مؤتمرات دولية بجهود أهلية فعل ثقافي خارج الصندوق

تقام العديد من المؤتمرات والمهرجانات والملتقيات الشعرية الدولية، في دول عربية عدة كما في مصر والمغرب وتونس وغيرها، وفي دول أجنبية منها فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة والمكسيك ودول أميركا الجنوبية، بمشاركة شعراء عرب ومن سائر أقطار العالم. ويندرج التبادل والتمثيل الثقافي والإبداعي في بعض هذه الفعاليات تحت مظلة “المؤسسات الرسمية”، وفي أحيان أخرى تتولى كيانات أهلية التنظيم وانتقاء المشاركين وتوجيه الدعوة إليهم بشكل مباشر.
الثلاثاء 2017/09/26
الخروج من شرنقة الجدران الرسمية

تحت شعارات من قبيل الاستقلالية ورفض الوصاية وكسر احتكار السلطة للثقافة الرسمية وتجاوز الروتين والغرف المغلقة وتفعيل ثقافة الهواء الطلق والأمكنة المفتوحة، نهضت العشرات من المؤتمرات والمهرجانات الثقافية الناجحة، خصوصا المختصة بالشعر، في مصر ودول مختلفة.

بعض هذه الفعاليات لا يزال صامدا ومستمرّا في الانعقاد حتى الآن، بشكل دوري كل عام أو عامين، والبعض الآخر توقف لسبب جوهري هو غياب التمويل.

التمويل أكبر المشكلات

مهرجان “لوديف” بفرنسا، أحد المهرجانات الكبرى التي تعنى بشعراء دول البحر المتوسط، استمر في الانعقاد كل صيف على مدار سنوات بإدارة الشاعر الفرنسي مارك دولوز ومشاركة العشرات من الشعراء العرب في دوراته المتتالية، ثم توقف في العام 2015 لأسباب مالية، بعد أن انقسم المهرجان بضعة أعوام إلى مهرجاني “لوديف” و”سيت”، مثلما يوضح دولوز، الذي يسعى لتأسيس مبادرات بديلة.

لم يصمد “لوديف” طويلا، على الرغم من دعمه من خلال جهات ومراكز مختلفة، منها “معهد العالم العربي” في باريس ومنظمة اليونسكو، وكان المهرجان يعنى بكسر القولبة والرسمية من خلال إلقاء القصائد وتقديم المعزوفات الموسيقية في الحدائق والمنتزهات وفي الهواء الطلق وعلى الجسور العتيقة وضفاف جداول الماء، مع اهتمامه بترجمة أعمال المشاركين إلى الفرنسية. ع

لى النحو ذاته تأثر كثيرا مهرجان “جنوة” الشعري في إيطاليا بضعف التمويل، كما يحكي لـ”العرب” الشاعر الإيطالي كلاوديو بوتساني، مدير المهرجان، موضحا أن المؤسسة الرسمية في إيطاليا لا تدعم المهرجان، وكانت هناك جهة إدارية محلية تقدم له مخصصات محدودة، لكنها توقفت هي الأخرى عن مساندة المهرجان، فبات في مهب الريح.

ويوضح الأميركي ستان جلواي، مدير “مهرجان بريدج ووتر الدولي للشعر”، الذي تنظمه جامعة بريدج ووتر بولاية فيرجينيا الأميركية كل عامين، أن المهرجان على أهميته يعاني من ضعف التمويل بشكل كبير.

ويقول لـ”العرب” إن “هذه المشكلة وصلت إلى الدرجة التي لا تجعله قادرا على تحمل نفقات إقامة الشعراء المدعوّين وقيمة بطاقات السفر جيئة وذهابا”.

ويهدف المهرجان إلى تعميق أواصر العلاقات الثقافية بين شعراء ومبدعي قارات العالم، في إطار حرّ غير رسمي، وفتح منافذ للمناقشات الجامعية والأكاديمية المعمّقة للإبداعات الحديثة لدى شعراء العالم في كل مكان.

