظام العقيد الراحل معمر القذافي. واعتبر مراقبون حينئذ أن المؤتمر يهدف إلى استمالة أنصار القذافي الذين نجح حفتر في ضمهم للقتال إلى صفه.

وتعيش ليبيا منذ نحو أربع سنوات انقساما عجزت المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة في إنهائها.

وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا غسان سلامة إنه لا يمكن حل الصراع الدائر في البلاد دون القضاء على الاقتصاد الأسود و”نهب المال العام”، داعيا الفاعلين الدوليين إلى فرض عقوبات على “المهربين الكبار”.

وخلال سنوات من القلاقل التي تخللها صراع مسلح، ظهر في البلد الغني بالنفط اقتصاد ظل مربح يقوم على عمليات الاحتيال في العملة والتهريب والابتزاز.

وقال سلامة في مقابلة “أعتقد أن هذه هي أهم قضية في ليبيا اليوم… إنها لب الأمر في ليبيا، على الأقل في رأيي المتواضع”.

وأضاف سلامة، أن التخلص من اقتصاد الظل يتطلب “جهدا بعزيمة قوية” من الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية والقوى الأجنبية. وأوضح أنه يعمل على إقناع المجتمع الدولي بأن أي اتفاق سياسي لتوحيد الفصائل المتناحرة في طرابلس وشرق ليبيا لن يكون سوى اتفاق “شكلي” دون القضاء على اقتصاد الظل.

وتابع “بذلت قصارى جهدي لإقناعهم بأنهم إن كانوا يريدون عملية سياسية فعليهم إنهاء جميع أنواع التهريب في هذا البلد. لا تهريب البشر فحسب، بل وتهريب الوقود وتهريب (السلع) المدعمة وتهريب المخدرات. عليهم التصدي للسوق السوداء. كما ينبغي لهم وقف نهب المال العام”.

وقال سلامة “إنه تحد كبير، أعتقد أن علينا أن نبدأ في تحميلهم التبعات وفضحهم. وأظن أننا بحاجة للنظر في تحويلات الأموال”.

4