مؤتمر العائلة في لبنان يرفض الإرهاب ويعلي قيمة العيش المشترك

الثلاثاء 2014/11/11
مؤتمر العائلة جمع بين ثلة من السياسيين ورجال الدين اللبنانيين من أجل إذابة الخلافات وتوحيد الكلمة في التصدي للإرهاب

بيروت - التسامح الذي عرف به لبنان، والذي جعل البابا الراحل يوحنا بولس الثاني يسميه بـ”لبنان الرسالة”، لم يكن وليد الأمس القريب بل هو ضارب في القدم والعراقة. لبنان بعمقه الحضاري وسماحة شعبه لم يتوقف يوما عن تقديم الأمل بل مازال يتحدّى كلّ الأخطار المحدقة بتعايش أهله في منطقة أضنتها الصراعات، وها هو اليوم يقدم المثال مجددا في إطار “مؤتمر العائلة” الذي جمع صورة لبنان الحقيقي في قمة روحية معبّرة بين مسلميه ومسيحييه وعدد من طوائفه الأخرى.

في هذا الإطار، قال رئيس مجلس الوزراء اللبناني تمّام سلام، نهاية الأسبوع الماضي، إنّ التعايش بين أتباع الديانات يتعرض لاعتداء مزدوج: قديم وحديث يتمثل في الحركة الصهيونية والموجة التكفيرية.

جاء ذلك في كلمة له ألقاها خلال مؤتمر “العائلة وتحديات العصر في الشرق الأوسط”، الذي عقد في “المركز العالمي لحوار الحضارات -لقاء”، في منطقة الربوة في جبل لبنان، بمشاركة رؤساء الكنائس الشرقية والطوائف الإسلامية المختلفة.

وفي ذات السياق، أضاف سلام “أنّ التعايش المديد بين أتباع الديانات في هذه المنطقة من العالم، التي هي مهد الحضارات ومنبع الرسالات السماوية، يتعرض لاعتداء مزدوج؛ واحد قديم، وآخر مستجد”، موضحا بالقول: “أما القديم، فهو ذلك الذي مورس منذ بدايات القرن العشرين، وأدى إلى طمس نموذج من العيش الهانئ والمشترك، بين المسلمين والمسيحيين واليهود على أرض فلسطين، حيث أقامت الحركة الصهيونية دولة دينية عنصرية، مارست ولا تزال، أبشع أنواع الاضطهاد في حق المسلمين والمسيحيين”.

وتابع سلام إنّ “النموذج المستجد، الذي لا يقل سوءا عن النموذج الصهيوني، هو هذا الزحف المشؤوم للموجة الظلامية التكفيرية التي ترفع راية الإسلام، وإسلامنا منها براء، لتخرب المجتمعات، وتضرب التعايش بين أتباع الديانات المختلفة، عبر استهداف الإسلام والمسلمين أولا، ومن ثم تهجير المسيحيين والإيزيديين وغيرهم من الأقليات الدينية والعرقية من مدنهم وقراهم في العراق وسوريا”.

عبداللطيف دريان: نحن أمام ظاهرة سلبية مدمرة تستهدف المسلمين والمسيحيين

يذكر أنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف إعلاميا باسم “داعش” كان قد سيطر منذ أشهر على قطاع واسع من الأراضي العراقية والسورية، وعمد على إثر سيطرته تلك إلى ترحيل الآلاف من المسيحيين والإيزيديّين وغيرهم من الطوائف، بعد أن فرض عليهم سطوته وخيّرهم بين التخلي عن دياناتهم ومذاهبهم والهجرة من أراضيهم أو القتل. ومن جهتها فقد نددت منظمات إسلامية عدّة بهذه الممارسات التي لا تمتّ بصلة لمبادئ الإسلام السمحة وجوهره الحاث على إعلاء قيم التسامح والتحابب والتعايش بين البشر عموما. كما شدد رجال دين مسلمون في كافة أنحاء العالم على أنّ هذه الممارسات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم داعش في العراق وسوريا لا علاقة لها بالدين الإسلامي بل هي تسعى إلى تشويهه والانزياح به عن أصوله. من جهة أخرى، جدّد سلام دعوته إلى المسلمين اللبنانيين والعرب، “للعمل على تنقية صفوفهم وتثبيت إسلامهم المعتدل والمنفتح، وعلى العمل بكل ما أوتوا من جهد من أجل تثبيت المسيحيين في أرضهم، حرصا على وجودهم ودورهم في مجتمعاتهم، بعيدا عن الانغلاق على الذات أو الشعور بالخوف والإحباط”.

