مؤتمر الأزهر في القاهرة يثير إشكالات تنقيح التراث وتجديد الثقافة الإسلامية

قرار إنشاء مركز دائم لتجديد التراث الديني يثير جدلاً حول حصر مسؤولية تجديد الثقافة الإسلامية في المراكز النظرية المعتمدة في تشكيلها على جهات دينية فقط.
الثلاثاء 2020/01/28
الحاجة ملحة إلى خطاب ديني جديد

جاء انعقاد مؤتمر التجديد في الفكر الإسلامي بالقاهرة، الاثنين، كمحاولة من مؤسسة الأزهر مواجهة الاتهامات المستمرة لها بالجمود الفكري، لكن أثيرت في الوقت ذاته إشكاليات حول حصر استمرار استحداث لجان ومراكز جديدة لتطوير الخطاب الديني وقصر تشكيلها على رجال الدين، رغم وجود مؤسسات أخرى تقوم بالدور ذاته.

القاهرة - أثار قرار الأزهر الشريف إنشاء مركز دائم لتجديد التراث الديني يضم علماء المسلمين من داخل مصر وخارجها، على هامش “مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي”، جدلاً حول حصر مسؤولية تنقيح التراث وتجديد الثقافة الإسلامية كقضية محورية لمواجهة الإرهاب في اللجان والمراكز النظرية المعتمدة في تشكيلها على جهات دينية فقط.

وتملك مؤسسة الأزهر، عبر مجمع البحوث الإسلامية التابع لها، نحو 12 لجنة علمية بعضها قائم منذ الثمانينات، تُحال إليها القضايا المطروحة على الساحة، والمتعلقة بتجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسي والمذهبي، ما يجعل المركز الجديد إضافة لا تحمل قدرًا كبيرًا من الأهمية.

تثير قضية تجديد الخطاب الديني جدلا مستمرا بين رجال الدين وبين المؤسسات الرسمية بمصر، وقطاع من المثقفين الذين يوجهون اتهامات مبطنة لمؤسسة الأزهر بالمسؤولية عن الجمود والتشدد الذي يعتري الخطاب الديني، ما يؤدي إلى انتشار التطرف والعنف.

وأكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على ضرورة تجديد الخطاب الديني منذ ستة أعوام باعتباره عنصرا رئيسيا في مواجهة تيارات الإسلام السياسي، وتخلف عن حضور مؤتمر الأزهر في اللحظات الأخيرة قبل انطلاقه، فاتحا الباب للتأويلات بعدما اكتفى بإنابة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لإلقاء كلمة باسمه حملت رابطا بين التشدد وغياب التجديد.

واعتبر مدبولي، في الكلمة التي ألقاها في المؤتمر نيابة عن السيسي، أن التراخي عن الاهتمام بملف الخطاب الديني ترك الساحة لأدعياء العلم ليخطفوا عقول الشباب، ويدلّسوا أحكام الشريعة، واعتبر أن التجديد الذي يتطلع إليه ليس في ثوابت الدين ولا العقيدة ولا الأحكام المتفق عليها، بل في فقه المعاملات بمجالات الحياة العلمية.

وتساءل السيسي باستنكار في جلسة “تحدّيات الإرهاب” بمؤتمر الشباب الثامن الذي عقد في ديسمبر الماضي، حول كيفية رؤية رجال الدين لتأثير عدم المواجهة الفكرية وتصويب الخطاب الديني في ظل الحرب ضد الإرهاب، وقال “إنت مش مصدق (كيف لا تصدق) أنك متأخر 800 سنة في تفسيرك لبعض النصوص”.

العالم العربي يحتاج إلى خطاب ديني جديد، ما يستدعي تنقية كاملة من المذاهب الطائفية والقومية

يواجه تجديد الخطاب الديني معركة بين طرفين شديدي التناقض؛ اتجاهات فكرية تتمترس حول التراث وتعتبر دعوات تجديده استجابة لتيارات غربية لهدم الإسلام، وأخرى تريد نسفًا كاملاً للتراث وتعتبره أصل الأزمات، وسببا في عرقلة النهضة والتقدم.

وقال شيخ الأزهر في كلمته أمام “مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي”، إن الإسلام ظل مع التجديد دينا قادرا على تحقيق مصالح الناس، وإغرائهم بالنموذج الأمثل في معاملاتهم وسلوكهم، بغض النَظر عن أجناسهم وأديانهم ومعتقداتهم.

وأضاف أنه مع الركود والتقليد والتعصب بقي الإسلام مجرد تاريخ يُعرضُ في متاحف الآثار والحضارات، وهذا المصير البائس لا يزال يشكل أملا وحُلما يداعب خيال المتربِّصين في الغرب والشرق، بالإسلام وحده دون سائر الأديان والمذاهب، ومن هؤلاء من ينتمي إلى الدين الإسلامي باسمِه وبمـولده.

ودفع المؤتمر بكلمة التجديد كعنصر أساسي في كل جلساته التي تستمر يومي الاثنين والثلاثاء، بين مفاهيم التجديد، وآلياته ودواعيه، وتفكيك المفاهيم المغلوطة، وقضايا المرأة والأسرة، ودور المؤسسات الدولية والدينية والأكاديمية في تجديد الفكر الإسلامي، والأحكام الشرعية بين الثابت والمتغير، والمؤسسات المعنية ودورها في التجديد، وعرض مظاهر التجديد التي قام بها الأزهر قديمًا وحديثًا، وتفكيك المفاهيم المغلوطة المتعلقة بالجهاد في الفضاء الإلكتروني.

