مؤتمرات مكافحة الإرهاب العربية: اجترار الصياغات النظرية يعمق الأزمة

السبت 2015/01/10
العالم يواجه حالة غير مسبوقة من التوتر والاضطراب نتيجة ظهور حركات متطرفة تعتمد الإرهاب أداة لتنفيذ مآربها

رواج مؤتمرات مكافحة العنف والإرهاب في المنطقة العربية، يوحي بأن هناك تصميما جماعيا على اقتلاع هذا الوباء من جذوره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والتعليمية، غير أنّ مقرّرات جل هذه المؤتمرات تبقى قاصرة عن التفعيل والمتابعة لعدّة صعوبات أهمها التباين الظاهر في الآراء واختلاف وجهات النظر.

بعد اللقاءات التي تناولت مسألة التصدي للإرهاب والتي انعقدت في وقت سابق في القاهرة ثمّ المنامة، جاء دور مكتبة الإسكندرية التي احتضنت، الأسبوع الماضي، مؤتمرا لمناقشة هذه الآفة التي تهدّد أمن المنطقة عموما.

وقد أعاد هذا المؤتمر تكرار عرض الكثير من المسلمات، سواء على مستوى الشّروح أو المتون. مما دفع البعض إلى التساؤل عن الغاية من عقد مثل هذه اللقاءات، والتّعبير عن الخشية من أن تتكرّر هذه الظاهرة، في المؤتمرات العربية الثلاثة القادمة، التي أعلن إسماعيل سراج الدين، رئيس مكتبة الإسكندرية، لدى اختتامه لأشغال المؤتمر الأخير، أنّ أولها سيُعقد في المملكة العربية السعودية، والثاني في الجزائر، فيما لم يعلن عن المكان الذي من المحتمل أن يقام فيه المؤتمر الثالث.

المشكلة المطروحة اليوم، تكمن في أنّ جلّ المؤتمرات المتعلّقة بمكافحة الإرهاب، والتي عقدت في وقت سابق، لطالما انقضى مفعولها (تقريبا) بمجرد تحقّق الهدف أو الأهداف المباشرة الكامنة من وراء انعقادها، من ثمّة يعود كل طرف إلى جدول أعماله اليومي. بل تُعدّ هذه المؤتمرات بمثابة نوع من إبراء الذمة من قِبل غالبية المنظمين والمشاركين لا غير. حتّى أنّ الأفكار والطُّروحات البرّاقة، الّتي تجري مناقشتها، لا تُعقبُ بتفعيل لآليات تطبيقها على الأرض.

هذا الرأي يبدو أنّه انتاب كل من تابع فعاليات مؤتمر مكتبة الإسكندرية، خلال الفترة الممتدّة من 3 إلى 5 يناير الجاري؛ حيث حرصت المكتبة أن تتصدر لافتتها عبارة “تحت رعاية رئيس جمهورية مصر العربية”، ويبدو أنّ الجهة المنظمة كانت مهتمة أكثر من أيّ شيء آخر بأن تتفاخر بالـ 250 مثقفا عربيا الذين كانوا من بين الحضور.

الاختلاف في تفسير التطرف وشبكة المصالح الخفية وصعوبة الوصول إلى رؤية شاملة عقبات في طريق مكافحة الإرهاب


هل من جديد يذكر؟


الحرص على الشكل العام، يبدو قاسما مشتركا بين المؤتمرات المعنيّة بمسألة التصدّي إلى الإرهاب الّتي عقدت خلال الأسابيع الماضية، وهو لا يقتصر على الجهة المنظّمة أو المؤسسة الراعية فقط، بل يشمل كذلك جلّ العبارات والجمل التي تتنزّل ضمن باب “الكليشيهات” الجذابة. فمؤتمر الأزهر الذي عقد يومي 3 و4 ديسمبر الماضي، أكّد في البند السابع من بيانه الختامي، المعروف بـ”بيان الأزهر”، على “دعوة دول العالم العربي إلى تنظيم تعاونها وإلى تطوير آليات هذا التّعاون بما يحقق الاستقرار والأمن والازدهار”، مضيفا “أنّ هذه الدول لو سعت إلى إقامة سوق اقتصادية وتجارة مشتركة واتحاد جمركي ودفاع مشترك لتحققت مقوِمات التضامن والتكامل بينها في إطار دائرة واحدة تجمع الدول الوطنية المتعددة في إستراتيجية موحدة تحميها وتحتمي بها”.

