مؤتمر أستانة يكرس دور القيادات الدينية في بناء السلام

شيخ الأزهر: الإرهاب ليس صنيعة للإسلام أو الأديان ولكنه صنيعة سياسات عالمية جائرة ظالمة ضلت الطريق وفقدت الإحساس بآلام الآخرين من الفقراء والمستضعفين.
الخميس 2018/10/11
قادة الديانات يصنعون المستقبل

أستانة - انطلقت في قصر السلام والوفاق بالعاصمة الكازاخية أستانة، وبحضور رئيسي كازاخستان وصربيا، ونخبة من كبار القيادات الدينية في العالم، الأربعاء، أعمال المؤتمر السادس لزعماء الأديان العالمية والتقليدية.

ويبحث المؤتمر، الذي تستمر فعالياته على مدار يومين، تعزيز دور القيادات الدينية في استتباب الأمن الدولي، خصوصا من خلال مكافحة التطرف الديني المؤدي إلى الإرهاب، ونبذ الكراهية والعنف.

وقال منظمون إن زعماء بارزين من الديانات السماوية الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية) من أوروبا وآسيا وأفريقيا، ومن ديانات “تقليدية” مثل الهندوسية والبوذية يشاركون في المؤتمر الذي يقام تحت شعار “قادة عالميون من أجل عالم آمن”.

ويحظى المؤتمر بدعم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) التي أقرت السنوات العشر ما بين 2013 و2022 “عقدا دوليا للتقارب بين الثقافات” وذلك باقتراح من كازاخستان.

ويبحث المؤتمر مواضيع مثل “دور الزعماء الدينيين والسياسيين في التغلب على التطرف والإرهاب” و”الأديان والعولمة: التحديات والمواجهات”.

وكان وزير خارجية كازاخستان خيرت عبدالرحمنوف، قد صرح مؤخرا بأن مؤتمر هذا العام “سيكون مكرسا لدور القيادات الدينية في الحفاظ على عالم آمن”.

وأضاف “نتوقع من الزعماء الروحيين أن يحققوا نتائج ذات معنى من أجل بناء الثقة والاحترام المتبادل، ومحاربة التطرف الديني، وخلق عالم آمن”.

ويذكر أن مؤتمر حوار الأديان العالمية كان قد انطلق في العاصمة الكازاخية أستانة في دورته الأولى منذ 15 عاما، ومنذ ذلك الحين يعقد المؤتمر مرة كل ثلاث سنوات بمشاركة قيادات من مختلف الديانات ومعهم رؤساء دول وحكومات ورجال سياسة وعلماء ومنظمات دولية.

لم يأت اختيار أستانة مقرا للحوار بين الزعماء الدينيين من عبث، ذلك أن هذه المدينة ترمز للدولة الكازاخية متعددة الأديان والأعراق ويتكون الطيف الديني في البلاد من 18 دينا وطائفة وفيها نحو 3800 جمعية دينية.

ويشكل المسلمون غالبية عظمى من السكان (ما يقارب 70 بالمئة) ويأتي المسيحيون في المرتبة الثانية بنسبة 26 بالمئة و4 بالمئة من المجموعات الدينية الأخرى. ورغم هذا التنوع فإن الوضع الديني في البلاد مستقر ويمكن التنبؤ به، ويعود هذا التعايش السلمي إلى جملة عوامل تاريخية وثقافية واجتماعية، فضلا عن الدور الإيجابي في هذا المجال لدستور البلاد الذي يكرس الطبيعة العلمانية للدولة ويكفل للمواطنين حرية الاعتقاد والدين.

وشهد المؤتمر مشاركة زعماء سياسيين ورؤساء منظمات دولية وممثلين عن المجتمع المدني. وشارك في المؤتمر أحمد الطيب شيخ الأزهر، رئيس مجلس حكماء المسلمين، ومحمد المحرصاوي، رئيس جامعة الأزهر، والأنبا دانيال الأعصراني ممثلا عن البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، ووفد من جامعة الدول العربية برئاسة السفيرة سامية بيبرس، مدير إدارة حوار الحضارات.

