مؤتمر حركة النهضة.. العرض الباذخ ودراما الأخونة

الجمعة 2016/05/27

لقد كان التقييم أحد هدفين اثنين للمؤتمر العاشر لحركة النهضة الإخوانية التونسية المنعقد أواخر الأسبوع الماضي في تونس. ولكن التقييم كان فقط بأعين نهضوية راضية مطمئنة قريرة القلب والعين، لا بأعين سياسية قلقة متنبهة متيقظة جريئة متحفزة لقول الحقيقة وتبني النقد الذاتي وممارسته. والهدف الثاني هو الفصل بين الدعوي والسياسي.

ولكن الصورة المنقولة فضائيا مباشرة عن المؤتمر ذكّرت التونسيين بمشاهد احتفالات رأس السنة الميلادية في كبرى العواصم الغربية والمدن العربية المرفهة. فلقد غلبت الصورة المركبة المتكونة من ألعاب الضوء والشاشات العملاقة والمؤثرات الخاصة على أشغال المؤتمر، حتى جعلت متابعه أو من حضره يشك في كونه مؤتمرا سياسيا تاريخيا لحزب إخواني تونسي.

انبنى مؤتمر النهضة على خلفية كرنفالية تشكلت بتصور مخرج سينمائي يسرف في استعمال الأضواء والأصوات والصور بشكل باذخ خال من الذوق في أحيان كثيرة. لقد كانت غاية الإبهار هدفا رئيسيا لمعدي العرض والمشرفين عليه. ولم يكن هذا الخيار مجانيا، بل كان رغبة في تحقيق ثنائية الطمع والتطميع السياسيين إذ تطمع حركة النهضة إلى توظيف الضوء والصورة لإزالة صفة الأخونة عنها.

إن العرض الباذخ لحركة النهضة في مؤتمرها العاشر ينطلق من خلفيتين؛ الأولى هي الاطمئنان لغياب المساءلة عن مصدر كل تلك الأموال التي أهدرت في الكرنفال، والثانية هي الهروب التراجيدي من الهوية والتاريخ نحو الاحتماء بالعدد والضوء والصورة الباذخة. وهو ما أفرزه المؤتمر بشكل متسرع متناقض مع طبيعة الحركة وصفة عملها السياسي ولا سيما بعد انتصابها العلني في تونس وقد حررها الشعب التونسي وسمح لها بالعودة من منفاها الاختياري المرفّه في العواصم الغربية.

كان في الكرنفال دراما قائمة على رغبة عاتية في إتقان دور الهارب من الدعوي إلى السياسي. ولكن إتقان الدور كان متفاوتا بين الممثلين القياديين والمؤتمرين. وكان التعويل على العدد كأحد عناصر الديكور في مؤتمر النهضة، ففي أذهانهم رعب العدد الذي شيع الشهيد شكري بلعيد إلى مثواه الأخير. والغاية هي أن يقول الغنوشي وأتباعه لحلفائهم وخصومهم على حدّ السواء أنهم كثيرون.

ولكن من شيعوا الشهيد شكري بلعيد جاءوا بصفة تلقائية من كل أصقاع تونس وتحملوا مشاق السفر، ولا سيما أن يوم 8 فبرير 2013 لم تكن في تونس دولة ومؤسسات. أما مناصرو النهضة فقد جاءوا معززين مكرمين مضمونين في النقل العمومي موعودين بالإقامة الفاخرة، مقابل إتقان الدور العددي في الصورة الكرنفالية للمؤتمر العاشر لحركة النهضة الإخوانية.

لقد جاء العدد النهضوي وزيّن الصورة الافتتاحية للكرنفال المنقولة فضائيا خلال مؤتمر النهضة. وقطعت مقاطع من أناشيد مرسال خليفة الثورية الكلمة الافتتاحية لرئيس الحركة الذي كان من عناصر كلمته الإشادة بالعدد والافتخار به والتلويح بالتخويف منه. واكتملت صورة الازدهاء بعدد كبير من الأتباع المهللين، ومن الصور المنفلتة من كل ركن في الركح ومن الأضواء الراقصة. ولم يبق أمام رئيس الحركة، الذي يصفه المؤتمر بالشيخ راشد الغنوشي، وهو يعزم على الفصل بين الدعوي والسياسي، إلا قول ما يريد فلا أحد يتابع ما يقول بل كل المتابعة للضوء والصورة.

