مؤتمر التنوع الديني: نحو إطار عملي لإرساء التسامح في العالم العربي

في هذه المرحلة التي تمر بها المنطقة والعالم، المشوبة بانتشار التطرف الديني وتعبيراته المختلفة، يصبح طرح الأسئلة الفكرية والدينية والحضارية العاجلة أكثر من ترف فكري، بل هو من قبيل الضرورة الحتمية، لإبعاد السرديات المتطرفة التي تزود الإرهاب بأدواته الفكرية، وأول الأسئلة يتصل بإمكانية الحديث، اليوم، عن التعددية والتسامح والتماسك الاجتماعي، وبكيفية تحويل التنوع الديني إلى أرضية لتماسك المجتمع لا لتناحره. أسئلة كثيرة ومتداخلة كانت محور مؤتمر دولي انطلق، الثلاثاء، في عمان بالأردن.
الخميس 2016/11/03
ضرورة مأسسة التعددية ودور المؤسسة الدينية

عمّان – انطلقت، الثلاثاء، فعاليات أعمال مؤتمر “التنوع الديني: التعددية والتسامح والتماسك الاجتماعي في المنطقة العربية”، الذي ينظمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات.

المؤتمر الذي يهدف إلى احترام التعددية والتسامح والتماسك الاجتماعي، في ضوء المواطنة المشتركة، استضاف إلى أشغاله أكثر من مئة مشارك ومشاركة من 25 دولة على مدى يومين متتاليين.

وناقش المشاركون الدور المحوري للقيادات والمؤسسات الدينية في تعزيز التعددية والتسامح والتماسك الاجتماعي، ضمن نطاق برنامج عمل إقليمي يأخذ بالاعتبار أولويات وحاجات مجتمعات المنطقة العربية، ويسعى إلى فتح قنوات التواصل والتشارك بين فئات المجتمع.

وقال وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني وائل عربيات، في افتتاح المؤتمر، “إن الدولة المدنية موجودة منذ بداية الإسلام، حيثُ كانت المدينة المنورة أساسا لها، إذ اجتمع فيها الناس من أعراق وأديان متعددة، وإن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام أسس وثيقة ودستورا مكتوبا أنهى جدلية الصراع الديني”.

عربيات أشار إلى أن البشرية بحاجة إلى ثلاثة محاور أساسية، هي: الغنى المادي والرفاه الروحي والأمن البيولوجي، لتتمكن من الاستمرارية بالعيش، وأكد أن هذه المحاور تتحقق بالحوار الإيجابي الحقيقي الذي يعتمد على تبادل المنتجات الحضارية.

وأوضح “أن التعددية هي سنة الكون؛ فلا يستطيع أحد من البشرية العيش بمفرده أو دون تعاون مع الغير، فالفرد بحاجة للانتفاع من علم وقوة وصلاحيات الآخرين في حياته”، مشيرا إلى أن التعددية والتعامل مع الآخرين يعطيان الجمالية للكون، وأن الحوار بين الجميع يمنع البشرية من الصدام الذي يعود على الجميع بالخسارة.

الدولة المدنية موجودة منذ بداية الإسلام، حيث كانت المدينة المنورة أساسا لها، إذ اجتمع فيها الناس من أعراق وأديان متعددة

المديرة القطرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المملكة، ورئيسة مكتب دعم المكاتب القطرية في المكتب الإقليمي للمنطقة العربية في البرنامج، زينا علي أحمد، قالت في كلمتها التي تلتها في الفعالية “إن أهمية الحوار تكمن من خلال خلق مساحة من التفكير يعنى بها الجميع”.

وأضافت، “إن البرنامج أدرك بالممارسة من خلال عمله في 17 دولة عربية، أننا نظلم تاريخنا وإرثنا إن لم نعمل على نبذ السرديات المتطرفة التي تختصر بها منطقتنا”، معربة عن أملها في أن يكون الغد أفضل من الحاضر بسبب التزام العديد من الشركاء المؤثرين بالتغيير، بالرغم من الصراعات التي تهدد الإرث التاريخي والنسيج الاجتماعي والثقافي، الذي هو أساس تماسك الشعوب.

وأكدت أحمد أن المؤتمر الحواري يهدف إلى التفكير بأجندة إقليمية جامعة تشتمل على إطار عملي يصبو إلى إرساء التعددية والتسامح في العالم العربي، فضلا عن تحديد الأولويات لأربعة محاور، هي: الحاجة إلى جهد بحثي لبناء تراكم معرفي جديد، وتنسيق الجهود وتبادل الخبرات، وتحديد أدوات التدريب المتاحة، وأخيرا أهمية دور المرأة في تفعيل مقاربة جديدة لمناقشات التنوع الديني.

