مؤتمر القمة

الأربعاء 2017/10/18

ينتمي رئيس جمهورية الأرجنتين الذي انتخب حديثا إلى أصول عمالية، وقد أصبح أولا رئيس بلدية ثم صعد بسرعة وانتخب رئيسا للجمهورية طبقا لبرنامج إصلاحات يساري، ولكن دون أن تكون له أي خبرة سياسية سابقة، إنه يبدو ضعيفا تماما وسط مساعديه المجتمعين معه في قاعة اجتماعات داخل الطائرة الرئاسية الأسطورية التي يركبها الآن مع مرافقيه: نائبه ورئيس حكومته ووزير خارجيته ومستشاروه السياسيون.

هذا الوفد الرسمي الأرجنتيني في طريقه إلى شيلي للمشاركة في مؤتمر قمة قادة أميركا اللاتينية، لبحث تكوين كيان يجمع بلدان القارة على غرار منظمة “أوبك”، لكي يتحكم في ثروات القارة النفطية ويواجه هيمنة واشنطن.

مشكلة مفاجئة يواجهها الرئيس عندما تأتيه أنباء عن تهديدات صدرت عن زوج ابنته السابق بالكشف عن فضائح مالية خافية، مما يهدّد بتدمير مستقبله السياسي، فيأمر الرئيس مساعدته بالاتصال بابنته لكي تلحق به في شيلي على الفور.

تهبط الطائرة، ويتوجه الوفد بالسيارات إلى فندق فخم يقع على قمة أحد جبال الانديز المغطاة بالثلوج، يقبل الرئيس على مضض عقد اجتماع مع الرئيس المكسيكي الذي يحاول التنسيق معه لمواجهة خطط الرئيس البرازيلي المتشدد الذي يناهض السياسة الأميركية، لكنه لا يمكنه أن يتخلى عن حليفه البرازيلي الذي ترتبط الأرجنتين معها في تحالف يعارض سياسات واشنطن في القارة. تحضر ابنته مضطربة مشوشة، تنفي بشدة التورط في أي تجاوزات، يختلي الرئيس بمساعدته الشابة، فهو على علاقة خاصة معها، يستبد اليأس والاكتئاب بالابنة فتلقي بنفسها من النافذة قصد الانتحار، تسقط فوق الثلوج، فتصاب إصابات خفيفة ثم تمتنع تماما عن الحديث.

يقترح المسؤولون في حكومة شيلي إرسال طبيب نفسي شهير لفحص ابنة رئيس الأرجنتين، يحضر الطبيب بالفعل، يراقبه الرئيس ومساعدته عن كثب وهو يوجه إليها الأسئلة. يطلب الاختلاء بالمريضة، لكن طلبه يقابل بالرفض الشديد فلا بد من وجود الأب ومساعدته، لا بأس إذن.

يقوم الطبيب باستخدام طريقة التنويم المغناطيسي إحدى وسائل الطب النفسي القديمة حتى يستطيع التسلل إلى أعماق مريضته التي تبدأ في الاستجابة له، ثم تستعيد من شبابها المبكر أشياء تفصح عن جرائم ارتكبها والدها، وكيف أنه كان وراء قتل حبيبها الأول. يصرخ الرئيس “كذب.. هذا كذب.. لم يحدث”. تنتهي جلسة التنويم وتنهض الابنة وهي تصرخ في وجه أبيها “قاتل.. قاتل”، ويأمر الرئيس بترحيلها إلى الأرجنتين.

يأتي مساعد الرئيس يخبره باتصال من السفارة الأميركية، هناك مبعوث للحكومة الأميركية يرغب في عقد اجتماع خاص سري تماما، يتردد الرجل.. يحتار.. ما خطب الأميركيين؟ ماذا يريدون منه؟ وماذا يحدث إذا علم حليفه البرازيلي بهذا الاجتماع؟

لكنه يحسم أمره ويذهب إلى العاصمة سانتياغو، يجتمع بالمندوب الأميركي الذي يعرض عليه مليون دولار لحسابه الشخصي مع تعهدات بمساعدات اقتصادية لبلاده، مقابل التصويت على اقتراح من المكسيك، بقبول كل الدول اللاتينية في المنظمة المزمع تكوينها، وبالتالي يمكن ضم دول أميركا الوسطى حليفة أميركا، وهي خطوة لا يمكن للرئيس البرازيلي معارضتها، وبعد ذلك يمكن معالجة الموقف بحيث يصبح للولايات المتحدة دور في التحكم في عمل المنظمة. يتردد صاحبنا في البداية، ثم يطلب خمسة ملايين دولار، وينتهي الأمر بالاتفاق على ثلاثة ملايين دولار!

هذا ما يصوره الفيلم الأرجنتيني البديع “مؤتمر القمة” The Summit، بعد أن شاهدته تساءلت “ماذا يمكن أن يحدث لو أنتج فيلم مثله في بلادنا؟ فإذا كان مجرد هتاف للمتظاهرين في فيلم ما أدى إلى منع عرضه ومنع مخرجه من العمل، فماذا يحدث لو تجرأ مخرج وصنع فيلما كهذا؟”.

حكمت الدكتاتورية العسكرية الأرجنتين لمدة 7 سنوات من 1976 إلى 1983، وبما أن لكل شيء نهاية فقد انتهى الحكم الدكتاتوري، وعادت الديمقراطية إلى الأرجنتين، وعاد كل أبنائها الذين فروا من الاضطهاد إلى الخارج، ولا تخشى الديمقراطية بالطبع من فيلم كهذا، فمتى كانت الأفلام تمثل تهديدا لأي نظام؟

ناقد سينمائي مصري

16