مؤتمر بتونس: لا أفق للتغيير في العراق عبر صناديق الاقتراع

الانتخابات التي تجرى في العراق جزء من العملية السياسية التي أطلقها الاحتلال وما تزال تحمل تشوّهات مؤثّرة بعمق في خلق الواقع العراقي المتردّي.
السبت 2018/05/12
لا أمل في التغيير

الحمامات (تونس) - سجّل حدث إجراء أوّل انتخابات برلمانية في العراق بعد حرب داعش، حضوره في مؤتمر نظّمته نخب عراقية في مدينة الحمامات التونسية، بحضور شخصيات دولية، وخُصّص لتدارس أوضاع العراق بعد 15 سنة على احتلاله من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، وتغيير نظامه بالقوّة.

ورغم اتّساع دائرة المواضيع التي تدارسها الباحثون والأكاديميون المشاركون في المؤتمر الذي “نظّمه المنتدى العراقي للنخب والكفاءات”، تحت عنوان “العراق 15 سنة بعد الاحتلال”، فقد فرض الحدث الانتخابي نفسه على اعتبار الانتخابات التي تجرى في العراق جزءا من العملية السياسية التي أطلقها الاحتلال وما تزال تحمل تشوّهات مؤثّرة بعمق في خلق الواقع العراقي المتردّي على مختلف المستويات.

وذهبت تحليلات أغلب المشاركين في المؤتمر نحو التقليل من إمكانية أن تحدث الانتخابات أي تغيير في الواقع العراقي باستثناء تكريسها لسيطرة طبقة سياسية ثبت فسادها وفشلها في إدارة الشأن العام.

ووصف ديريك أندرسن عضو مركز جنيف الدولي للعدالة، الذي حلّ ضيفا على مؤتمر الحمّامات، الانتخابات العراقية بغير الشرعية لاستنادها على دستور طائفي.

وقال في تصريح لـ”العرب” إنّه “يتوجّب على العراقيين التجمع من جديد رغم اختلافاتهم الفكرية والدينية لإنقاذ بلدهم من سطوة حكومات لا همّ لها سوى خدمة مصالح دول أجنبية”.

واعتبر صباح المختار نائب الأمين العام للمنتدى العراقي للنخب والكفاءات، أنّ العراق يُحكم منذ الغزو الأميركي في عام 2003 بدستور طائفي لا يمتّ بصلة لحقيقة تطلعات العراقيين بمختلف توجّهاتهم.

وشرح في تصريح لـ”العرب” أن الدستور العراقي الذي تجرى بمقتضاه الانتخابات الحالية أشبه بالعنصري باعتبار أن كل بنوده تحاول محو العرق العربي من ذاكرة البلد السياسية باقتصاره على تقسيم السلطات بين الشيعة والسنّة والأكراد.

محمد مظفر الأدهمي: أغلب المتنافسين في الانتخابات مساهمون في تخلف العراق
محمد مظفر الأدهمي: أغلب المتنافسين في الانتخابات مساهمون في تخلف العراق

واتهم المختار الطبقة السياسة التي حكمت العراق منذ 2003 بالضلوع في الفساد والرشوة، قائلا “كيف للعراقيين ان يثقوا مجدّدا بساسة بلدهم.. أليس من الغريب أن يعترف مسؤول حكومي على الملأ بأن رئيس البرلمان عرض عليه رشوة، ولا تحرك السلطات والقضاء ساكنا”.

وشدّد على أن الانتخابات لن تغيّر الواقع التعيس الذي يعيشه العراق، داعيا إلى وجوب إيجاد حلول تأتي من الداخل وليس بأوامر خارجية، لتخليص العراق من براثن الفساد الذي نخر الدولة العراقية طيلة خمسة عشر عاما تلت الغزو الأميركي.

وقال مايك باورز رئيس جمعية التضامن السويدية العراقية لـ”العرب” إن العراق تعرّض لعمليات تخريب ممنهجة استهدفت أهم مرتكزات البلد القائمة على الكفاءات والأدمغة وخاصة في قطاعي التعليم والثقافة والبحث العلمي.

وأضاف أن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 تتحمّل مسؤولية تقهقر كل القطاعات الحيوية في البلد وفي مقدّمتها التعليم والصحة، مشيرا إلى أنّه جرى بعد السنة المذكورة تهجير ممنهج وتصفية جسدية للكفاءات والأدمغة العراقية التي بإمكانها إصلاح الوضع.

وتساءل يعرب الدوري رئيس لجنة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي بمنتدى الكفاءات والنخب عن مبرّر تفاؤل البعض بالانتخابات “والحال أن المرافق والقطاعات الحيوية باتت متخلّفة وعاجزة عن إنتاج كفاءات أو فكر يكون قادرا على رسم مستقبل أفضل”.

وقال لـ”العرب” إنّ كل الوجوه السياسية المشاركة في الانتخابات البرلمانية لا تملك أي تصوّرات لإحياء أهم مقومات العراق، مستدركا بالقول “بل إن كل مكوّنات الطبقة السياسية الحالية استهدفت بطريقة ممنهجة ضرب التعليم والبحث العلمي في البلد”.

وانتقد المناهج التعليمية التي صاغتها سلطات ما بعد الاحتلال، واصفا إياها بالتخريبية والعنصرية والمساهمة في إنتاج أجيال عراقية طائفية عنيفة وحاقدة.

وربط محمّد مظفّر الأدهمي، رئيس لجنة الثقافة بالمنتدى، المسار السياسي الجاري في العراق بالنظم القانونية والتشريعية المطبّقة بالبلد، مشيرا إلى وجود قوانين تُجيز تزويج الفتيات في سن التسع سنوات استنادا إلى المحكمة الجعفرية.

وقال إنّ الوجوه التي تنافس مجددا على حصد مقاعد بالبرلمان منخرطة، أصلا، في نسج سياسات وسنّ تشريعات هادفة إلى إرجاع المجتمع العراقي إلى القرون الوسطى.

وكانت مدينة الحمامات بشرق العاصمة التونسية قد احتضنت على مدار اليومين الماضيين، أعمال مؤتمر “العراق 15 سنة بعد الاحتلال”، بحضور العديد من النخب والمفكريين العراقيين، إلى جانب ضيوف عرب وأجانب. وشهد المؤتمر تقديم بحوث ودراسات في مجالات التعليم والصحة والصناعة والطاقة والقانون، أعدها خبراء وباحثون عراقيون يُقيمون في العراق ودول المهجر.

 وتوزعت أعمال المؤتمر على أربع جلسات علمية، تم التطرق خلالها إلى عدة دراسات وورقات بحثية منها “غزو العراق، الدوافع والتبعات” للباحث محمد مظفر الأدهمي، و“صناعة النفط العراقية، الماضي والحاضر والمستقبل” لشريف محسن علي البياتي، و“دراسة الواقع الصناعي في العراق قبل الاحتلال وبعده”، لأحمد يونس قاسم، و“حالة الصحة في العراق قبل وبعد الاحتلال” لعادل خضير عبدالعزيز الدوري، و“وضع التعليم والتعليم العالي في العراق بعد عام 2003”، ليعرب الدوري.

ويُشار إلى أن “المنتدى العراقي للنخب والكفاءات” تأسس في العام 2014، على يد نحو 200 شخصية علمية، وهو عبارة عن تجمع غير سياسي وغير طائفي، وقد استطاع التوسع خلال السنوات الأربع الماضية ليضم حاليا 850 شخصية عراقية من حملة الشهادات العليا موزعين على 12 لجنة مُتخصصة.

3