مؤتمر حزب جبهة التحرير الجزائري: تأبيد الأزمة السياسية

الخميس 2015/06/04

إن القراءة المتأنية لنتائج أشغال المؤتمر العاشر الذي عقده حزب جبهة التحرير الوطني في الأسبوع الماضي تؤكد من جديد أن لا شيء قد تغيَر في السلوك العام لهذا الحزب، وفي الصدارة مواقفه العقائدية المتشبّثة بالرأسمالية المتوحشة والمستوردة على نحو فج ومناقض كليا للبنية التاريخية للمجتمع الجزائري، وانتمائه إلى التقاليد الجماعية في الحكم وفي توزيع الثروة وفي إدارة الشأن العام.

في هذا المؤتمر واصل هذا الحزب سياسات الصمت والتواطؤ تجاه أيديولوجية اقتصاد السوق التي ينتهجها النظام الحاكم في البلاد، والتي تكرس الفـوارق الاجتماعية، والتبعية العمياء للغرب الرأسمالي وللشركات متعددة الجنسيات التي تمعن في نهب ثروات الوطن. وهو شريك، أيضا، في نشر ثقافة الفساد بكل أنواعه وفصائله وتسليطها كسيف ديموقليس على رقاب الشعب الجزائري.

فعليا فإن هذا الحزب الذي تنكّر لمبادئ حركة التحرر الوطني، ولعب ولا يزال يلعب دورا محوريا في عزل الجزائر عن محيطها المغاربي، وعن عمقها الأفريقي بشكل لا مثيل له في تقاليد الجزائر التاريخية، قد كرَس الأمر الواقع الذي أدى ولا يزال يؤدي إلى محاصرة الشعب الجزائري، والتضييق عليه، وهزَ أركان كرامته، وأمنه الاقتصادي، وقيمه الروحية، والأخلاقية، وهويته الثقافية التي تتعرض عناصرها المشكلة لها للطمس والتدهور والتفقير المنهجي.

وفضلا عن هذا فإن حزب جبهة التحرير الوطني لا يزال ساكتا أمام الدوائر والشلل التي تؤسس لمجتمع الفوارق الاجتماعية والطبقية، الذي ما فتئ يفرز أمراض العنف المادي والرمزي، كما أصبح يمتهن تغطية الفساد المستشري في الهرم الأعلى للدولة وامتداداته الخطيرة جدا في تضاريس المجتمع برمته.

هذا المؤتمر العاشر لم تتمخض أشغاله عن أي فكرة كبيرة يمكن ترجمتها في الواقع الملموس لتكون أرضية للنهوض اقتصاديا وثقافيا وتعليميا، وتنظيما للمجتمع وللقانون في الأطر الديمقراطية.

أما على صعيد إستراتيجيات السياسة الخارجية، فلم يقدم حزب جبهة التحرير الوطني مشروعا متميزا وقابلا للحياة يؤدي إلى استعادة الجزائر لمبادئ السياسات الوطنية الخارجية التي ميّزت حركة التحرر الوطني في الماضي البعيد، بل إن الحزب، الذي يفتقر إلى قيادات فكرية وروحية، لا يزال يواصل فقط إنتاج وإعادة إنتاج فسيفساء وتناقضات السياسات الخارجية التي قوّضت سمعة الجزائر وحولتها إلى دولة منسحبة ومنكمشة نفسيا، وغير مؤثرة وفاعلة إقليميا ودوليا.

ما حدث في أشغال هذا المؤتمر ليس إلا تصفية لحسابات شخصية ضيّقة وإمعان في الصراع على المناصب، ولا علاقة لكل هذا بمصالح الشعب الجزائري. وهكذا اختزل حزب جبهة التحرير الوطني النضال السياسي في إحداث الشروخ بين أعضائه، وفي إقصاء العناصر القليلة التي تعارض، باحتشام وعلى نحو موسمي، هذه الشلة أو تلك الجماعة داخل دواليب الحزب نفسه، أو في الحكومة، أو في الأروقة المخملية بقصر الرئاسة بمرتفعات المرادية.

الملاحظ أن ما يدعى بفصيل الحركة التقويمية، أو لنقل المعارضة داخل الهرم الأعلى لقيادة حزب التحرير، لا يزال بدوره يساوم على مناصب القيادة والحقائب الوزارية، وعلى تقسيم كعكة المواقع التي تدر الحليب والعسل في البرلمان ومجلس الأمة والسلك الدبلوماسي، ونتيجة لكل هذا فإنه لم يحدث في سياساته أي منعرج حاسم وجذري يمكنه من ربح ثقة القاعدة الشعبية التي تؤهله للانطلاق في النضال الحقيقي لمقاومة الإفلاس السياسي والعقائدي والاجتماعي والفكري لهذا الحزب نفسه، وللمشهد السياسي الجزائري برمته الذي ورثه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وتعمق حتى أصبح المجتمع الجزائري مجتمعا ينتج ويصنع الأزمات الثقافية والأخلاقية والاقتصادية والتعليمية التربوية المركبة، في ظل مناخ عام يتميز بانعدام القيادة الفكرية والروحية والثقافية، وبالنكوص وضياع البوصلة.

