مؤتمر الحزب الحاكم في الجزائر يزيح نهائيا المعارضة الداخلية

نجح عمار سعداني بدعم مباشر من الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في إزاحة المناوئين له، وبات هو المتحكم بمفاصل قرار حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، وسط استشرافات بأن هذا المؤتمر سيكون نقطة انطلاق لإعادة ترتيب المشهد السياسي بالبلاد.
الأحد 2015/05/31
مقاطعة المناوئين تفسح المجال أمام سعداني للهيمنة على جبهة التحرير

الجزائر- انتهى المؤتمر العاشر لحزب جبهة التحرير الجزائرية، المنعقد من 28 إلى 30 من الشهر الجاري، بتزكية عمار سعداني أمينا عاما وناطقا رسميا للحزب للخمس سنوات القادمة، وتزكية أعضاء اللجنة المركزية، ووضع قانون أساسي جديد يكرّس هيمنة الرجل الأول في الحزب على كل الصلاحيات، ويسد كل الفراغات التي شكلت مصدر صداع لقيادة الحزب إلى غاية عشية انعقاد المؤتمر.

وكما كان مسطرا له أزيحت كل الوجوه والرموز المناوئة من هياكل الحزب، بشكل يضمن الاستقرار في صفوفه إلى غاية المؤتمر القادم، ويسمح للسلطة بتوظيفه بشكل مرن وطيع لتنفيذ مخططاتها المستقبلية، لا سيما في ظل الحديث الدائر عن رغبة جامحة للسلطة، في إحداث تغيير على واجهتها قريبا، بشكل يضمن الخروج الآمن لبوتفليقة وضمان استمرارها في آن واحد، بعد الانسداد الذي قادته إليه العهدة الرئاسية الرابعة.

ويقول مراقبون إن المناوئين لعمار سعداني، ارتكبوا خطأ سياسيا فادحا بمقاطعتهم للمؤتمر، لأن غيابهم سمح لقيادة الحزب بتمرير قراراتها بمرونة كبيرة، مع المؤتمرين الذين تم اختيارهم بعناية شديدة، حيث لم يلحظ الحضور أي صوت معارض.

ويضيف هؤلاء أن حضور المعارضين في أعضاء اللجنة المركزية ونواب البرلمان الذين يفوق عددهم 200 بين الهيئتين، كان بالإمكان أن يحرج قيادة المؤتمر أمام ضيوفها من السلك الديبلوماسي والمدعوين من الضيوف الأجانب والمحليين ووسائل الإعلام، وكان بإمكانهم وضع العصا في العجلة ويبقي صوتهم مثيرا ولافتا، حتى ولو تمكن سعداني من تمرير ما يريد بسبب الأغلبية المؤيدة له داخل القاعة.

وعزا المراقبون مقاطعة المعارضين لسعداني (جناحي بلعياط وبلخادم) إلى الوسيط الذي أوفدته مؤسسة الرئاسة للتوسط بين الطرفين أياما قبل موعد المؤتمر، والذي يبدو أن آتى أكله بمقاطعة الجناحين، وعدم إيفاد أنصارهم لمحيط القاعة للدفاع عن رؤيتهم والتنديد بسياسة الرجل الأول في الحزب، والأمر برأي العارفين ليس عصيا على الوسيط الرئاسي، بما أن الأمر يتعلق بلواء متقاعد من جهاز الاستخبارات، يملك كل تفاصيل الحراك داخل الحزب الحاكم، وهو اللواء بشير طرطاق الذي التحق برئاسة الجمهورية العام المنصرم كمستشار أمني لرئيس الجمهورية.

المؤتمر العاشر للحزب الحاكم يمنح سعداني صلاحيات جديدة تخوله استدعاء هيئة اللجنة المركزية للاجتماع، وتسمية المحافظين مسؤولي الحزب على مستوى المحافظات

ويرى متابعون أن “دفن” قطاع عريض ممن كانوا يوصفون بـ”الحرس القديم”، ليس بغريب عن طقوس وممارسات حزب جبهة التحرير الجزائرية، فقد ينتهي بهم الأمر في زوايا الظل، كما انتهى بقيادات ورموز سابقة، على غرار أمناء عامين سابقين كمحمد الصالح يحياوي، بوعلام بن حمودة، علي بن فليس، وقبله عبدالحميد مهري، الذي كان يوصف بـ “كبير الحوت السياسي”.

ويبقى التساؤل المطروح حول سر تفريط الرئيس بوتفليقة في عدد من الوجوه التي ظلت إلى وقت قريب توصف بـ”المقربة” أو “المحيط”، كالوزير والمستشار والأمين العام السابق عبدالعزيز بلخادم، بعد رسالته المؤيدة والمنحازة بوضوح لجناح سعداني، وإشادته بدوره وقيادته فيما أسماه “ترقية الحزب وتحقيق التناسق والانسجام في صفوفه”.

