مؤتمر في الدوحة لتبرير سقوط الإسلاميين

الأربعاء 2013/10/02
لولا الأصوات المغايرة لتحول مؤتمر الدوحة إلى تظاهرة منادية بشرعية مرسي

الإسلام السياسي بوصفه ظاهرة سياسية تزايد منسوبها في العقود الأخيرة، تحتاج دائما قراءات علمية وفعاليات بحثية تضعها على طاولة البحث والتمحيص. تزايدت الحاجة إلى ذلك بعد ما ترتب عن الثورات العربية، حيث تقاطعت ظاهرة الإسلام السياسي مع آفاق أخرى ترتبط بإشكاليات حداثية مثل الحرية والديمقراطية والدولة المنتظرة. لكن العمل البحثي يجب أن يتحلى أولا بالموضوعية وتجنب الاصطفاف المقيت إلى معسكر الإسلام السياسي أو العداوة المطلقة له.

في سياق الحديث عن الفعاليات البحثية التي تسلّط الضوء على الإسلام السياسي، واقعا وحراكا وتيارات ومستقبلا، احتضنت العاصمة القطرية الدوحة يومي السبت والأحد الماضيين، المؤتمر السنوي الثاني «الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي» الذي انتظم هذا العام ليبحث قضية «مسائل المواطنة والدولة والأمة».

ورأى المشاركون في المؤتمر أن الإسلاميين فشلوا وأهدروا فرصة وجودهم في السلطة، فيما اعتبر آخرون أنهم لم يحظوا بفرصة كافية للحكم إذ «تم افشالهم». وقد اختلف الباحثون والمفكرون المشاركون في المؤتمر حول تقييم تجربة حكم الإسلاميين الذين تلقوا صفعة كبيرة مع عزل الرئيس المصري محمد مرسي.

وقال حسني عبيدي مدير مركز الدراسات والبحوث حول الوطن العربي ودول المتوسط في جنيف «لقد فشل الإسلاميون في الحكم حيثما مروا، وفشلهم كان واضحا في ملفي الاقتصاد والأمن» بشكل خاص. وأضاف عبيدي أن الاسلاميين «أخطأوا منذ البداية عندما حكموا على أنفسهم بالنجاح المطلق منذ نجحوا في الانتخابات، فأصيبوا بحالة من العنجهية وترجموا ذلك بقوانين العزل السياسي وحرمان الدولة من كوادرها».

وفي السياق ذاته قال الباحث الجزائري طيبي غماري أن الاسلاميين «عجزوا عن تطوير مشروع سياسي يتوجه إلى المواطنين وليس فقط إلى المؤمنين». وأضاف «بدل أن يركز الإسلاميون على ملفات التنمية، اهتموا بموضوع الهوية وتغيير أنماط المجتمعات التي حكموها، فوجدوا أنفسهم يدورون في حلقة مفرغة وتدهور الأمن والاقتصاد».

إلا أن رئيس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عزمي بشارة أكد أن «الاسلاميين لم يحكموا حتى نتحدث عن فشل أو عن نجاح». وأضاف: «الأصح هو القول بأنه تم إفشالهم من طرف العسكر والدولة العميقة».

واتفق معه في التصور نفسه الباحث السعودي فهد الغفيص الذي رأى أن «الدولة العميقة وحتى الثوار أفشلوا حكم الإسلاميين في مصر، حيث كان الجيش جاهزا للانقضاض على الفرصة.

وكان عزمي بشارة قد دعا إلى بحث العوائق الرئيسية أمام التحول الديمقراطي والتي ذكر من بينها أجهزة الدولة البيروقراطية وفسادها وتفاعل تلك الأجهزة مع الريوع النفطية وغير النفطية والقوى الاجتماعية الرجعية المعادية للتحول الديمقراطي. وأكد أن «انعكاسات الانقلاب العسكري في مصر لا تزال غير واضحة المعالم، وأن أسوأ الاحتمالات تشير إلى دوام الحكم العسكري، واستنتاج أوساط في التيار الإسلامي بفشل المشاركة الديمقراطية والانتقال إلى وسائل أخرى، فضلا عن محالة قوى «الثورة المضادة في دول أخرى تقليد التجربة المصرية».

وأنحى بشارة في محاضرته المطولة باللائمة على النخب العربية التي أفشلت تجربة حكم الإسلاميين في بلدان الربيع العربي على حد قوله. وقال «فضلت النخب المناهضة للتحول الديمقراطي (…) تعبئة الناس ضدّ الخصم الإسلامي لإفشاله على الحوار معه أو الاكتفاء بمعارضته سياسيا».

وتعرض بشارة للتجربة المصرية بالاسم قائلا إن «جهاز الدولة القائم، أو ما يسمى هناك الدولة العميقة، لم يحترم نتائج الانتخابات ولم يتعاون مع الحاكم المنتخب، وحين توفرت القاعدة الشعبية المتضررة من مشكلات مرحلة التحول الصعبة وعدم استقرارها انقلب عليه».

ومن جهته تساءل الباحث المغربي امحمد جبرون «أليس من حقّ الإسلاميين أن يفشلوا؟» وأضاف أنّ هناك ضعفًا في الثقافة الديمقراطية العربية.

