"مؤتمر أدباء مصر" في مهب العواصف والخلافات

الدورة الـ33 من مؤتمر أدباء مصر تثير جدلا بين المثقفين منذ إعلان الأمانة العامة للمؤتمر انتخابها الدبلوماسي والسياسي السابق مصطفى الفقي رئيسًا للمؤتمر.
الخميس 2018/10/04
اختيار الرئيس مثير للجدل

القاهرة - سبقت العواصف والخلافات انطلاق “مؤتمر أدباء مصر” بسبب انتخاب مصطفى الفقي رئيسًا للمؤتمر في دورته الـ33 هذا العام، وأثير جدل كبير بين المثقفين الذين ارتأى بعضهم أنه ليس الاختيار الأوفق، إذ ينبني على معطيات سياسية وليست أدبية.

تأتي الدورة الـ33 من مؤتمر أدباء مصر، المزمع انطلاقها ديسمبر المقبل، مسبوقة بالجدل بين المثقفين، منذ إعلان الأمانة العامة للمؤتمر انتخابها مصطفى الفقي رئيسًا للمؤتمر، وهو دبلوماسي وسياسي سابق، اقترن اسمه بالسلطة منذ عقود، وشغل مناصب رسمية متعددة، آخرها رئاسة مكتب الإسكندرية.

 

المؤتمر العام لأدباء مصر”، هو ذلك الحدث الثقافي الذي ينعقد كل عام في محافظة مختلفة، بهدف الاهتمام بأدباء الأقاليم على وجه الخصوص، وكسر مركزية العاصمة، وحل المشكلات التي تواجه المثقفين والمبدعين في المناطق النائية. وعلى مدار دوراته الـ32 السابقة، ارتبطت رئاسة المؤتمر بشخصيات أدبية مرموقة، من المنغمسين في الحقل الإبداعي بشكل مباشر، لكن رئيس هذه الدورة جاء على غير العادة ما خلف جدلا واسعا بين رافض ومرحب.

تطويع الثقافة

في قلب المشهد الساخن يؤيد بعض المثقفين هذا الاختيار في حديثهم لـ”العرب”، انطلاقًا من أن رئاسة المؤتمر شرفية، لا تستلزم المشاركة الفعلية في برامجه وفعالياته وتوصياته، وأن الفقي كمثقف عام ومدير لمكتبة الإسكندرية وواجهة معروفة قد يكون هو الشخص الملائم للحظة المشحونة بالحساسيات السياسية، لكنّ المعارضين لهذا الاختيار جاء صوتهم أعلى، وأسبابهم أكثر.

ويبني المعترضون وجهة نظرهم على أن المسار العام للمؤتمر طوال تاريخه كان مسارًا أدبيًّا متخصصًا، بضيوفه وأمانته العامة ورؤسائه المتعاقبين، فهو مؤتمر فني نوعي لا يمكن إدارته من حقول السياسة أو الدبلوماسية.

كذلك، وفق المعترضين، فإن الفقي قد يكون واجهة للسلطة أكثر من كونه واجهة للإبداع الحر والأدباء المعزولين في الأقاليم. ووصف هؤلاء هذا الاختيار بأنه موجه، خارج السياق الأدبي، هدفه التدجين، والترويج الدعائي، والمصالح الانتفاعية، وترويض الثقافة، والتقليل من شأن الإبداع.

ودرس مصطفى الفقي الاقتصاد والعلوم السياسية، وانتخب عضوًا بمجلس الشعب عن الحزب الوطني الديمقراطي المنحل، وشغل مناصب عدة، منها: قنصل مصر في لندن، سفير مصر في النمسا، مستشار السفارة المصرية في الهند، سكرتير الرئيس الأسبق حسني مبارك للمعلومات، وغيرها.

ونال الفقي أصوات الأغلبية في الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر في دورته المقبلة، واختاروه رئيسًا بالإجماع، فيما لم تتحدد بعد المحافظة المستضيفة للمؤتمر. ويكرم المؤتمر عددًا من الشخصيات، منها: الناقد أحمد درويش، والروائية مي خالد عن الأديبات، والإعلامي محمد حافظ، والشاعر الراحل محمود الأزهري، وغيرهم. واختير الاقتصادي طلعت حرب شخصية المؤتمر.

يرى القاص والكاتب أحمد الخميسي أن الفقي ليست له علاقة بالأدب، وبالتالي يصعب قبوله رئيسًا لمؤتمر أدباء مصر، خاصة أن الأسماء المرموقة التي ترأست المؤتمر في دوراته السابقة، مثل علي الراعي وعبدالقادر القط  وخيري شلبي وفتحي غانم وصنع الله إبراهيم، تكشف مدى التراجع في فلسفة المؤتمر.

مؤيدون: رئاسة المؤتمر شرفية وانتخاب الفقي يلائم اللحظة المشحونة خاصة وأنه يمكن أن يقدم الإضافة

ويقول الخميسي في تصريح لـ”العرب” “إن اختياره يبدو ترجمة لمديحه كل أنماط الحكم، وتعبيرًا عن احتقار السلطة التام للثقافة. ففي الماضي كانت أنظمة الحكم ترى أن هناك ثقافة، ثم تخطط لتطويعها، والآن نحن إزاء سلطة لا ترى هناك ثقافة أصلًا، ومن ثم يمكنها أن تفعل ما تشاء، وتستهين بالثقافة إلى هذه الدرجة”.

