مؤتمر دولي بمراكش: اِفهموا الشباب تسلموا من الإرهاب

الأحد 2015/02/01
وقف تدفق الشباب إلى الجماعات الجهادية والتأثر بفكرها أولوية في الحرب على التطرف

يوجّه قادة الجماعات الجهادية في خطابتهم “الحماسية”، بالخصوص، نحو فئة الشباب، التي تعبتر اكسير حياة هذه الجماعات ورأسمالها البشري الأهم. فالشباب، خصوصا في المجتمعات العربية، من أكثر الفئات احباطا وقلقا، وشكوى من صعوبة الحياة، وتصنّفهم الدراسات النفسية والاجتماعية على أنهم أكثر شرائح الاجتماعية هشاشة وخطورة على المجتمع إذا لم يتمّ احتضانهم والتواصل معهم والاستماع إلى مشاكلهم وتشريكهم في صياغة القرار.

لأمية هذا الموضوع، وفي ظلّ النشاط المكثّف لتقصّي أسباب انتشار الإرهاب، اختارت ”الندوة العالمية للشباب الإسلامي”، التي انعقدت بمدينة مراكش، أن يكون محور مؤتمرها الدولي الثاني عشر لـ “الشباب في عالم متغير”؛ فمثلما دعا بعض الخبراء إلى تحيين خطاب المؤسسات الدينية في العالم العربي، وبينما البعض الآخر شدّد على أهمية النهوض بالاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة كجزء من استراتيجية شاكلة للحرب على الإرهابـ تشمل أيضا تحسين التعليم والتنمية الاجتماعية، إلى جانب الدور الأمني؛ اعتبر المشاركون في الندوة المغربية أن الاهتمام بالشباب جزء لا يتجزّأ من هذه الحرب، بل يأتي في المقام الأول، للحدّ من ارتماء الشباب في أحضان هذه الجماعات المتشدّدة.

وكما أوضح صالح الوهيبي، الأمين العام لـ”الندوة العالمية للشباب الإسلامي”، فإنّ “ما يجري اليوم في العالم العربي، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الفقر وتنامي الاضطرابات السياسية والاجتماعية وانتشار التطرف الفكري من جهة والجنوح إلى ظاهرة الإلحاد من جهة أخرى، يقلق الباحثين وجلّ المعنيين بشؤون الدين والفكر والشباب، خاصة في ظل تطور الظاهرة الإرهابية وتنامي خطرها”.

وأشار الوهيبي، إلى “أنّ الاضطرابات التي تشهدها بلدان عربية عدّة، أسهمت في تنامي ظاهرة الغلوّ لدى فئات الشباب من طورها الفكري إلى طور ردود الأفعال والتنفيذ والالتجاء إلى العنف”.

تعبتر فئة الشباب المتأثّر الأول بأي ظرف أو تحول سياسي أو تربوي أو اجتماعي أو اقتصادي، خاصّة أنّ تلك التحولات يمكن أن تجرّ الشاب إلى متاهات التطرف الفكري ومن ثمة تجعله فريسة سهلة أمام الشبكات الإرهابية التي تركز دوما على استقطابه لتنفيذ عملياتها الإجرامية؛ لذلك شدّد المؤتمر على ضرورة السعي من أجل أن يحافظ الشباب على هويته وثقافته فيظل قويا صحيح الروح والفكر والسلوك، وأن يتفاعل بإيجابية مع متغيّرات العصر من دون عزلة ولا انحراف عن المسار الصحيح، وهو الشيء الذي يقتضي الوقوف إلى جانبه وترشيد مسيرته والاستجابة لتطلعاته وطموحاته.

بعض الدعاة بالمساجد وبعض شبكات التواصل الاجتماعي تلعب دورا خطيرا في إغراء الشباب واستقطابهم عبر بثّ خطاب متزمت

بدوره، شدد محمد عزالذين الإدريسي، رئيس المجلس العلمي بمراكش، التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، على ضرورة إيلاء فئة الشباب الأهمية اللازمة، “لكونهم حملة رسالة كبيرة، ولأنهم يمثلون الطاقة الخلاقة والعزيمة التي لا تلين”، مبرزا أنهم مصدر كل خير وورثة أمانة، وهم الوقود الذي تترسخ من خلاله العقيدة الصحيحة، ويزول معه التطرف والإرهاب وتنتفي الأفكار المنحرفة والهدّامة”.

في ذات السياق، أكد صالح بن عبدالله، إمام وخطيب المسجد الحرام، أنّ “الشباب يتصف بالحماسة والاستقلالية، وسرعان ما تسوده مشاعر القلق والمثالية، كما أنه يتميز بالفضول، وعلى الجميع أن يفهموا أنّها فئة لا تقبل الضّغط والإكراه، مما يستدعي مرونة في التعامل معها”.

كما أشار، إلى أن فئة الشباب تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ الأولى متعلمة ومثقفة تقود وتبادر، أما الثانية، فهي واعية ولكنها لا توظف إمكانياتها المعرفية وخبراتها في تغيير الواقع المعيش، وبذلك لا تتحول معرفتها من مستوى صرف إلى معرفة تلامس الواقع، بينما تشكل الفئة الثالثة أغلبية صامتة، تحتاج إلى من يقودها، وفق تعبيره.

وشدّد عدد من الباحثين في مجال الجماعات المتطرفة على أنّ الشباب هم الأكثر تأثرا بالخطاب المتطرف الحماسي، مشيرين إلى أنّه من الضروري تسليط الضوء على ظروف العائلات بدرجة أولى والاهتمام بها. فالمشكلة، وفق رأيهم، تتطلب تعميق الحوار داخل العائلة بدرجة أولى، ثمّ بين مكونات المجتمع المدني والقائمين على الشأن الديني والسياسي بشكل أكثر التزاما وتعاونا.

وكانت دراسة عديدة حذّرت من أن الشباب الذي انتسب إلى الجماعات المتشددة (من جنسيات مختلفة) وخاصة أولئك الذين عادوا من ساحات الحرب في سوريا والعراق، قد أصيبوا بصدمة هويّة وانفصام عن حركية مجتمعاتهم ولم يستطيعوا التفاعل معها، فأصبحت ميولهم أكثر تطرفا وعدوانية نحو المجتمع الذي يعيشون فيه.

ويرى مراقبون أنّ بعض الدعاة بالمساجد ودور العبادة وعديد الصفحات المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى عدد من وسائل الإعلام، تلعب هي الأخرى دورا خطيرا في إغراء الشباب واستقطابهم عبر بثّ خطاب متزمت، لافتين إلى أنّ هؤلاء الدعاة هم من يجب وضعهم تحت المراقبة. كما شددوا على ضرورة الارتقاء بالخطاب الديني وتنقيته من كل شوائب التطرف، وتكثيف التدخل لصالح الشباب وإلحاقهم ببرامج تأهيلية تعرّفهم بمخاطر الخطاب الديني المتطرف وبمبادئ الإسلام المعتدل، ودمجهم بشكل أكثر عمقا بعائلاتهم والاهتمام بحاجياتهم في المجالات الاجتماعية والتربوية والتعليمية والتنموية، بالإضافة إلى الاهتمام بحرية الرأي والتعبير وتحسينها بشكل مستمر، لأنها تساعد الشباب على التفكير المتحرر من كل الإكراهات ومن النظرة المتزمّتة للظواهر الاجتماعية والسياسية، ممّا يجعلهم يدركون بيئتهم ومحيطهم بشكل واقعي.

5