وأشار الباحث فهمي هويدي إلى أن عنوان «الديمقراطية والإسلام» يوحي بأنّ الإسلاميين يولدون غير ديمقراطيين، أو كأن الجميع ديمقراطيون ما عدا الإسلاميين، ثمّ أشار إلى معوقات فشل الإسلاميين في مصر، ومنها الأخطاء التي ارتكبوها، وهذا من حقهم، ثمّ دور القوى الدولية، ودور الدولة البيروقراطية أو الدولة العميقة. وأكد هويدي أنّ المقاومة الموجودة حاليا في الأمة دليل على أنّها حيّة ولم تمت، وعلى أنّ لديها رغبة في النهوض.

وبين الموقفين من فشل أو نجاح الإسلاميين في الحكم قال الباحث في جامعة توليدو الأميركية عويمر أنجم، «إن كان الإسلاميون قد فشلوا في الحفاظ على السلطة فقد نجحوا في تغيير الخطاب حتى لدى العلمانيين وكرسوا قيم المجتمع الإسلامي بشكل واضح في الحياة اليومية التي أعقبت الربيع العربي».

أما الباحث العراقي لقاء مكي فقد رأى أن «الإسلاميين لم يحظوا بالفرصة كاملة لإثبات النجاح أو الفشل». وذكر بأن «هؤلاء جاؤوا إلى الحكم مباشرة بعد الثورات فوضعوا أنفسهم في فوهة المدفع مواجهين خزانا من الغضب الشعبي والسلطة قاتلة في مثل هذه الأوقات» حسب تعبيره. وحول الفرص المقبلة للإسلاميين قال فهد الغفيص إن «الإسلام السياسي سيأخذ وقتا طويلا لكي يصبح قادرا على الحكم بعد تطوير نفسه».

أما حسني عبيدي فقد دعا الإسلاميين إلى «القيام بمراجعات فكرية عميقة تنتهي بانتقالهم من تبني الفكر الديني الفئوي إلى فكر الدولة والمواطنة المتساوية».

لكن الباحث الجزائري طيبي غماري رأى أن «حكم الإسلام السياسي ينتهي في أغلب الحالات إلى نهايات تراجيدية كتفكيك المجتمعات أو الحرب الأهلية». المؤتمر الذي انعقد في قطر (الراعي الإقليمي الأبرز للإخوان) وشهد تغطية واسعة من قناة الجزيرة (الجهاز الإعلامي المستنفر لخدمة الإسلاميين) ونظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، عرف حضور أسماء عديدة عرفت بانتمائها للتيارات الإسلامية أو على الأقل بالتعاطف الواضح معها، ونذكر هنا أمثلة الكاتب فهمي هويدي، والسوداني شمس الدين ضو، والمغربي امحمد جبرون إضافة إلى الباحث العراقي لقاء مكي الذي عين مؤخرا مسؤولا عن الملف العراقي في قناة الجزيرة ولكن القناة تحرصُ على تقديمه بصفته كاتبا ومحللا سياسيا.

والملاحظُ أن أغلب الورقات المقدمة، كانت تسير في اتجاه واحد بمساندة تيارات الإسلام السياسي، وبالبحث عن تبريرات أو أسباب للفشل، ولم تطرح أسئلة في العمق تهمّ مدى قدرة تلك التيارات على التأقلم مع مقتضيات الدولة الحديثة التي تقوم على قيم المواطنة بوصفها انتماء جماعيا راقيا، بدل الإيمان بصفته شأنا شخصيا، ولم تتجاسر على إبراز الأخطاء والهنات التي وقعت فيها التيارات الإسلامية، باستثناء بعض الورقات والتدخلات المقدمة، لكن الغالب على المؤتمر باعتبار برنامجه وجلساته العلمية كانت تصبّ في اتجاه واحد، أي البحث عن تأصيل سياسي وفكري لمشروع أو مشاريع الإسلام السياسي في المنطقة.

فالتساؤل- مثلا- «أليس من حق الإسلاميين أن يفشلوا»، يعكس نزوعا واضحا لتبرير الفشل واعتباره قدرا محتوما، بل أن الحركات الإسلامية من حقها أن تخطئ وهو ما من شأنه أن يضرب الثورات العربية التي قامت ضد الفساد والاستبداد في مقتل، ويعطي انطباعا إلى أن حكم الدول وإدارتها يمكن أن يخضع أيضا إلى قاعدة «التجربة والخطأ»، بدون أيّ اعتبار لما يمكن أن تقدمه الشعوب كثمن لذلك «الخطأ». لم يطرح المؤتمر كذلك الأسباب العميقة لفشل الإسلاميين أينما حلوا، بل سارعت أغلب الورقات إلى البحث عن ذلك في تعلاّت «الدولة العميقة» و»تآمر النخب العربية» وهو ما حرصت على اجتراره أسماء معروفة مثل عزمي بشارة أو فهمي هويدي، وهو ما يضع المؤتمر برمته (فضلا عن منظميه ورعاته) أمام سؤال ضخم؛ هل أنه نظّمَ لبحث ودراسة علاقة الإسلام السياسي بنظام الحكم الديمقراطي أم لتبرير الفشل بصيغ أكاديمية مزوّقة، وتقديم التيارات الإسلامية في شكل ضحايا للدسائس والمؤامرات؟

13