مؤتمر برلين لتسوية الأزمة الليبية أم ترحيلها إلى مرحلة أخرى

تباين الأجندات يعسر مهمة التوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا، فيما ينطوي التفاوت في الحضور على قدرة تحقيق المؤتمر لاختراق حقيقي في الأزمة الليبية.
الأحد 2020/01/19
سعي دؤوب لإيجاد حل

تحركت عجلة الدبلوماسية الألمانية والأوروبية سريعا للاستفادة من التصعيد السياسي والعسكري التركي، ونجحت في إحياء مؤتمر برلين بشأن الأزمة الليبية الذي كاد يموت سريريا. وتستضيف اليوم الأحد الطرفين الرئيسيين في الداخل، وعددا من القادة والمسؤولين من 12 دولة معنية بالأزمة.

كان من المخطط أن يكون مؤتمر برلين على مستوى رؤساء الدول والحكومات فقط، غير أن المعلومات التي رشحت تؤكد انعقاده بمن حضر، فهناك قادة مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزراء مثل مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي، وممثلون رفيعو المستوى، على غرار “يانغ جيه تشي” رئيس مكتب لجنة الشؤون الخارجية بالحزب الشيوعي الحاكم في الصين.

ينطوي التفاوت في الحضور على تفاوت شبيه في درجة الاهتمام بالمؤتمر وقدرته على تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة الليبية المستعصية، وبالتالي تباين في التقديرات السياسية لكل طرف، لأن الجولات التمهيدية الأربع التي استضافتها برلين خلال شهري نوفمبر وديسمبر لمندوبي عشر دول، الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين ومصر والإمارات وتركيا وإيطاليا وألمانيا، لم تسفر عن تقارب في الأدوات اللازمة للحل، ودُعيت كلّ من الجزائر والكونغو، لكنهما لم تشاركا في حوارات برلين السابقة، كما أن بكين لم تتفاعل معها عمليا.

وتؤكد تركيبة من هذا الموزاييك، أنها قابلة للتغيير بالإضافة في أيّ لحظة، وأن الرؤية العامة لا تزال غائمة، وألمانيا التي رفعت سقف طموحات مؤتمرها في البداية كانت عاجزة عن الوفاء بعقده أصلا، وضربت مواعيد له مختلفة ولم تتحقق، ووجدت نفسها في بحر عميق من الرمال الليبية، كلما تجاوزت منطقة سياسية فيه وحلت قدماها في منطقة أمنية، وهكذا.

بدت تصورات وتصرفات برلين عاجزة عن التقدم خطوة واحدة للأمام، نتيجة عدم الدراية الكافية بمفاتيح الأزمة، وفقدان الرؤية الشاملة للتسوية، وتناقض توجهات الجالسين على الطاولة، والتشويش الكبير على ملف الإرهابيين والمتشددين والمرتزقة وتحركات تركيا التي تقف خلفهم، وعدم التركيز على دورهم في دعم حكومة الوفاق، والمراوغة في توحيد المؤسسات الليبية، وفي مقدمتها مؤسّستا الجيش والشرطة، وإبعاد الميليشيات عن ممارسة أيّ دور يتقاطع معهما.

ظهرت هذه الأمور بجلاء، وزاد عليها تغييب أطراف سياسية واجتماعية رئيسية عن المشاركة في حل الأزمة، والصبر كثيرا على قيام تركيا بقدر كبير من الاستفزاز والابتزاز، حتى أقدم أردوغان على توقيع مذكرتي تفاهم بحري وأمني مع فايز السراج رئيس حكومة الوفاق، ثم إعلانه إرسال قوات عسكرية إلى طرابلس دعما لما أسماه بـ”الشرعية الدولية”، التي ضربها عندما أوغل في دعم المعارضة والمتشددين في مواجهة النظام السوري الشرعي.

فوران سياسي

مضت الأحداث بوتيرة متسارعة، واعتقدت دوائر كثيرة أن مؤتمر برلين أصيب بالسكتة الدماغية مع إعلان موسكو وأنقرة وقف إطلاق النار في ليبيا، واستقبال روسيا كلاّ من المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي، وفايز السراج، وحاولت مع تركيا الحصول على توقيعهما على وثيقة لوقف إطلاق النار، اعتذر الأول عن توقيعها، بينما سارع الثاني بالتوقيع عليها ليضمن له مقعدا في ملحقات الأزمة، بعد أن أصبح تابعا لتركيا.

لم تفقد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الأمل في المؤتمر الذي راهنت على أنه يُوجد لبلادها مكانة إقليمية تنهي بها حياتها السياسية، ونشطت دبلوماسيتها على طرق مختلفة ومتناقضة، أملا في الحفاظ على ماء الوجه، وكي لا تخطف موسكو ثمرة جهودها على مدار أشهر ولو حصل ذلك تحاول أن تضمن لها مقعدا بالقرب منها.

استفادت ميركل من العلاقة الجيدة التي تربط بلادها بروسيا في تنسيق المواقف ليكون التعجيل بعقد مؤتمر برلين هو القاعدة التي توفي بها بوعودها، والمنصة التي تدشن الدور المحوري والعلني لبوتين في الأزمة الليبية.

سخّرت برلين الأجواء المتلاطمة لصالحها على أصعدة، ليبيا والمنطقة وصراعات الاستراتيجيات بين الدول الكبرى، وضربت فجأة موعدا للمؤتمر قبل استكمال الاستعدادات السياسية واللوجستية، وأحيت بذلك خطوة أوشكت على الوفاة قبل أن تكتمل مراحل ولادتها، وحافظت على مصداقية قيادة روجت إعلاميا بأنها قادرة على تحقيق ما عجزت عنه قوى إقليمية ودولية عدة.