وألقى أحمد الطيب، شيخ الأزهر، كلمة رئيسية في افتتاح المؤتمر اعتبر فيها أن حل أزمة عالمنا المعاصر يستوجب ضرورة العودة إلى الدين ومرجعيته، كحارس للأخلاق وضوابطها، ومنقذ لحل أزمة عالمنا المعاصر، لافتا إلى أن عالمنا يعاني من أزمة شديدة التعقيد مركبة من الألم والتوتر والتوجس والجزع، وتوقع الأسوأ كل يوم.

اختيار أستانة مقرا للحوار بين الزعماء الدينيين لم يأت من عبث، ذلك أن هذه المدينة ترمز للدولة الكازاخية متعددة الأديان والأعراق

وأشار شيخ الأزهر إلى أن الإرهاب ألصق بالإسلام وحده من بين سائر الأديان، مع أن التأمل الدقيق يوضح أن إمكانيات المنطقة التقنية والتدريبية والتسليحية لا تكفي لتفسير ظهور هذا الإرهاب ظهورا مباغتا بهذه القوة الهائلة التي تمكنه من التنقل واجتياز الحدود والكر والفر في أمان تام، مشددا على أن الإرهاب ليس صنيعة للإسلام أو الأديان ولكنه صنيعة سياسات عالمية جائرة ظالمة ضلت الطريق وفقدت الإحساس بآلام الآخرين من الفقراء والمستضعفين.

وجاء في كلمة الطيب أن “أغلب الشباب المجندين من الشباب الأوروبي في العراق وسوريا ليسوا من المتدينين”، وأضاف أنه قد تبين من إحصاءات أجريت هناك على أربعمئة عائلة أوروبية التحق أبناؤها أو بناتها بالجهاد في سوريا والعراق أن 40 بالمئة من هذه العائلات ملاحدة، و40 بالمئة كاثوليكية، و19 بالمئة مسلمة، وواحدا في المئة يهودية”.

وتابع شيخ الأزهر بقوله “إذن فليست القضية قضية شباب مسلم وجهـاد إسـلامي، وإنما هي قضيــة الظلم والتهميـش، والإحســاس بالدونية وانتقاص الحـقوق، أو قسـوة الاغـتراب النفسي عند بعض الشباب، نتيجة فراغ الحضارة المعاصرة من قيم الدين وأخلاقياته وتعاليمه”.

واختتم شيخ الأزهر كلمته بقوله إن المسؤولين عن السياسة الدولية أنفقوا تريليون ونصف تريليون دولار على الحروب المندلعة في أفغانستان والعراق وسوريا في الفـترة من 11 سـبتمبر 2001 وحتى 31 مارس 2018، وإن هذا المبلغ يعادل ميزانية دولة كبرى مثل ألمانيا لمـدة 5 سنوات.

وتساءل أحمد الطيب في نهاية كلمته بمؤتمر أستانة “لماذا؟ ولمصلحة مَن؟ وهل كان يسمح بإنفاق عشر معشار هذا الرقم لمصلحة الشعوب البائسة المحتاجة، ولمحاربة الفقر والمرض والجهل، ومن أجل الجياع والمشردين والمهجرين من بيوتهم وأوطانهم رغم أنوفهم، في ميانمار وفي القدس وغيرهما؟”.

ويذكر أن السنوات الماضية شهدت تنامي ظاهرة الإرهاب وبروز تنظيمات ترفع شعارات جهادية مثل داعش.

وفي عام 2017 وقعت هجمات إرهابية في مئة دولة حول العالم، بحسب التقرير السنوي لمكافحة الإرهاب الصادر عن وزارة الخـارجية الأمـيركية فـي 19 سبتمبر الماضي.

ووفق التقرير، وقعت 59 بالمئة من هذه الهجمات في خمسة بلدان، هي أفغانستان والهند والعراق وباكستان والفلبين. كما وقعت 70 بالمئة من جميع الوفيات الناجمة عن هجمات إرهابية في أفغانستان والعراق ونيجيريا والصومال وسوريا.

يرى مراقبون أن المؤتمر المنعقد في العاصمة الكازاخية سيساهم في غرس مفاهيم ومبادئ احترام التعددية الدينية والتنوع الثقافي، ويشكل خطوة أخرى نحو التفاعل النوعي للثقافات وتعزيز التفاهم المتبادل في المجتمع.

13