مؤتمر أبوظبي يتعهد بإنشاء صندوق لحماية الآثار وإيجاد ملاذات آمنة لها

شكل المؤتمر الدولي لحماية التراث العالمي، فرصة للتوعية بأهمية الحفاظ على الآثار باعتبارها إرثا إنسانيا وذاكرة شعوب، لا يجوز التفريط فيها أو تركها فريسة للجماعات الإرهابية تعبث بها على غرار ما حصل في سوريا والعراق، وقد أرسى هذا المؤتمر جملة من الآليات للحفاظ على هذا الإرث خاصة في الدول التي تشهد نزاعات من ضمنها إنشاء صندوق لحمايتها وإيجاد ملاذات آمنة لها.
الأحد 2016/12/04
رؤية مشتركة للحفاظ على الإرث الإنساني

أبوظبي - وجه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نداء إلى كل دول العالم بالتعاون والتنسيق للسيطرة على تهريب الآثار ومواجهة التطورات الخطيرة في هذا المجال وبالذات خلال السنوات الأخيرة خاصة آثار بعض الدول العربية التي عانت من خطر العنف والإرهاب، مؤكدا على أهمية النظر إلى هذه الآثار باعتبارها تراثا عالميا مشتركا لا يجوز التهاون في سرقته أو تهريبه أو نقله من أماكنه التاريخية.

جاء ذلك في كلمة له في الجلسة الختامية للمؤتمر الدولي للحفاظ على التراث الثقافي، السبت، في أبوظبي، والذي طرح آليات عملية للحفاظ على الآثار خاصة في الدول التي تشهد حروبا ونزاعات.

وقال الشيخ محمد بن زايد “إنني على ثقة تامة بأن هذا المؤتمر سوف يمثل منعطفا مهما وعلامة فارقة في الجهود الدولية الرامية إلى حماية التراث الثقافي العالمي المهدد وقت الحروب والأزمات وإطارا عالميا فاعلا لتنسيق التحركات في هذا المجال ومنطلقاً أساسياً لمزيد من العمل والجهد خلال الفترة القادمة”.

وشدد على أن هذا المؤتمر يمثل حدثا مهما وفرصة حقيقية للتأكيد على أهمية تكاتف جهود دول العالم كافة لحماية التراث العالمي الذي بات مهدداً أكثر من أيّ وقت مضى بفعل الحروب الأهلية والنزاعات وعبث الجماعات المتطرفة والإرهابية وعصابات تهريب الآثار والتراث بغرض القضاء على ذاكرة الشعوب وتدمير تراثها الإنساني وهو سلوك ترفضه كل الديانات السماوية والأعراف البشرية والمواثيق الدولية.

كما لفت إلى أن دولة الإمارات أولت تراثها الثقافي أهمية كبيرة ووضعت منظومة قوانين تهدف إلى حمايته من العبث والاندثار لأنها تدرك أن هذا التراث الوطني يشكل رمزاً لهويّتها وخصوصيّتها الحضارية والثقافية والمجتمعية، إضافة إلى أن هذا التراث هو إثراء للتراث العالمي والفكر والحضارة الإنسانية أيضاً.

وأشاد بالدور الريادي الذي تلعبه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” في سبيل حماية كل المناطق الأثرية والحفاظ على التراث البشري العالمي.

وفي ختام المؤتمر، أعلنت أكثر من أربعين دولة ومنظمة دولية وخاصة على التزامها بإنشاء صندوق لتمويل آليات لحماية الآثار في مناطق النزاع وإيجاد ملاذات آمنة لهذه الآثار المهددة.

وجاء في البيان الختامي للمؤتمر الذي استضافته أبوظبي الجمعة والسبت “نلتزم بالمضي قدما لتحقيق هدفين طموحين (…) وهما إنشاء صندوق دولي لحماية التراث الثقافي وإنشاء شبكة دولية من الملاذات الآمنة”.

وحضر الجلسة الختامية للمؤتمر الذي انعقد في قصر الإمارات إلى جانب ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح والرئيس اليمني عبدربه منصور هادي ورؤساء حكومات ووزراء.