برلين سخّرت الأجواء المتلاطمة لصالحها على أصعدة، ليبيا والمنطقة وصراعات الاستراتيجيات بين الدول الكبرى، وضربت فجأة موعدا للمؤتمر قبل استكمال الاستعدادات
برلين سخّرت الأجواء المتلاطمة لصالحها على أصعدة، ليبيا والمنطقة وصراعات الاستراتيجيات بين الدول الكبرى، وضربت فجأة موعدا للمؤتمر قبل استكمال الاستعدادات

حصلت “العرب” على معلومات من مصادر شاركت في جولات برلين الأربع بخصوص الأزمة الليبية، تؤكد أن روسيا لم تكن طرفا فاعلا في غالبية اللقاءات، والصين كانت بعيدة تماما عن المناقشات، بينما تصارعت أفكار مصر والإمارات مع تركيا، وفرنسا مع إيطاليا صعودا أو هبوطا، ووقفت ألمانيا مثل مشجعي كرة القدم في المدرجات تساند اللعبة الحلوة التي تسجل هدفا يصب في جعبتها، وبدا الوفد الأميركي متفرجا أو مترددا أكثر منه متفاعلا.

كشفت بعض المعطيات أن سبب صبر وتريث دول مثل روسيا والصين والولايات المتحدة، يكمن في أن مخرجات مؤتمر برلين التي تشرف عليه الأمم المتحدة مخطط لها الذهاب إلى مجلس الأمن لمنحها قوة دفع سياسي، وإلزام جميع الأطراف بتنفيذها. من هنا يمكن استخدام الفيتو، إذا جاءت النتائج عكس ما ترتضيه أيّ من الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية، ولها حق الفيتو في مجلس الأمن.

تغيرت المعادلة قليلا عقب التطورات الأخيرة التي اصطحبت انخراطا أكبر من جانب روسيا، وتقاربا في مواقف الدول الأوروبية، وأصبح المشهد يظهر نوعا من التجاذب بين كتلتين، كلتاهما تريد القبض على مفاصل الأزمة الليبية وما يتعلق بتوازناتها الإقليمية والدولية في إطار صعود لافت لصراعات حول النفوذ، وباتت ليبيا بموقعها الجغرافي المتميز وثرواتها الطبيعية الكبيرة، وما تمثله من مكاسب وخسائر، في القلب منه.

يشير هذا الجانب إلى صعوبة فائقة في التوافق حول الأولويات. فمسودّة البيان الختامي لمؤتمر برلين التي قدم بنودها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ليست كافية لضمان تسوية أزمة محتدمة، لأنها تضمنت عناوين سياسية وأمنية واقتصادية عريضة وكلّ منها على حدة من دون رابط قويّ بين المسارات يمنع التلاعب بها في منتصف الطريق.

غاب عن البنود الحديث عن آلية واضحة لتنفيذها، قبل أن يستقبل المجتمعون في برلين الكثير من الروافد القاتمة الكامنة في تفاصيل كل نقطة، وكأن البعثة الأممية في ليبيا ومن سارعوا بعقد مؤتمر ألمانيا يهمهم إثبات حسن النوايا وإبراء الذمة السياسية، بصرف النظر عن التطبيق.

توافق ظاهر وحسابات خفية

يعصف الإعلان عن التوافق حول مسودّة برلين، من جهات دولية متباينة، بالمؤتمر من حيث يدري أو لا يدري بعض الحاضرين، فكيف يتسنى التوافق خلال أيام معدودة وقد فشلت كل الجهود في الوصول إلى ذلك؟

لا توجد إجابة مقنعة سوى أن من عزموا على الذهاب إلى برلين حقق كل منهم غرضه عبر عدم انتصار طرف على آخر مع تصادم الحسابات الخاصة بليبيا، وتشابكها مع تطورات إقليمية على صلة بها، ووسط تلويح أوروبي بالقيام بمهمة عسكرية في ليبيا، بعد تهديدات تركيا، وعدم استبعاد تدخل الدب الروسي مباشرة.

يعزز هذا التفكير القناعات الرائجة بأن ألمانيا ومعها قوى غربية كبرى تريد خطف “الشو” الدولي أو اللقطة التلفزيونية التي تؤكد الوفاء بوعد المؤتمر، وتفوّت الفرصة على روسيا وتركيا بتكرار توزيع الأدوار أو إعادة إنتاج سيناريو ما حدث على الأراضي السورية بنقله إلى الأراضي الليبية وتخطّي عقبة سياسية كان من الممكن أن تترتب عليها عقبات استراتيجية، ما يؤكد أن الأزمة مطية لمنافسات بين خصوم تقليديين ومستجدين، ومن سوف يكسب الرهان للقفز عليها والاستحواذ على مقاديرها الرئيسية.

لم تبلغ بعد الإرادة والرغبة والقدرة على فك طلاسم الأزمة. مع ذلك هناك من يصوّر التعامل مع محطة برلين على أنه يمثل مرحلة حاسمة. ربما يكون المؤتمر فاصلا في فرز المواقف النهائية، ويكشف كل طرف عمّا يمتلكه من أوراق للضغط أو المساومة على الطاولة.

تعني هذه المحددات أن الأزمة الليبية دخلت بوضوح النفق الأصعب الذي يؤجل حلها، ويجعل مؤتمر برلين حلقة ضمن سلسلة ظهرت واختفت دون التوصل إلى تسوية سياسية نهائية لها. فهناك جهات يهمها أن تستمر الأزمة في الدوران، كي تنهك أطرافها الرئيسية ويتم استبدالها بأخرى. وهناك من يربحون من عدم توقفها أو يهربون من مساءلة ما عندما تصمت المدافع.

4