ومن جانبه قال كبير مستشاري مركز الحوار العالمي محمد أبونمر “نحن نعمل من خلال شراكاتنا المحلية والدولية للحفاظ على التنوع الديني والثقافي في ضوء المواطنة المشتركة، بهدف توفير منصات تسهم في إحداث تغيير إيجابي لدعم وتعميق مفهوم المواطنة المشتركة وترسيخ التعايش السلمي، وقيم الحوار والتفاهم والتعاون بين أتباع الأديان والثقافات المتنوعة”.

وأوضح أن المركز يدعم الأمم المتحدة للوصول إلى غايتها السامية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال عدد من المشاريع ينفذها بالشراكة مع منظمات الأمم المتحدة المختلفة، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) ومكتب الأمم المتحدة ضد الإبادة الجماعية.

ودعا أبونمر إلى اتباع نهج شامل لمواجهة التحديات المعاصرة من خلال مشاركة القيادات والمؤسسات الدينية، إلى جانب صانعي القرار ومكونات المجتمع كافة، إيمانا من مساهمة القيادات الدينية بإيجاد حلول مستدامة للسلام والتعايش السلمي.

ومن جهته قال السفير الياباني لدى المملكة الأردنية سوئيتشي ساكوراي، إن بلاده تولي أهمية كبيرة لعلاقتها مع الأردن، نظرا لدوره الكبير في تثبيت دعائم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وسط إقليم ملتهب في ظل الظروف الصعبة.

وأوضح أن اليابان تواصل جهودها المبذولة في مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع المجتمع الدولي، مشيرا إلى أن بلاده أعلنت عن ثلاث دعائم لسياستها في الاستجابة الخارجية، وهي: تعزيز إجراءات مكافحة الإرهاب، وتعزيز الدبلوماسية الخاصة بتوطيد الاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط، والمساعدة في إيجاد مجتمعات تنبذ العنف.

ألكسندر زويف: إن تزايد التطرف العنيف الذي يؤدي إلى صعود الإرهاب في العالم أجمع، وبالأخص العالم العربي، يمثل تحديا عالميا

وقال مدير البرنامج العالمي والمستشار الخاص لمكافحة التطرف العنيف في “البرنامج الإنمائي”، ألكسندر زويف إن تزايد التطرف العنيف الذي يؤدي إلى صعود الإرهاب في العالم أجمع، وبالأخص العالم العربي، يمثل تحديا عالميا ويحتاج إلى مواجهة بمختلف التدابير السياسية والقانونية والأمنية. وأشار إلى أن بناء مجتمعات يسود فيها التسامح وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، يشكل حجر الأساس في الاستقرار والتنمية المستدامة الناجحة.

وتطرق زويف إلى الحديث عن أجندة العمل التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومواجهة سياسة التطرف، وعن دور الأردن في صياغة أجندة عالمية لمواجهة التطرف ودور التعليم والتربية ودور المرأة كشريك.

يذكر أن الأزهر الشريف حضر في المؤتمر، ممثلا في المنسق العام لمرصد الأزهر الشريف، محمد عبدالفضيل، الذي أكد خلال تصريح أدلى به على هامش مشاركته في اللقاء، أنه لا مناص من الدفع بالشباب في إطار الحوار الديني وإشراكهم في منصة الحوار، وترسيخ دور الحوار الديني في أذهانهم.

وقال عبدالفضيل، إن الأزهر الشريف بدأ في التركيز على الشباب والدفع بمشاركتهم في لقاءات الحوار الديني بشكل فعال وعلى منصة الحوار، بعدما كان الأمر مقتصرا على نمط الحوار التقليدي الذي كان يتم بين القيادات والأساتذة الجامعيين، داعيا المؤسسات المعنية في مصر والعالم العربي إلى تفعيل دور الشباب في الحوار من خلال المنتديات الشبابية بين المسلمين والمسيحيين.

وأوضح أن مشاركته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، تركزت على الحديث عن دور الأزهر الشريف، خاصة في السنوات الأخيرة، في ما يخص تجديد الخطاب الديني وتفعيل الحوار الإسلامي – المسيحي في مصر، وعلى المستوى الإقليمي والدولي، وكذلك جهود قطاع المعاهد الأزهرية وأيضا جامعة الأزهر في تجديد المناهج الدراسية.

وقال “يجب أن نتحدث عن الآخر وليس الكافر، وعن المواطنة وليس عن أهل الذمة، وما إلى ذلك من مفاهيم يجب أن ننسق لها فى تجديد الخطاب الديني قبل أن يستهلك هذا المفهوم وينفر الناس منه”.

13