مؤتمر الاستثمار.. حلم تونس للعودة إلى خارطة الاقتصاد الدولي

رمت تونس بكل ثقلها في حملتها الترويجية خلال الأسابيع الأخيرة من أجل إنجاح مؤتمر "تونس 2020" للاستثمار، أكبر حدث تنظمه منذ ثورة يناير 2011، والذي يرجح أن يكون نقطة الانطلاق الفعلية لتغيير الخارطة الاقتصادية عبر تحفيز المستثمرين المحليين والأجانب على إنشاء المشاريع وإعادة عجلة النمو إلى الدوران مجددا.
الثلاثاء 2016/11/29
منصة لعهد اقتصادي جديد

تونس – تعلق تونس آمالا كبيرة في أن يعيدها مؤتمر “تونس 2020” إلى دائرة اهتمام المستثمرين، لكن المال ليس هدفها الوحيد، إذ تسعى إلى رسم صورة جديدة لها بالترويج لهذا الحدث لدى شركائها الاقتصاديين.

واختزلت تونس جهودها خلال الفترة الماضية في العمل على إيصال رسالة رئيسية قبل المؤتمر وهي “عودة تونس مجددا إلى العالم” حتى يعرف المجتمع الدولي أنها بدأت تستعيد استقرارها الاجتماعي والسياسي والأمني.

وكان وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، فاضل عبدالكافي، أكد خلال ندوة صحافية انعقدت، مؤخرا، أن انعقاد مؤتمر دعم الاستثمار في تونس يأتي لإعادة صورة تونس وإشعاعها في محيطها الإقليمي وفي حوض المتوسّط، وذلك بعد خمس سنوات صعبة.

وبينما تعيش البلاد مرحلة حرجة وصعبة من تاريخها وخاصة على المستوى الاقتصادي، تنطلق، الثلاثاء، وعلى مدار يومين فعاليات المؤتمر الدولي للاستثمار، الذي ينعقد في قصر المؤتمرات وسط العاصمة بحضور قادة دول ورجال أعمال من قرابة سبعين بلدا.

وأكد مراد فرادي، مدير المؤتمر الدولي “تونس 2020” عشية الملتقى الاستثماري الدولي أن أكثر من 1400 شخصية سياسية واقتصادية عربية ودولية ستحضر المؤتمر، بالإضافة إلى مجموعة من الشركات العالمية الرائدة في العديد من القطاعات.

واستجابت لدعوة تونس من أجل حضور المؤتمر شخصيات سياسية ومسؤولون كبار يمثلون عددا من البلدان، بينها الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر والكويت والبحرين والأردن والجزائر وفرنسا والولايات المتحدة وكندا وبلجيكا وعدد كبير من المؤسسات والمنظمات الدولية.

من المتوقع أن يحضر هذا الحدث الهامّ، الذي تعول عليه تونس كثيرا لإنعاش اقتصادها، عدد من قادة الدول والمؤسسات الدولية وصناديق الاستثمار وممثلون من القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني.

60 مليار دولار حجم الاستثمارات التي تسعى تونس لجمعها عبر إطلاق حزمة من المشاريع

أهداف المؤتمر

تريد تونس من وراء عقد هذا المؤتمر جمع موارد مالية تقدر بنحو 60 مليار دولار من أجل إنعاش اقتصادها المتعثر عبر إطلاق حزمة من الاستثمارات المباشرة.

وتعود فكرة تنظيم المنتدى إلى حكومة الحبيب الصيد، الذي أعلن في أبريل الماضي، خلال ندوة دولية نظمتها مؤسسة “كارنيغي” للسلام الدولي عن التحضير لتنظيم مؤتمر دولي للمانحين في سبتمبر، لكن تم تأجيله.

ويتزامن تنظيم المؤتمر مع وضع اقتصادي وصفه الكثير من الخبراء بـ“الكارثي”، خاصة مع بلوغ نسبة الدين العام للدولة إلى نحو 63 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

كما مرت البلاد بفترة تذبذب كبيرة على مستوى الإنتاج في القطاعات التي تعتبر المورد الأساسي لخزينة الدولة، حيث مثّل توقف إنتاج الفوسفات في الحوض المنجمي من محافظة قفصة وتراجع صناعة السياحة وتعطل صناعة النسيج، مشكلة كبيرة للحكومات المتعاقبة في اعتماد الموازنات السابقة.