وأثارت الجلسة المتعلقة بحصر المؤسسات المعنية بالتصدي للتجديد في مصر إشكاليات تتعلق بمحاولة مؤسسة الأزهر اعتبارها قضية خاصة بها فقط، مع ربطها بمقال نشره الشيخ أحمد الطيب في الجريدة الصادرة باسم المشيخة “صوت الأزهر” قبل عام، شن فيه هجومًا حادًا على الآراء الدارجة في وسائل الإعلام حول تلك القضية الشائكة والاقتراحات التي قدمتها.

وأكد أن الأصوات التي تنادي بإلغاء الخطاب الديني، جملة وتفصيلا، هدفها تحويل الأزهر إلى متحف من متاحف التاريخ، أو وضع أيديهم عليه لتجميد رسالته ودعوته عند حدود التعبّد بمذهب واحد، واعتقاد معين، وأشكال ورسوم يرونها الدين لا دين غيره.

ويرى البعض من الباحثين، أن العالم العربي يحتاج إلى خطاب ديني جديد بعدما أصبح التعبد بالمذاهب وليس بالدين، ما يستدعي تنقية كاملة للإسلام من المذاهب الطائفية والقومية.

ويقول الدكتور علوي أمين، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، لـ”العرب”، إن “مؤتمر تجديد الفكر الإسلامي رسالة لمن يتهمون الأزهر ويحملونه جزءا من مسؤولية عدم التجديد، وهذه الأصوات لا تدرك منهج أو رسالة المؤسسة الدينية في الدفاع عن الإسلام والمسلمين”.

وتقوم مؤسسات دينية عربية بتحركات حثيثة لقطع الطريق على الجماعات التي تستهدف ضرب الدول بنشر الأفكار المتطرفة، فالقضية المحورية هي مواجهة الإرهاب وأصبحت في مقدمة الأولويات لمكافحة الغلوّ والتطرف ونشر ثقافة الحوار والتسامح.

وأشار الدكتور عبداللطيف آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودي، إلى أن مؤتمر الأزهر جاء في خضم تحديات تواجه الأمة الإسلامية، بينها انتشار موجات التطرف والعنف نتيجة المفاهيم المغلوطة التي تروجها الجماعات المنحرفة.

وأضاف آل الشيخ، لـ”العرب”، أن “تجديد الخطاب الديني ليس كما يفهمه المنغلقون بأنه تغيير للشرع أو هجوم على الثوابت أو تحريف للكلام عن مواضعه، وإنما هو تدبّر للخطاب وفهمه في العصور المتأخرة على سنن السابقين الأولين”.

وترى مؤسسة الأزهر أن المطلوب في التجديد، إمعان النظر في نصوص القرآن والسنة والأحكام الفقهية، وإعادة قراءتها بصورة ملتزمة بكل القواعد التي حرص عليها أئمة التفسير والحديث والأصول، بهدف تحديد الموقف الشرعي من القضايا المعاصرة الملحة التي تتطلب حلا شرعيا يطمئن إليه العلماء والمتخصصون.

وينتقد بعض المثقفين في مصر حصر جهود تجديد الخطاب في مؤتمرات الأزهر والمؤسسات الدينية فقط، واعتمادها على الخطب والجلسات الحوارية المغلقة التي ليس لها صدى كبير أو انعكاسات إيجابية على واقع المسلمين وعلى تفعيل المؤسسات الدينية في تطوير الخطاب الديني ورؤية الفكر الإسلامي للتعايش بين أتباع الأديان والمعتقدات والمذاهب ومعالجة المشكلات الفكرية، واستثمار القوة البشرية في التنمية الاقتصادية والنهضة الحضارية.

وأوضح الشيخ أحمد المرابط الشنقيطي، مفتي موريتانيا، لـ”العرب”، أن الجماعات المتطرفة تستهدف دولا عدة في أفريقيا عبر نشر المفاهيم المغلوطة لدى الشباب، ما يؤكد أهمية المواجهة الفكرية لتلك الجماعات الضالة، وعندما تفند المؤسسات الدينية الكبرى أكاذيب المتطرفين، فهذا يسهل من مهمة علماء الدين في أفريقيا.

ولفت الشيخ مهاجري زيان، رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، إلى أن أبناء الجاليات المسلمة في الخارج يدركون أهمية قضية تجديد الخطاب الديني للتصدي للإسلاموفوبيا وحملات اليمين المتطرف.

وأضاف زيان، أنه لا يمكن الحديث عن توعية الجاليات المسلمة في الخارج، دون دراسة آليات تجديد الخطاب الديني، وتفكيك المفاهيم المغلوطة، لأن القضايا التي تناقش داخل العالم الإسلامي ترتبط بشكل أساسي بمشاكل تتعرض لها الجاليات المسلمة، لأن المفاهيم المغلوطة التي تتاجر بها الجماعات المتطرفة كانت سببا في تجنيد العديد من شباب أوروبا للقتال في صفوف تنظيم داعش والجماعات الضالة.

وتهتم الجاليات الأجنبية بتفكيك المفاهيم المغلوطة المتعلقة بالجهاد والقتال في الخطاب الدعوي عبر الفضاء الإلكتروني، بجانب التركيز علي قيم المواطنة والتسامح والتعايش السلمي وقبول الآخر، في ظل مساعي الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب من خلال وسائل التواصل الحديثة وشبكة الإنترنت.

12