مؤتمر برلين فرصة أوروبا لاستعادة الملف الليبي من روسيا وتركيا

قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر مازال الأقرب إلى موسكو من أردوغان والسراج.
الجمعة 2020/01/17
دور ألماني مرتقب في ليبيا

تراهن الدول الأوروبية، التي تراجع دورها بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية في ليبيا مقابل هيمنة تركيا وروسيا، على استعادة زمام الأمور لاسيما بعد فشل محادثات ليبية رعتها الدولتان في موسكو الاثنين.

وعكس انصياع أطراف القتال في ليبيا للهدنة التي اقترحتها كل من أنقرة وموسكو بعد تسعة أشهر من القتال التأثير الكبير للعاصمتين في النزاع.

ويهدد تنامي الدور الروسي في ليبيا نفوذ أوروبا جنوب المتوسط كما تقلق أطماع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الدول الأوروبية التي رفضت الاعتراف باتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا والتي تتيح لتركيا التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.

وقال أردوغان الخميس إن بلاده تعتزم خلال العام الحالي إصدار تراخيص للمناطق البحرية المشمولة في الاتفاق الخاص بترسيم الحدود مع ليبيا، والبدء بأعمال التنقيب فيها.

وأضاف “بموجب الاتفاق التركي الليبي، لم يعد ممكنا القيام بأعمال تنقيب أو تمرير أنابيب في المناطق البحرية المشمولة في الاتفاق، دون موافقة تركيا وليبيا”.

هايكو ماس: حفتر مستعد للقدوم إلى برلين للمشاركة في القمة الليبية
هايكو ماس: حفتر مستعد للقدوم إلى برلين للمشاركة في القمة الليبية

وتابع “نرسل الآن جنودنا إلى ليبيا للحفاظ على استمرارية الحكومة الشرعية هناك، ولإحلال السلام والاستقرار في ليبيا”.

وتحولت المعركة بين روسيا وبعض الدول الغربية بشأن ليبيا من الخفاء إلى العلن، عقب الفشل في توقيع وثيقة لتثبيت وقف إطلاق النار، الاثنين. وترددت معلومات أن المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، تسبب في إحراج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمغادرته موسكو فجأة ودون التوقيع على الوثيقة، في حين وقّع غريمه فايز السراج رئيس حكومة الوفاق عليها بسهولة، ما يعدّ صفعة ودرسا سياسيا لتركيا التي أرادت استثمار الحليف الروسي لتجلس في مقدمة الطاولة التي تتولى إدارة الأزمة الليبية.

ونسجت الآلة الإعلامية التابعة لأنقرة والجماعات الإسلامية روايات تتوعد حفتر بردّ روسي قاس على هذا الإحراج، لكنّ مراقبين يقللون من واقعية هذه التوقعات إذ كيف لروسيا أن تتوقف عن دعم حفتر الذي يعد حاليا الطرف الأقوى على الإطلاق مقابل دعم ميليشيات لا تسيطر سوى على أجزاء من طرابلس ومصراتة وبعض المدن غير المهمة من الناحية الاستراتيجية غرب ليبيا.

ويقول المراقبون إن حفتر لم يخسر موسكو، كما تقول أنقرة، لأن عدم التوقيع على الوثيقة كان مرتبطا أساسا بضرورة تبني وسائل تساهم في الحد من انتشار الإرهاب في ليبيا وإنهاء حكم الميليشيات والكتائب المسلحة، والتي تقف روسيا في مقدمة الدول المناهضة لها.

وحظي خطاب حفتر، الذي يشدد على محاربة الإرهاب كخطر يهدّد المنطقة، بقدر كبير من المصداقية والتجاوب، وبدأت العملية العسكرية التي يقودها منذ 4 أبريل الماضي للسيطرة طرابلس تحظى بتأييد دول أبدت امتعاضا منها في البداية، بعد أن قدمت تركيا الأدلة التي تؤكد أن العاصمة الليبية تحولت إلى مركز إقليمي لاستقبال الإرهابيين من سوريا، ما يهدد الأمن في شمال البحر المتوسط.

كما تُضاعف هذه المسألة من حجم القلق الروسي، لأنها تضع بوتين في خندق واحد مع أردوغان وتجعله حليفا يدعم الإرهاب بدلا من محاربته.

ولم تستثمر روسيا العلاقة الوثيقة بقائد الجيش الليبي للضغط عليه أو إقناعه بالتوقيع، وجاء تعقيب سيرجي لافروف وزير خارجيتها على مغادرة حفتر مرنا وإيجابيا ولم يوجه إدانة أو لوما لانصراف قائد الجيش الليبي وعودته على الفور إلى بنغازي، لأن النقاط التي اعترض عليها، وجميعها لها علاقة بآلية مكافحة الإرهاب، تأتي في صميم الانشغالات الروسية.

ويرى المراقبون أن التعاون الروسي – التركي بشأن ليبيا لا يخفي تباعد المواقف بشأن الجماعات المتشددة التي تفاخر أنقرة باحتضانها ودعمها، بينما تدينها وتحاربها موسكو بشتى الطرق.

ويقول هؤلاء “بافتراض أن روسيا غضبت من حفتر لأنها الدولة الراعية لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار فإن هذا لا ينفي غياب هامش كبير لها للمناورة فالتوقف عن دعمه مثلا سيفتح الباب لتوطيد علاقته بالغرب”.

واستعاد حفتر ثقة الكثير من الدوائر الغربية، التي تتحفظ على تمادي موسكو في زيادة دورها السياسي والعسكري، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي تبدو بعيدة عن الانخراط المباشر في تفاصيل الأزمة، لكنّ عينيها لا تفارقانها، ومعنية بعدم إحراز موسكو أهدافا جديدة في طرابلس.

أوروبا تراهن على استعادة زمام الأمور في ليبيا
أوروبا تراهن على استعادة زمام الأمور في ليبيا

ويقرّب فشل اجتماع موسكو الكثير من المسافات بين حفتر والغرب، فالتوقيع يعني تثبيت الدور الروسي والتركي في ليبيا وإفشال خطط الاتحاد الأوروبي لإرسال قوات لمراقبة وقف إطلاق النار.

وسارعت ألمانيا عقب إخفاق جولة موسكو بالدعوة إلى عقد قمة برلين الأحد المقبل بحضور الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومصر والإمارات وإيطاليا والجزائر والكونغو.

وتعكس الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إلى بنغازي وتجاهله لحكومة الوفاق في طرابلس، التي جرت العادة أن يستهل المسؤولون الغربيون زيارتهم إلى ليبيا منها ثم التوجه إلى الشرق، سعيا أوروبيا لاستمالة حفتر.

وقال ماس الخميس بعد مباحثات استمرت ثلاث ساعات مع حفتر في بنغازي “لقد تعهد بالالتزام بوقف إطلاق النار، بغض النظر عن أنه لم يوقع اتفاقية وقف إطلاق النار في موسكو في بداية الأسبوع الجاري”، مضيفا  أن “ذلك يعد أمرا في غاية الأهمية”.

وأضاف الوزير الألماني أن حفتر مستعد بشكل أساسي أيضا للقدوم إلى برلين يوم الأحد القادم للمشاركة في القمة الليبية المخطط لها بالعاصمة الألمانية تحت اسم “عملية برلين”.

1