ورغم هذا الوضع، أعطت تونس، الأحد الماضي، مؤشرا قويا للمجتمع الدولي بتدشين رئيس الحكومة يوسف الشاهد مشروع “مرفأ تونس المالي”، الذي يتوقع أن يغير وجه البلاد خلال السنوات المقبلة ويجعلها أحد أبرز المراكز المالية في شمال أفريقيا.

ويهدف المؤتمر إلى تقديم المشاريع الحكومية الكبرى القابلة للإنجاز والمدرجة في مخطط التنمية 2016 - 2020، فضلا عن تقديم الأهداف المرسومة لذلك والتمويل الذي تحتاجه من شركائها لتنفيذه.

وتتمثل محاور ذلك المخطط في تعزيز الحوكمة الرشيدة والإصلاح الإداري ومكافحة الفساد، والانتقال سريعا من الاقتصاد ذي المردودية الضعيفة إلى اقتصاد ذي مردودية عالية.

عودة السياح.. مؤشر ثقة

كما تتضمن أيضا تطوير الموارد البشرية وتقليص نسبة البطالة، وتحقيق التنمية الاقتصادية المتوازنة في كافة المحافظات بطريقة عادلة.

وقال خليل العبيدي، المدير العام لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، في تصريحات سابقة إنه “سيتم تقديم نحو 140 مشروعا خلال المؤتمر في كافة القطاعات”.

وأوضح أن من تلك المشروعات 64 مشروعا في القطاع العام، إضافة إلى 43 مشروعا في القطاع الخاص و33 مشروعا يتم تنفيذها من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

وتشمل المشروعات المقترحة مجالات السياحة والبنية التحتية والطاقة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والاتصال والصحة والصناعات ذات التكنولوجيا العالية، بالإضافة إلى مشاريع تحلية المياه.

وتطمح تونس من وراء هذا الحدث الكبير إلى تأمين استثمارات قد تحقق لها بلوغ نسبة نمو بمقدار 4 بالمئة بحلول عام 2020 وما بعده، وإلى خفض نسبة البطالة من 15.5 بالمئة حاليا إلى 12 بالمئة، وخلق ما يصل إلى 400 ألف فرصة عمل جديدة.

ويشهد الاقتصاد التونسي حالة ركود كبيرة، بعد تراجع قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي انخفضت بنحو 7.6 بالمئة هذا العام، مقارنة مع سنة 2010.

كما أن نسبة عجز الموازنة بلغت 3.9 بالمئة، في حين بقيت نسبة العجز في المعاملات الجارية مرتفعة وبلغت نحو 8.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنحو 2.1 بالمئة في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي لتبلغ نحو 1.4 مليار دينار (حوالي 700 مليون دولار).

استقطاب الاستثمارات

تمكنت حكومة الشاهد من أن تنتزع مصادقة البرلمان، في سبتمبر الماضي في إقرار قانون الاستثمار الجديد (مجلة الاستثمار)، بعد أن فشلت حكومة الصيد في إقراره. ويهدف القانون بشكل أساسي إلى تحفيز الاستثمارات الأجنبية، في إطار حزمة من الإصلاحات، التي يطالب بها صندوق النقد الدولي.

وأصدرت القانون على عجل، بحسب الخبراء، تحت ضغط من صندوق النقد، حيث كان من الضروري إقراره حينها لكي يقع تسريح بقية الأقساط المتعلقة بالقروض التي تحصلت عليها تونس من الصندوق والتي تصل إلى أكثر من 3 مليارات دولار.

وينص القانون الجديد على إنشاء صندوق للاستثمار يساهم في تمويل مشاريع البنية التحتية وتمويلها لتحفيز المستثمرين على إقامة مشاريع في المناطق الداخلية.

كما يتضمن إنشاء هيئة عليا للاستثمار تكون الطرف الوحيد المخول له استقبال المستثمرين الأجانب وتسهيل الإجراءات الإدارية في مسعى للتخلص من البيروقراطية التي يعاني منها المستثمرون الأجانب.