وكم يعمدون إلى تلبيس المشهد ومغالطة الشعب التونسي. فرئيس الجمهورية لما افتتح المؤتمر التأسيسي لنداء تونس منذ أشهر قليلة فعل ذلك بصفته مؤسس نداء تونس ورئيسه الشرفي. وحضر رئيس النهضة مؤتمر نداء تونس باعتباره رئيس حزب النهضة ملبيا دعوة رئيس حزب نداء تونس وتحدث آنذاك عن الطائر ذي الجناحين اللذين يحلقان بتونس. ولكن السبسي عندما يرد زيارة رفيقه وحليفه يحضر مؤتمر النهضة باعتباره رئيس الجمهورية لا رئيس نداء تونس ويجلس على الركح إلى جوار رفيقه شيخ النهضة. وتُواصل الصورة مكرَهَا ولكن التاريخ أشد مكرا.

لكن الصورة لم تكتمل وكان لدراما الهروب من الدعوي، أو لنقل بدقة من صفة الأخونة المطلوب رأسها في العالم كله، أن تهتم بمقدمة المنصة الشرفية. وكانت المنصة متنوعة، ولكن كل حضور المؤتمر من وفود أجنبية وتونسية ومن شخصيات وطنية ودولية في كفة، وحضور الاتحاد العام التونسي للشغل والبعض من المعارضة في كفة ثانية.

لقد نجحت النهضة في إرباك الاتحاد العام التونسي للشغل وجعلته يتخلى عن حياده الذي كان يعلنه تجاه الأحزاب جميعا، حيث كان حضور الاتحاد مؤتمر النهضة لافتا وخلق جدلا واسعا لدى الرأي العام في تونس. فشأن النهضة مع الاتحاد مرفوع أمام القضاء التونسي. والنهضة لم تعتذر عن اعتداءاتها عليه في 9 أبريل 2012 و4 ديسمبر 2012 أيضا.

كما نجحت النهضة في إرباك بعض المعارضة اليسارية، إذ في الوقت الذي تناقش فيه بعض أحزاب المعارضة مبادرة سياسية لإنقاذ تونس من الائتلاف الحاكم، الذي تمثل النهضة عماده الرئيس، تحضر مؤتمرها. ولكن تبقى هذه الأحزاب بلا وزن سياسي ولا تمثيل برلماني، وإنما تحاول أن تترصد الفرص التي تتاح لها لتعويض خساراتها الانتخابية. ولكنها انحدارها نحو التهاوي النهائي لم يتوقف.

المهم أن وجود الاتحاد العام التونسي للشغل وبعض أحزاب المعارضة اليسارية، مثل حزب المسار الديمقراطي والحزب الجمهوري، في مؤتمر النهضة كان مهما من أجل تدعيم الإيهام بالتوبة عن الأخونة. فحزب المسار مثلا هو حزب لائكي وكانت بينه وبين النهضة مماحكات في المجلس الوطني التأسيسي. وعندما يحضر مؤتمر النهضة فإنه ضمانة لها لدعم عزمها على مفارقة هويتها كما كشف بيانها الختامي إذ أعلنت النهضة عن تحولها إلى حزب وطني؛ فماذا كانت إذن؟

ومن أغرب ما أقرّه المؤتمر العاشر التطهّري للنهضة هو قرار اتباع منهج التطميع السياسي الذي مُنح بين يدي رئيس الحركة. فلقد صار بإمكانه أن يهب الانتماء الشرفي لمن يريد حتى لغير النهضويين ولغير المنخرطين. والغاية هي الطمع في ابتلاع التونسيين وفي قطع وادي الخطر، وتطميع الطماعين منهم بحظ أوفر مع النهضة.

المهم أنه لم يبق من مؤتمر النهضة إلا عرض كرنفالي مثقل بالألوان والصور، بكثير من قلة الذوق الفني وكثير من الطمع والتطميع السياسي، وقليل من التغير في الأصل والجوهر.

كاتب وباحث سياسي من تونس

9