مما لا شك فيه أن مناخ الانقسام والتشظي الذي سبق انعقاد هذا المؤتمر العاشر لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائري، قد تفاقم جراء المناورات التي سادت طوال الأيام الثلاثة التي استغرقتها أشغاله، حيث أنه أظهر نفسه مجددا كحزب تكتلات متناحرة لا يجمعها برنامج مشترك أو رؤية موحدة. وأكثر من ذلك لم تبرز لديه أفكار وإستراتيجيات في مستوى طموحات المواطنين والمواطنات، تخلَص الجزائر من الجمود والشلل في جميع المجالات الثقافية والفكرية والاقتصادية والتربوية. وعلى العكس من ذلك فقد برهن هذا الحزب على أنه يمثل فقط الواجهة التقليدية للنظام الحاكم ويكرَر أفعاله السلبية النمطية.

لقد انحصرت نتائج أعمال هذا المؤتمر في تزكية عمار سعداني أمينا عاما له، وفي تشكيلة موسعة للجنته المركزية التي صار تعداد أعضائها الآن 504 من الأعضاء.

بالإضافة إلى هاتين النتيجتين، فقد تمكن عمار سعداني من إقصاء أغلب معارضيه من اللجنة المركزية في ظل مباركة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي يشغل منصب الرئيس الفعلي للحزب.

ولقد أسفر هذا المؤتمر، أيضا، عن تثبيت الوزير الأول عبدالمالك سلال كمناضل قيـادي في هـذا الحزب، فضلا عن تعيين عدد من الوزراء، الذين فرضهم الرئيس بوتفليقة وحاشيته مؤخرا في الحكومة، في قلب اللجنة المركزية الشيء الذي يعني، بوضوح، أن حزب جبهة التحرير الوطني أصبح يمثل مثلث النظام السياسي الحاكم الذي يضم رئيس الدولة، وعدد كبير من أعضاء الحكومة، والأغلبية في البرلمان الذي يترأسه محمد العربي ولد خليفة، القيادي في هذا الحزب في آن واحد.

ينبغي التذكير هنا بأن المنشقّين عن الأمين العام عمار سعداني، بما في ذلك عناصر كثيرة من الجماعة المدعوة بالحركة التقويمية، قد هـدّدوا قبل وبعد انعقاد المؤتمر العاشر بمواصلة المعارضة وربما بالقيام بإنشاء حزب مواز من أجل العودة إلى تراث جبهة التحرير الوطني في زمان حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي الذي تآكل في مرحلة استقلال البلاد، ولكن يبدو أن هذا التهديد مجرد فقاعة عابرة وغير مبدئية، لأن الجميع على رأسه طير؛ الرئيس بوتفليقة الذي تخشى سطوته أحزاب الموالاة أو ما يسمّى أحزاب المعارضة معا من جهة، ولأن مناضلي حزب جبهة التحرير الوطني، سواء في القاعدة الشعبية أو في قيادته للبلديات والمحافظات واللجنة المركزية والمكتب السياسي، قد تخلوا عن جوهر المبادئ الأساسية لجبهة التحـرير الوطني الأمَ التـي تضمنها بيـان أول نوفمبر 1954، وجسدتها المواثيق الوطنية السابقة على مرحلة الرئيس بوتفليقة والتي كانت تعتبر بمثابة البرنامج العقائدي لها.

من الواضح أن انعقاد هذا المؤتمر العاشر بهذه الطريقة وإبعاد عبدالعزيز بالخادم وعدد من القيادات التقليدية عن حزب جبهة التحرير الوطني، وتخلي رئيس مجلس الأمة الحالي عبدالقادر بن صالح عن منصبه كأمين عام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي (الأرندي)، والذي ينتظر أن يعوض برئيس ديوان رئيس الدولة الحالي أحمد أويحي، إلى جانب ترتيبات سياسية وإدارية أخرى، هي جميعا إجراءات ينفذها النظام الحاكم على مقاسه، ويقصد منها الدفع بالشخصيات المرغوب فيها إلى واجهة المسرح السياسي وتلميعها مسبقا في ضربة استباقية للانتخابات الرئاسية الطارئة، سواء في حالة وفاة عبدالعزيز بوتفليقة الذي يعاني فعلا من مرض خطير، أو عند انتهاء عهدته القانونية وانسحابه من سدة الرئاسة.

كاتب جزائري

8