ويقول الشاعر والكاتب عبده الزراع، لـ “العرب”، إن اختيار مصطفى الفقي أمر يدعو إلى الدهشة، لأن أعضاء الأمانة العامة معظمهم من أدباء مصر المقيمين في الأقاليم، وهذا المؤتمر طوال تاريخه يختار رئيسًا له من الأدباء البارزين أو ممن يهتمون بالشأن الثقافي والأدبي.

ويصف الزراع هذا الاختيار بأنه غريب عن مسيرة المؤتمر، قائلا “أعتقد أن هذا الاختيار تم بناء على أن الفقي رئيس لمكتبة الإسكندرية، هذا الصرح الثقافي الكبير والمؤثر في حركة الثقافة المصرية والعربية، وهذا لا يكفي، فالفقي بعيد عن حركة أدباء مصر في أقاليمها المختلفة، وليس أديبًا ولا مشتغلًا بالشأن الثقافي، واهتماماته تنصب على الشأن العام السياسي، والبحثي والفكري”.

ويوضح الشاعر والكاتب أحمد الجعفري لـ”العرب” أن الاختيار نابع من معطيات سياسية، فعقب ثورة يناير 2011 تولىٰ حكم مصر (المشير حسين طنطاوي) وزير دفاع مبارك، وترأس الحكومة كمال الجنزوري وهو كان رئيس حكومة أيام مبارك، وإلى الآن هناك وزراء بالحكومة الحالية كانوا وزراء لمبارك، وقد أراد الأدباء أن يضعوا لمستهم  فاختاروا الفقي مستشار مبارك للمعلومات رئيسًا لمؤتمرهم. مشيرا إلى أنه ليس من بين أعضاء أمانة المؤتمر من قرأ للرجل، وليس من بينهم من يعرف طبيعة إسهامه في العلوم الاجتماعية التي حصد كل جوائزها القومية.

ويشير لـ”العرب” إلى أن الاختيار تم لأن اسم الرجل كرئيس للمؤتمر كفيل بتشجيع أي محافظ لاستضافة المؤتمر في محافظته، أو لضمان إسهام هذا المحافظ في نفقاته. لم يكن الفقي يومًا من الأدباء، ولم يشاطرهم قضاياهم، ولا يعرفهم ولا يعرفونه. فهو رجل يشبه عصره الذي كان، وعصره الكائن.

قيمة مضافة

على الجانب الآخر، يقول الروائي والكاتب سيد الوكيل لـ”العرب”، إن رئيس مؤتمر أدباء مصر له دور شرفي رمزي، ولا يعد مؤثرًا في المجالات البحثية والفنية، ويجري اختياره بالتصويت الحر بين أعضاء الأمانة العامة، وعلاقة رئيس المؤتمر بالأدب ليست شرطًا للاختيار، خصوصًا عندما تتداخل المعطيات الثقافية، إذ لم يعد الأدب جزيرة منعزلة، بل صار مشتبكًا مع الواقع بكل مفرداته الثقافية والسياسية.

معارضون: اختيار الفقي سلطوي خارج السياق يهدف إلى تدجين وترويض الثقافة فهو واجهة للسلطة لا للإبداع

ويرى الوكيل أن كون مصطفى الفقي رئيسًا لمكتبة الإسكندرية، ومثقفًا عامًّا ومفكرًا سياسيًّا، يمنحه قيمة مضافة لرئاسة المؤتمر في لحظة مشحونة بالحساسيات السياسية. أما القول إنه مفروض من جهة ما، فليس لأحد دليل على ذلك، ولعل الخلافات السياسية وليست الأدبية وراء هذه الأقاويل.

وتشير القاصة والكاتبة منار فتح الباب إلى أحقية مصطفى الفقي برئاسة المؤتمر، لأن له آراء ستثري المحور البارز في المؤتمر، وهو المتعلق بالكتاب كصناعة، ودور المؤسسات والمكتبات في الحركة الثقافية، وعمل الفقي في مكتبة الإسكندرية يمنحه الخبرة الكبيرة للإفادة في هذا المجال.

وتؤكد فتح الباب لـ”العرب” أن هناك أدباء رائعين ومظلومين في كل المحافظات، ومنصب رئيس المؤتمر شرفي فقط، والأهم من الخلاف على اسمه أن تصل مجهودات المؤتمر إلى شباب الأدباء، وتكون لأبناء الجيل الجديد مشاركات حقيقية في الجلسات، والعناوين الجانبية ذات صلة بالواقع الأدبي ومشكلاته الراهنة، ويجري تمثيل المحافظات بشكل حقيقي فعال.

من جهته، رفض مصطفى الفقي التعقيب على آراء المثقفين، والجدل الدائر بشأن اختياره رئيسًا لمؤتمر أدباء مصر، مكتفيًا بما سبق أن صرح به عقب انتخابه مباشرة وإبلاغه بترشيح الأمانة العامة، حيث أبدى استعداده لقبول المهمة، وسعادته بها، مشيرًا إلى عدم سعيه إليها بأي شكل من الأشكال.

15