كما وجه “دعوة إلى المسيحيين اللبنانيين والعرب كذلك، من أجل الانخراط الكامل في رسم مصائر مجتمعاتهم وأوطانهم، في هذه المرحلة التاريخية الصعبة، التي تمر بها هذه الأوطان. فمثلما كانت لهم دائما مساهمة أساسية في صنع تاريخ المنطقة، هم مدعوون اليوم إلى تقديم مساهمة أساسية في صنع حاضرها ومستقبلها”.

وفي سياق متصل أشار رئيس مجلس الوزراء اللبناني إلى أنّ “المسيحيين مطالبون بالتمسك بممارسة عقيدتهم، والقيام بواجباتهم الوطنية كاملة، وبعدم الاستنكاف عن لعب أدوارهم الفاعلة، بالتساوي الكامل مع إخوانهم المسلمين في كلّ الحقوق، كما في المسؤولية الوطنية”، مشدّدا على أنّ “المسيحيين ليسوا جاليات أجنبية في هذا الشرق. بل هم أهله وجزء أساسي من الضوء المشع في جبينه”، مضيفا بالقول: “لا يجوز التعامل معهم على أن حضورهم طارئ، كما لا يجوز لهم بدورهم التصرف على أن وجودهم مؤقّت”. من جهته، تناول مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان “مواجهة ثنائية التطرف والإرهاب، وثنائية الظلم والاستبداد”. وقال: “نحن أمام ظاهرة سلبية مدمرة لا تستهدف المسيحيين وحدهم، لكنها تستهدف المسلمين والمسيحيين معا. وذلك من خلال استهدافها الإنسان في حقوقه المقدسة، والمواطن في كرامته الإنسانية. إن هذه الظاهرة الطارئة على مجتمعنا وعلى ثقافتنا وأدياننا، لا تطعن العلاقات الإسلامية – المسيحية فقط، ولكنها تطعن صميم الإسلام الذي ترتكب باسمه جرائمها ضد الإنسانية”. وأشار إلى أن المسيحيين هم ملح هذه الأرض وعليهم أن يتشبثوا ببقائهم”.

أما رئيس طائفة الموحدين الدروز، نعيم حسن، فقد أعلن رفض “كل الخطابات الدينية التي تحول الدين إلى نزاعات”. ودعا اللبنانيين إلى الحفاظ على بيتهم المشترك. ورأى أن وثيقة الأزهر، “انطلاقة رائدة وبالغة الأهمية في هذا الإطار. إذ تتحدد فيها خطوط العلاقات بين الفرد وخالقه من ناحية، وبين الفرد ومجتمعه من ناحية أخرى على قاعدة المثل الإنسانية الكبرى”.

وبدوره، رأى بطريرك بابل على الكلدان مار لويس روفائيل ساكو أن “العائلة تتعرض لضغوط عالمية وإقليمية قوية دفعت العديد من الأسر المسيحية الشرقية إلى التشتت والهجرة إلى الغرب بحثا عن الاستقرار”. كما تحدث عن العائلات العراقية التي هجرت “لأنها مسيحية واختارت الله بإيمان لا يقبل المساومة”، مؤكدا أنّ يد الإرهاب لا تستثني أحدا ولذلك وجب التكاتف للتصدي لهذه الظاهرة.

13