ويمهد المؤتمر في نسخته الأولى التي استضافتها دولة الإمارات العربية المتحدة بالتزامن مع احتفالها بذكرى وحدتها، إلى إنشاء تحالف دولي للحفاظ على الآثار الواقعة في مناطق نزاعات على رأسها سوريا والعراق.

وتعرضت مدن أثرية بأكملها في هاتين الدولتين إلى عملية تدمير ممنهجة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، على غرار مدينة نمرود العراقية التي دمر التنظيم 70 بالمئة من آثارها، ومدينة تدمر الواقعة وسط البادية السورية التي قام عناصر التنظيم بتهشيم جزء كبير من آثارها قبل أن يطرد منها.

ولم تسلم آثار الرقة من همجية التنظيم وهو ما استفز مشاعر دول المنطقة والعالم، خاصة وأن من بين هذه الآثار ما هو مدرج ضمن لائحة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو.

وتعد خطوة إنشاء صندوق لتمويل آليات لحماية الآثار في مناطق النزاع، مهمة جدا للتصدي للتنظيمات المتطرفة ومهربي الآثار الذين حققوا مرابيح خيالية خلال السنوات الأخيرة مستغلين خاصة الفوضى الحاصلة في كل من سوريا والعراق.

وأورد البيان الختامي الذي سمي “إعلان أبوظبي” أن الصندوق الذي لم تحدد قيمته “سيساعد في تمويل العمليات الوقائية والطارئة ومكافحة الاتجار غير المشروع في القطع الأثرية”.

كما سيساهم الصندوق في “ترميم الممتلكات الثقافية التي لحقت بها أضرار”.

وبحسب مصادر فرنسية مشاركة في تنظيم المؤتمر، سيتيح الصندوق تمويل عمليات نقل معالم تراثية وحفظها وترميمها من خلال استخدام تقنية ثلاثية الأبعاد خصوصا، وكذلك تدريب أخصائيين لهذه الغاية.

وسيتخذ الصندوق شكل “وحدة قانونية مستقلة” بحسب وثيقة تمهيدية تشير إلى “مؤسسة قانونية سويسرية” قد يتم إنشاؤها في جنيف اعتبارا من 2017.

وسيحظى الصندوق بحوافز ضريبية وسيستوحى من النظام الداخلي للصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا وهي مؤسسة لا تتوخّى الربح مقرها في جنيف أيضا.

وفي كلمة ألقاها في الجلسة الختامية، قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إن بلاده تأمل في جمع 100 مليون دولار على الأقل، مشيرا إلى أن باريس ستساهم بمبلغ 30 مليون دولار.

واعتبر هولاند أن مؤتمر أبوظبي يجمع للمرة الأولى قادة دول ومنظمات خاصة وعامة وخبراء في مجال الآثار “من أجل هدف إنساني” في “تحالف دولي كبير”.

وبالنسبة إلى “الملاذات الآمنة”، نص البيان الختامي على سعي الدول لحماية آثارها على أراضيها عبر نقلها من المكان المهدد إلى مكان أكثر أمنا، “أو في بلد مجاور إذا كان تأمينها على المستوى الوطني غير ممكن، أو في بلد آخر كملاذ أخير”.

وبحسب مصدر قريب من المشاورات الدائرة في أبوظبي، فإن مسألة نقل الآثار من دولة إلى أخرى لحمايتها من هجمات محتملة ستحتاج إلى موافقة حكومتي البلدين قبل البدء بعملية النقل.

وأوضح المصدر أن “الأولوية هي للعمل على نقل الآثار داخل البلد نفسه”.

وأعلنت دول بينها البوسنة استعدادها لاستقبال آثار مهددة، فيما أبدت دول أخرى بينها مصر تحفظات عن مسألة نقل الآثار إلى بلد آخر، وفقا لبعض المشاركين.

وقال رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس في كلمة ألقاها إن مسألة نقل الآثار إلى بلد آخر “يجب أن تكون الملاذ الأخير” وأن تشمل ضمانات بحماية هذه الآثار.

وطالب المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي مجلس الأمن بدعمهم في تحقيق هدفيهم الرئيسيين، معلنين عقد مؤتمر للمتابعة في 2017 لتقييم “مدى التقدم المحرز في تنفيذ المبادرات المنطلقة في أبوظبي”.

3