مؤتمر الإسلام في القرن الحادي والعشرين يحذر من استيراد الأئمة في أوروبا

المؤتمر طرح أربعة محاور أساسية للبحث هي: الإسلام وحرية المُعتقد، الإسلام والمساواة، الإسلام والعنف، والعلاقة بين الإسلام ووسائل الإعلام.
الجمعة 2019/03/01
المسلمون أمام حتمية تصحيح المفاهيم الخاطئة عنهم

باريس - ناقش مؤتمر الإسلام في القرن الحادي والعشرين الذي احتضنه مقر اليونيسكو في باريس الفكر الإصلاحي في الإسلام والتعامل معه على أساس أنه دين منفتح على الحوار والنقاش، وليس مغلقا يختصر فقط في مجرد استهلاك الأفكار والقوالب الجاهزة. هذا المؤتمر الذي انتظم في باريس ومن المتوقع أن يتم تنظيم نسخه القادمة في عواصم أخرى يطمح إلى تقديم مُقاربة جديدة للتصدّي للفكر المتطرف وتبني نهج الإصلاح ضدّ التشدّد وخطاب الكراهية.

أجمعت مُداخلات غالبية المُتحدثين على التحذير من الاستمرار في استيراد أئمة المساجد من خارج أوروبا؛ من كلّ من تركيا والجزائر والمغرب بشكل رئيس، والسعي إلى وقف إطلاق الفتاوى الدينية دون ضوابط.

وانعقد المؤتمر، الذي شهد مُداخلات صريحة وواقعية بعيدا عن المُجاملات، بمشاركة ما يزيد عن 35 مُتحدّثا من الشخصيات السياسية والفكرية والإسلامية والأكاديمية، بتنظيم من جمعية “الإسلام في القرن الواحد والعشرين”.

وخلال المؤتمر، الذي التأم الثلاثاء والأربعاء، تم طرح أربعة محاور أساسية للبحث هي: الإسلام وحرية المُعتقد، الإسلام والمساواة، الإسلام والعنف، والعلاقة بين الإسلام ووسائل الإعلام.

الأستاذة الجامعية والكاتبة التونسية هالة الوردي، أشارت إلى أنّ الترجمة اللاتينية للقرآن في عام 1543 بمدينة بال السويسرية شكلت اعترافا بأهميته الدينية من قبل أوروبا وإن كان السبب هو المخاوف التي كانت تعتريها من الإسلام، بينما اليوم فإنّ العالم يعيش في نفس الرعب بسبب القوى الظلامية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ولذا يجب مواجهة الواقع وإزالة القلق بين الجانبين.

وأكدت أنّه وللأسف وبسبب بعض القوى التكفيرية فإنّ الإسلام أحدث ضجة سلبية كبيرة في القرن الـ21؛ فكلمة “الله أكبر” التي هي نداء للصلاة، حولها الظلاميون إلى نداء للقتل.

ودعت الوردي إلى تعريف الرأي العام الأوروبي بالإسلام الحقيقي وجذوره التاريخية، فالأوروبي لا يعرف عن الإسلام سوى بعض الأمور الفلكلورية البسيطة كاللباس وغيره.

كما دعت لإعادة أصحاب الفكر المُتشدد إلى إنسانيتهم، وقالت إنه وبينما المسلمون يحكمهم اليوم ويُخضعهم أموات وفتاوى دينية غير منطقية، فإنّه يجب البحث عن الخطأ والتقدّم نحو تطبيق حديث مُعاصر للإسلام، مُطلقة دعوة لتجديد الإسلام نفسه في أوروبا كما كان في الأندلس.

 وأكدت أنّ أوروبا مُخطئة أيضا لأنها لم تحتوِ الإسلام وبقيت تستورد الأئمة من الخارج بفكرهم المُتطرف، وهذه هي المشكلة الجوهرية برأيها.