وإن التبست رسالة بوتفليقة للمؤتمر بالغموض كما التبست رسائله السابقة في عدد من المناسبات، لا سيما وأنه شخصية معروفة بنرجسيتها التي تهوى جعل الناس تدور حولها وتوظيفها لمحيطها بمنظور الحساب الرياضي في عد الأصوات وليس الانحياز لصالح هذا ضد ذاك، فإن الرسالة تبقى محسوبة عليه وحتى ولو كان محررها من يقرر في الخفاء بالنيابة عنه، وأن العبرة في النتائج التي أنهت جيل الحرس القديم من هيئات الحزب، وسدت كل المنافذ في وجه المعارضين.

ومنح القانون الأساسي الجديد للحزب، بعد الاختيار الدقيق للجنة المركزية الجديدة، صلاحيات جديدة للأمين العام عمار سعداني، تخوله استدعاء هيئة اللجنة المركزية للاجتماع، وليس كما كان سابقا “بناء على دعوة من الأمين العام أو بطلب من ثلثي الأعضاء”، وتسمية المحافظين (مسؤولي الحزب على مستوى المحافظات)، بينما كانوا في السابق ينتخبون، وتسمية رئيس الكتلة البرلمانية بعدما كان في السابق ينتخب من طرف النواب.

وكان مؤتمر الحزب قد سمّى الرئيس بوتفليقة رئيسا للحزب، بعدما كان رئيسا شرفيا منذ العام 2005 ، ودون توضيحات أخرى حول دور وصلاحيات رئيس الحزب، فإن الخطوة شكلت أحد تجليات انحيازات الرئيس لجناح على حساب آخر، وهو الذي لم يظهر له أثر على “صراعات الأجنحة” منذ 2012 ، كما أنها تمثل تناقضا صارخا بين مضمون رسالته القائلة بـ”عدم التحزب لأنه رئيس كل الجزائريين”، وبين تنصيبه رئيسا لأكبر حزب في البلاد.

غياب المعارضين سمح لقيادة الحزب بتمرير قراراتها بمرونة كبيرة مع المؤتمرين الذين تم اختيارهم بعناية شديدة

وكان الرئيس بوتفليقة قد أشاد في رسالته التي قرأها وزير العلاقات مع البرلمان الجديد والقيادي في الحزب طاهر خاوة، بالقيادة الحالية للحزب وبدورها في “تحقيق التلاحم والتناسق في جبهة التحرير الوطني، والذهاب بها إلى مؤتمر التجديد والتشبيب، استجابة لتحديات المرحلة”، وهو ما اعتبر تزكية ودعما مباشرا لعمار سعداني، على حساب المعارضين والرموز الذين كانوا يعولون على حياد بوتفليقة، وعلى تدخله للتحكيم بينهم وبين جناح سعداني.

وأضاف بوتفليقة للمؤتمرين “أنا مرتاح لما حققه الحزب وعقد المؤتمر العاشر في جو من الوحدة والتلاحم، والذهاب نحو التجديد والتشبيب (شعار المؤتمر)، من أجل تعميق الديمقراطية والانتشار في صفوف المجتمع، وأنا واثق في القيادة التي سيفرزها المؤتمر في جعله حزبا رائدا في الساحة الوطنية، ومدرسة تستلهم منها الطبقة السياسية، والتواجد دوما في مقدمة القوى الفاعلة”.

ورافع سعداني في خطابه للمؤتمرين عن الانسجام والتناغم بين قيادة الحزب والرئيس بوتفليقة بالقول “جبهة التحرير في خدمة الرئيس، تدعم الرئيس وتساند برنامج الرئيس″، وعاد للحديث عن أفكار الحزب للمرحلة المقبلة، والمتعلقة بـ”مدنية الدولة والفصل بين السلطات، وتعزيز دور وصلاحيات المؤسسات المنتخبة، ودعم الأمن الوطني وتعديل الدستور”.

وكشف سعداني عن تقدم حزبه للجنة المشاورات السياسية بـ32 مقترحا لتعديل الدستور القادم، يأتي على رأسها دسترة الأمازيغية كلغة وطنية وعدم حل الأحزاب والجمعيات إلا بقرار من العدالة، ودسترة الحقوق السياسية للمعارضة، والعودة إلى نظام العهدتين فقط لمنصب رئيس الجمهورية، إلى جانب تسمية رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية، وتحويل هيئة المجلس الدستوري إلى مجلس القضاء الدستوري، وتوسيع صلاحيات ودور الغرفة الأولى للبرلمان.

وإن اعترف سعداني بحالة الانشقاقات التي تعصف بالحزب، فإنه اكتفى بالدعوة لتوحيد الصفوف، ونبذ سياسة الإقصاء والتهميش، دون أن يقدم آليات معينة أو وعودا بتلبية مطالب المعارضين، وذكر بأن المؤتمر يرمي لتحقيق عشرة أهداف، يأتي على رأسها استقطاب الغاضبين والمنسحبين من الحزب، والذهاب نحو بعث تحالف سياسي لأحزاب السلطة، والانفتاح على الطبقة السياسية المحلية، والقوى والفعاليات الإقليمية والدولية، لأداء دور ديبلوماسي داعم لجهود وزارة الخارجية.

2