وتراهن تونس بعد إجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية كبرى، على شركائها الاقتصاديين بشكل كبير وخاصة الأوروبيين، من أجل تنفيذ مشاريع استثمارية استراتيجية لزيادة وتيرة النمو المتدنية، بعد توفير مناخ ملائم عبر سن قوانين تشجع على الاستثمار.

ويأتي المؤتمر في وقت تواجه فيه الحكومة موجة توتر اجتماعي كبيرة في ظل تهديد الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر النقابات في البلاد، بإضراب في القطاع العام الشهر المقبل بسبب عزم الحكومة المضي قدما في تجميد الزيادات في الأجور في القطاع العام.

وشن المحامون إضرابين في شهر واحد بسبب فرض ضريبة جديدة وهددوا بإضراب يستمر ثلاثة أيام تزامنا مع مؤتمر الاستثمار احتجاجا على قانون قالوا إنه “انتقائي وظالم”. ومن المتوقع أيضا أن يتظاهر المدرسون يوم الأربعاء، أمام مقر رئيس الوزراء بسبب مطالب مادية.

ويخشى الكثيرون من أن تؤدي خطوات الحكومة التقشفية في موازنة العام المقبل إلى المزيد من تفجر الأوضاع الاجتماعية مع سعي الحكومة إلى التوصل إلى هدنة اجتماعية طويلة لتهيئة الأجواء للمستثمرين.

مواجهة التحديات

قال محللون إن المؤتمر يمثل الفرصة الأخيرة لإنقاذ الاقتصاد التونسي، لكن الحكومة رفضت ذلك وقالت إنه محطة مهمة لإنعاش النمو الاقتصادي وإنها تعمل على تنفيذ إصلاحات جوهرية لمواصلة دعم بيئة الاستثمار.

ومن بين الإصلاحات التي قامت بها حكومة الشاهد، تحقيق التوازنات المالية المطلوبة عبر إصلاح المنظومة الضريبية وتعزيز البنية التحتية من طرقات وجسور وإمدادات الكهرباء والماء لا سيما في المناطق الداخلية لدعم الاستثمار فيها.

وقبل ساعات من انعقاد المؤتمر، أصدرت ثلاث مؤسسات اقتصادية دولية تقارير، أظهرت مدى التراجع في مؤشرات الاقتصاد التونسي، لكن البعض يرى أنها لن تؤثر بشكل كبير ما دام هناك ثقة من المجتمع الدولي في عملية التحول الديمقراطي الناشئة.

وقال الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، إن التقارير أظهرت أن “تونس تقهقرت بنحو 62 مرتبة في تقرير التنافسية وفي ما يتعلق بمناخ الأعمال منذ عام 2011”.

وأضاف أن “تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2017 الصادر مؤخرا أظهر تراجعا بمرتبتين مقارنة بالعام الماضي، وهو تقرير يقيس عددا من الإجراءات الإدارية.. نحن مصنفون في ترتيب سيء مقارنة بمنافسينا على مستوى جلب الاستثمارات الأجنبية”.

ويقيس تقرير ممارسة أنشطة الأعمال، وهو تقرير سنوي يصدر عن البنك الدولي، ويبحـث فـي اقتصـادات 190 دولـة حـول العالم، مجالات التقدم أو التراجع في 10 بنود تظهر التطـور أو التـراجع في أنشطـة أعمـالها.

وأضاف الشكندالي أن التقرير الثالث الصادر عن وكالة موديز للتصنيف الائتماني خفض تصنيف تونس من مستقرة إلى سلبية.

وأشار إلى مؤشر آخر يجعل من توقيت المنتدى غير مناسب، وهو أن “أول موازنة عامة لحكومة يوسف الشاهد وهي موازنة العام المقبل، أدت إلى احتقان كبير مع كل الأطراف كالمحامين والأطباء ونقابات العمال وأرباب العمل”.

ورغم ذلك، فإن تونس تنتظر مفاجأة سارة من طرف قطر لتحويل الوديعة المؤجلة بقيمة 500 مليون دولار، إلى استثمارات أجنبية مباشرة، وربما تكون هذه المبادرة القطرية حافزا لمبادرات أخرى لبعض الدول، وتساعد على تخفيف الدين الخارجي بالنسبة إلى تونس.

11