أما هالة الباجي، الكاتبة التونسية والأستاذة في جامعة السوربون بباريس، فذكرت أنّ الإسلام اليوم أصبح أسطورة بسبب الإعلام، حيث تمّ تلويثه والترويج للظلامية والجهل كبديل، مُشيرة إلى أنّه كلما برز الإسلام في الإعلام كلما قلّ فهمه وتفسيره. وبينما كان الإسلام في الماضي في خدمة الإنسانية، فإنّ أئمة المساجد في أوروبا لم يرتقوا إلى مستوى حضاري لائق، فهم المسؤولون الأساسيون عن الإرهابيين، لكنهم يرفضون الاعتراف بأنهم السبب في خلق أصحاب الفكر المتشدد، ويكتفون بالادعاء عند وقوع أيّ أعمال إرهابية أنّ ذلك لا يمثل الإسلام، لكنّ الإسلام المُعاصر بسببهم أصبح بالفعل عنيفا. وأكدت أنّ الثورة التونسية قامت على الحرية والكرامة وليس على الدين، فالثورة لم تكن دينية، كما أنها لم تحكم بالإعدام على المتدينين.

هوبرت فيدرين، الوزير الفرنسي السابق للشؤون الخارجية، قال إنّه “في فرنسا كلما أشرنا إلى العنف في الإسلام تأتينا ردود فعل عنيفة”، وأقر بوجود جهل يخلط بين الإرهاب والإسلام، لكنّ رفض وجود هذا الخلط ونقاشه يؤدي إلى عدم إمكانية النقد البناء والبحث في ظاهرة التشدّد وإيجاد حلول لها.

وأشار في بالمقابل إلى تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا حيث يتم أيضا استخدام مصطلح كراهية الإسلام لمنع النقد الإيجابي، إذ هناك خوف من التحليل ووضع الأمور في سياقها الزماني والمكاني الصحيح، وهذا هو سر تخوّف الإرهابيين.

وبرأي فيدرين، فإنّه لا يمكن تبرير ما يحصل اليوم بأيّ سبب كان، لذا تتوجب الدراسة الصحيحة للإسلام في أوروبا، فالرأي العام الأوروبي يشعر بالخوف بسبب الجهل بالإسلام، والحكومات الأوروبية تتساءل ما العمل؟ دون أن تصل إلى نتيجة، لكنّ عدم التصرف بشكل مناسب يؤدي إلى نتائج معكوسة بالطبع.

باريزة خياري، عضو مجلس الشيوخ عن باريس ورئيسة معهد ثقافات الإسلام، والممثلة الشخصية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى المجلس الدولي للحفاظ على التراث في مناطق النزاع، أطلقت تحذيرا شديدا تجاه الأصوليين المتطرفين الذين يريدون إغلاق عيون البشر، فيما كل شيء بالنسبة لهم حلال أو حرام.

وأكدت أنه “بينما نعيش بالفعل في فرنسا كمواطنين فرنسيين إلا أننا نمارس إسلامنا بكل حرية، لكن هناك من الأحزاب السياسية من يكره المسلمين ويجمع الأصوات الانتخابية على حسابهم عبر تخويف المجتمع منهم. وللأسف فإنّ الجمهورية العلمانية في فرنسا ومبدأ فصل الدين عن الدولة لم يتحققا بعد بشكل كامل كما نرجو”.

كما حذرت خياري أيضا من ظاهرة التطرف المزدوجة من الجانبين، مؤكدة أنه يجب عدم إبعاد المواطنة عن المسلمين، والاهتمام بالتعليم والثقافة حتى لا يُعبّر الأبناء عن أنفسهم بالعنف، كما يجب الاهتمام بالأصول الثقافية والحضارية بشكل إيجابي، والحث على زيادة قيم الإسلام التي تدعو إلى الانفتاح والتعرف على الآخر وليس إنقاصها.

وأكدت على أهمية إصلاح الفراغ الثقافي الموجود لدى أبناء الجاليات المُسلمة والتصدّي لمحاولات نزع الإسلام عن جذوره، حيث تقول خياري إن “الشر ينبت في الفراغ، بينما تشكل معرفة الآخر ترياقا ضدّ العنف”.

13