عندما يقف المتابع على هذه النوعية من التعبيرات، الأكيد أنّه سيشعر أنّ بعض المؤتمرات التي عُقدت لمكافحة العنف والإرهاب، إمّا أنها تغرق في الخيال، هروبا من الواقع، أو تقوم بتعريف المعروف وتمضية الوقت في التفسيرات والأسباب، التي أفضت إلى انتشار ظاهرة العنف والتطرف في العالم العربي. فتوصيات مؤتمر مكتبة الإسكندرية، ركزت على هذه المسألة بصورة لافتة، وكأنّ المتابع لا يعرف كيف وصل العالم العربي إلى انتشار هذا الكم الكبير من العنف، وابتكار أنواع مختلفة منه. وقد استنفد المؤتمر جانبا من جهده في التفسيرات، التي تحظى بإجماع مسبق، حتى ولو اختلفت نسبيا، بالزيادة أو النقصان من مجتمع لآخر.

بالمثل، احتوى البيان الختامي لمؤتمر “نحو إستراتيجية عربية شاملة لمواجهة التطرف”، الذي عقد بمكتبة الإسكندرية، على عبارات لا يشكّ أحد في أنّها من تحصيل الحاصل، لأنّها لم تتضمن آليات عملية لعلاج الظاهرة، فالكل يعلم أن التشخيص واضح للعيان، لكن المشكلة تكمن في التطبيق.

البيان، أعاد تكرار ما تردد في مؤتمرات سابقة، وربما ما سوف يتردد في مؤتمرات قادمة، حيث أنّه قال “خلص المُشاركون بعد حوارات مستفيضة في جلسات عامة وأخرى متوازية على مدار ثلاثة أيام إلى أن التطرف ظاهرة سلبية (كأن هناك من تحدث عن أنه ظاهرة إيجابية) تجثم على صدر المجتمعات الإنسانية، قديما وحديثا، ويبرز من بين مظاهرها المختلفة التطرف الديني، الذي يقترن بالغلو والتشدد في الخطاب، وما يرتبط بذلك من لجوء إلى العنف، ورفض المختلف، إلى حد قد يصل إلى تكفيره، بل ومحاولة إقصائه بشكل كلي، بيد أن التطرف لا يقتصر على النطاق الديني، بل يمتد إلى المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يسودها الاستقطاب، والأحادية في التفكير، والشعور بالاستعلاء، والسمو الزائف، وتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، والانزلاق إلى الثنائيات، وحرب الأضداد التي تقلص من المساحات المشتركة بين المواطنين، والقوى السياسية، والتيارات الفكرية”.

الزوايا نفسها، سبق أن تم طرحها في بيان “إعلان الأزهر”، حيث شددت مقدمتّه على “أنّ العالم العربي يواجه حالة غير مسبوقة من التّوتر والاضطرابِ نتيجة ظهور حركات متطرفة تعتمد الإرهاب أداة لتنفيذ مآربها”.

الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: قطع الإمداد المالي على الجماعات الإرهابية يمثل نصف الحرب ضدها


كيف تتقاعس النخبة العربية؟


النقطة الأخطر في مؤتمر الإسكندرية، الذي ضم كوكبة من المثقفين العرب، أنه ضم أيضا مجموعة أخرى، ساهم تقاعسها السابق، وكذلك موالاتها لجماعات متطرفة، ولو بالصمت، في تغذية التطرف. وبالتالي كيف ننتظر أن يثق الجمهور في من كانوا سببا في انتشار العنف والإرهاب؟ لأنهم فشلوا في مهامهم وأدوارهم الثقافية والفكرية، وتركوا مساحة كبيرة من الفراغ، يتحرك فيها المتطرفون، حتى تحولوا الآن إلى قنابل موقوتة، إبطال مفعولها أصبح يحتاج إلى جهد مضاعف.

الغريب، أن مؤتمر مكتبة الإسكندرية، الذي تناول قضايا في صميم ظاهرة العنف، حضره عدد من المتشدّدين المحسوبين على التيارات الإسلامية، كانت إدارة المكتبة حريصة على دعوتهم لسماع قناعاتهم، والاسترشاد بتجارب من تاب وأناب منهم. لكن المراقب لأداء هؤلاء في الجلسات المختلفة، يتأكّد أنهم حضروا للإعلان عن عدم ارتباطهم بالعنف فحسب، أما علاقتهم بالأفكار المتطرفة فيبدو أنها تراوح مكانها.

كتأكيد لما سبق، فقد عمد أحد شيوخ السلفية الحاضرين، خلال إحدى الجلسات، إلى التهجّم على الباحثة اليمنيّة، وسام باسندوة، التي قالت إن “دولة الخلافة غير صحيحة، وإن التاريخ العربي والإسلامي ليس بالنبل الذي تصوره بعض كتب التاريخ”، واتهمها بـ “الجهل والاستخفاف”، وكادت هذه الجلسة التي عقدت في اليوم الأول للمؤتمر أن تنزاح عن إطارها، لو لا تدخل المنظمين، وتمّ تجاوز عاصفة بقيت مكتومة في الصدور طوال أيام المؤتمر.