منظمو المهرجانات الشعرية العالمية يهدفون إلى الاستقلالية والتجديد وكسر شرنقة الحماية التي تفرضها الدولة

انفتاح وحراك مدني

يذهب المغربي عبدالحق ميفراني، مدير “ملتقى أسفي الدولي للشعر” والعديد من التظاهرات الثقافية، ورئيس “مؤسسة الكلمة للثقافة والفنون” بأسفي، إلى أنه خلال نهاية الستينات والسبعينات من القرن الماضي، تأسس حراك مدني للعديد من الجمعيات المغربية، في مختلف المجالات؛ التربوية والثقافية والفنية المسرحية والموسيقية والسينمائية، وحتى إطار اتحاد كتاب المغرب، فقد تأسس من رحم خارج سياق المؤسسة والسلطة.

ويشير في حديثه لـ”العرب” إلى أن هذه هي الثقافة التي تحكمت في ميلاد العديد من التظاهرات الثقافية والفنية في المغرب، وهي أساسا محكومة بمبادئ التطوع، وقيم النضال”، وتدريجيّا، أصبح اللجوء إلى المال العمومي والدعم المرتبط بالقطاع الخاص، أحد أوجه ثقافة التدبير لدى العديد من الإطارات. لكن، يجب الاعتراف بأن اللجوء إلى المال العام كحق مشروع يحميه القانون، أفضى إلى تغيير عقلية التسيير الجمعوي.

الوضعية والتجربة المغربيتان مختلفتان، وبحد قول عبدالحق ميفراني “لربما يفيد التقديم هنا، في فهم خصوصيتهما. ففي المغرب، استطاع الفاعل الثقافي والفني أن يؤسس مساره الخاص، واستطاعت العديد من الإطارات المدنية أن تولد من خارج رحم المؤسسة والدولة”.

ويوضح ميفراني أن المغرب أضحى اليوم فضاء مفتوحا للعديد من التحولات المتسارعة. “طبعا مبدأ الاستقلالية وفلسفة وهوية هذه الملتقيات والمهرجانات غالبا ما تتشابه، ويجب التأكيد هنا على أن خصوصية التجربة المغربية في عدم وجود مبدأ الصراع بين الجهتين. كل يغني على هواه، وفق منظومته وفلسفته الخاصة”.

طرح مشابه يقدمه الشاعر عادل جلال منسق “مؤتمر قصيدة النثر” بمصر، الذي شهد انعقاد أربع دورات متتالية بدءا من العام 2014، موضحا أن الهدف الأساسي لنشوء فكرة هذا المؤتمر هو تجاوز نمطية الأداء في الفعاليات التي تنظمها المؤسسة الرسمية، والرغبة في تقديم وجوه شعرية حقيقية لا تأخذ فرصتها المستحقة في المشهد العام.

أما الشاعر محمود شرف، مدير “مهرجان طنطا الدولي للشعر” بمصر أيضا، الذي استطاع استقطاب أسماء شعرية لافتة خلال دورتين ناجحتين، فيقول في حديثه لـ”العرب”، “أعتقد أنه لا بد من الخروج من شرنقة الحماية الرسمية للأنشطة كافة، بخاصة الأنشطة الثقافية”.

وتنبني فلسفة مهرجان طنطا الدولي للشعر على إقامة فعاليات دولية بشكل غير نمطي، في ميدان السيد البدوي بطنطا والحدائق العامة والمقاهي والمدارس والجامعات.

وقال إن الفعاليات الرسمية تحولت تدريجيّا؛ إما إلى منصات لترويج أفكار خاصة بأنظمة الحكم المختلفة؛ ما يخالف الأهداف الحقيقية لمثل تلك الأنشطة، أو إلى معترك حقيقي من أجل الحصول على أقصى قدر ممكن من المكاسب.

وترمي فلسفة إقامة مهرجان دولي بجهود أهلية، حسب كلام شرف، إلى التأكيد على وجود تواصل حقيقي بين الجمهور العادي الذي انصرف كلية عن كافة أنشطة الوزارة وبين المنتج الثقافي بأشكاله المختلفة، هو الهم الحقيقي الذي يمثل الفلسفة الكامنة وراء الإصرار على تنفيذ المهرجان، على الرغم من المصاعب الكبيرة التي تواجهه سنويّا.

14