الواقعة السابقة، تكررت بأشكال أقل حدة، عندما تطرق بعض الباحثين إلى الحديث عن حالات العنف والإرهاب في دول عربية أخرى غير دولهم الأصلية (بمعنى أن يتحدث المصري عن حالة العراق مثلا، أو يتحدث التونسي عن حالة اليمن). وقد شهدت هذه المسألة نقاشا حادّا حول أحقية خوض هؤلاء في مشاغل دولة شقيقة أخرى، وهو ما طرح معضلة أُخرى مفادها أنّ مسألة العمل المشترك أصبحت على المحك، وقد كشف الأمر عن نقطتين؛ الأولى أنّ لكل دولة خصوصية معينة يجب مراعاتها. والثانية، تكمن في صعوبة وضع رؤية عملية مشتركة شاملة لمكافحة العنف والإرهاب، وهذه معضلة كبيرة تحتاج إلى مصداقية وشفافية وواقعية شديدة، حتى يتسنى الوصول إلى توافق على قواسم مشتركة يمكن أن يتمّ تفعيلها على الأرض. مثل هذه العراقيل ربما تكون واحدة من بين الإشكاليات الأساسية، التي أدت إلى عدم انعقاد مؤتمر إقليمي أو دولي رسمي شامل لمكافحة العنف.


ماذا بعد؟


أكّد المشرفون على تنظيم مؤتمر مكتبة الإسكندرية، أنّ توصياته سترفع إلى جامعة الدول العربية، وتوزّع على كل أعضائها بغية الاستفادة منها والاسترشاد بها، وهو ما بدا جليا في كلمة نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، عندما أكّد على أهمية مثل هذه اللقاءات، مشيرا إلى انكباب الجامعة على وضع دراسة مستفيضة سيتم مناقشتها في مجلسها الوزاري المقبل. الأمر الذي قلل من أهميته عدد من المتابعين الذين حضروا المؤتمر، لأن المناقشة العامة الواضحة يمكن أن تحرج دولا بعينها لها رؤية مختلفة لمرتكبي العنف والإرهاب عن الآخرين، ولعل الحالتين السورية والليبية، تعزّزان هذا التباين، الذي يتغذّى على المواقف السياسية لكل دولة، كما أنّ هناك أطرافا منخرطة في تمويل ميليشيات وعمليات إرهابية، ولها حساباتها التي تتناقض مع أطراف أخرى.

حوار المنامة وإعلان الأزهر ومكتبة الإسكندرية مؤتمرات شرحت وفسرت أسباب العنف لكنها لم تنجح في تفعيل العمل

لذلك كان حوار المنامة، الذي عقد في 9 نوفمبر الماضي، صائبا، وفق ذات المتابعين، عندما اختار التطرق إلى “مكافحة تمويل الإرهاب”، باعتباره ثغرة أساسية، قادت وسوف تقود إلى صعوبة التعامل مع العنف ما لم يتم سد منافذه المالية. وقد أشار بيان المنامة إلى أنّ “المنظمات السبع والدول الـ 29 التي شاركت فيه، اتفقت على ضرورة التحقيق في قضايا تمويل الإرهاب وملاحقة المسؤولين على مستوى الأفراد والجماعات، فضلا عن التعريف علنا بمموّلي الإرهاب وداعميه وضمان وضع خدمات تحويل الأموال أو الأصول تحت الرقابة وعرضة للعقوبة في حال المخالفة”.

وكان وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، قد شدّد، خلال كلمته التي ألقاها في المؤتمر، على أنّ “قطع الإمداد المالي على الجماعات الإرهابية، يمثّل نصف الحرب ضد هذه الجماعات والتنظيمات، وهو ما يفرض ضرورة التوصل إلى آليات ناجعة ورادعة لمكافحة وإيقاف كل أشكال التمويل لجميع هذه التنظيمات والجماعات”.

انفض مؤتمر مكتبة الإسكندرية بشكل جيد على مستوى التنظيم، لكن لا تزال الكثير من الأسئلة الحرجة معلقة. وفي هذا الإطار، يخشى بعض من تحدثت معهم “العرب” أثناء انعقاد المؤتمر، أن يتم الاستغراق في البحث عن الأصول والجذور في المؤتمرات المقبلة، وإعادة إنتاجها بصور مختلفة، ويظل القائمون على العنف والإرهاب ومن يدعمونهم، يمارسون هوايتهم في الذبح والسبي.

7