مؤتمر في بيروت حول التاريخ الشفوي

الجمعة 2014/02/28
جانب من المؤتمر الأول من نوعه في الثقافة العربية

بيروت- احتضنت بيروت، خلال الفترة الممتدة من 21 إلى 23 فبراير الجاري، المؤتمر السنوي الأول الذي نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان: “دور التاريخ الشفوي: المفهوم والمنهج وحقول البحث في المجال العربي”. وقد شهد اليوم الأول من المؤتمر الذي يعدّ الأول من نوعه على مستوى المنطقة عددا من الجلسات الأكاديمية التي ناقشت “إشكاليات التاريخ الشفوي” والتجارب المنجزة في هذا المضمار.

خلال الجلسة الأولى لمؤتمر التاريخ الشفوي، تساءل وجيه كوثراني المدير العلمي للمركز العربي فرع بيروت في كلمته الافتتاحية عن أهمية عقد المركز العربي لمؤتمر عن التاريخ الشفوي، وقال إن المركز ينطلق في هذا المشروع من ثوابت أهدافه وهي تعزيز البحث في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية، النظرية منها كما التطبيق، من حيث المفاهيم كما في الأعمال التجريبية والحقلية.

ولما كان التاريخ -كعلم وحقل بحث- هو أسُّ وجسر تقوم عليه وتعبر عليه معالجات علوم الإنسان والمجتمع، فإن حقله العام اتسع وضمّ حقولا فرعية. هذه الفروع استعارت عناوينها من شتى علوم الإنسان والمجتمع.

ذاكرات شفوية

أوضح وجيه كوثراني أنّ المركز العربي للأبحاث اعتمد صيغة الدعوة إلى هذا المؤتمر، وانعقاده في بيروت من أجل المساهمة في سدّ ثغرة على صعيد الممارسة التأريخية العربية، وهي أن يكون للشهادة الشفوية -بما هي تعبير مباشر عن ذاكرات لم يقدر لها أن تنتقل إلى مرحلة الكتابة- فرصة تحوّلها إلى تاريخ، وبأضعف الإيمان إلى أرشيف وإصدارات معتبرا أن هذا المؤتمر هو تذكير لمؤرخيه وباحثيه وجامعاته وأقسام التاريخ فيها بتطوير وتعزيز هذا الجانب. كذلك اعتبار أن الانفجار العربي الكبير الذي اشتعل، بعد الثورة التونسية، وسواء سمّينا هذا الانفجار ربيعا عربيا أو عصر ثورات أو انتفاضات أو فوضى، فإنه يؤسس لمرحلة تاريخية جديدة، وجدتها لا تقوم على ما سيتمخض عنه لاحقا، بل أيضا لما يكشفه وسيكشفه من ذاكرات مطموسة ومقموعة ومكبوتة.

وفي الجلسة الأولى تحدّث شون فيلد بورقة تحت عنوان “التعاطف والشعور والفرق: التاريخ الشفوي غداة العنف في جنوب أفريقيا وما بعد التمييز العنصري” دعا إلى تصوّر للتعاطف يتأسس على أشكال التمايز ضمن حواريات التاريخ الشفوي، لا بحثا عن مصالحــة مدبــّرة أو مساواة مــزيّفة.

وأن يقوم المؤرخون الشفويون بتيسير جهد الرواة في ترجمة مشاعرهم وتجاربهم عن عنف واضطهاد في الماضي إلى ذكريات يمكن الحديث عنها من خلال الاتصال والانقطاع المتأرجح بين الطرفين.

وركزت الباحثة مي صقيلي في مداخلتها التي جاءت بعنوان “توسيع حدود التاريخ: من التاريخ السردي إلى التاريخ التسجيلي” على حقلين يوفر التاريخ الشفوي فيهما قنوات بديلة قصّرت عنها السجلات التقليدية: التاريخ المفجع للفلسطينيين انطلاقا من هجر قراهم عام 1948 والرحلة المضنية التي سارت خلالها النساء بحثا عن مشاركتهن في الحياة الاجتماعية- السياسية.

وفحص إسماعيل الأعشر في ورقته “مسألة “الحقيقة” و “الزيف” في “السرديّات القسرية” ، مقابلات (اجتماعية، طلب لجوء، طلب علاج..) بحيث أجبر فيها جميع المعنيين على الكلام مداورة: بين السائل والمجيب.


تهميش الشفوي

تناولت الجلسة الثانية التي ترأسها عبدالرحيم بنحادة، الذي قدم لمحة عن إشكاليات التاريخ الشفوي، ثم عرض الباحث عبدالله إبراهيم أستاذ شرف التاريخ الأفريقي والإسلامي، جامعة ميسوري، الولايات المتحدة ورقة عنوانها “المخبرون: مؤرخون مثلي مثلك”، جدّد من خلالها النظر في العلاقة بين الإخباري والمخبر على ضوء ما استجدّ من معرفة بالخبر التاريخي بفضل علوم اللسانيات والتواصليات والأثنوجرافيا الجديدة.

يسلط المؤتمر الضوء على أهمية التاريخ الشفوي كميدان لا يحظى بالكثير من العناية في الأوساط العلمية

واختتمت الجلسة الثالثة بمداخلة للباحث المغربي عبدالرحيم الحسناوي تحت عنوان :”المصادر الشفوية أو الذاكراتية، ورهانات كتابة تاريخ المغرب الحاضر أو الراهن”، حاول فيها تأصيل تجربة التاريخ الشفوي في المغرب، مع كل ما تطرحه من إشكاليات ولا سيما مسألة الذاكرة أو المصدر الشفوي كمصدر مستثار من طرف المؤرخ.

كما حاول الحسناوي إبراز دور الشهادات الشفوية في كتابة تاريخ المغرب الحاضر أو الراهن، وأهميتها في تكوين أرشيف شفوي من شأنه أن يؤرخ للحدث المنسي وللذاكرة الجماعية، وأن يساهم في بناء المسارات الفردية والجماعية.

وقبل مناقشته كل هذه الأفكار وقف الباحث على السياق العام المؤطر لتجربة الانتقال إلى الراهن بالمغرب.

وإلى جانب الأهمية العلمية لما يقدمه المؤتمر فإن مجرد انعقاده يسلط الضوء على أهمية التاريخ الشفوي كميدان لا يحظى بالكثير من العناية في الأوساط العلمية الجامعية والثقافية العربية عموما.

وقد تكون فلسطين حالة خاصة أو استثناء في هذا المجال، فأشكال التاريخ الشفوي في فلسطين تبرز كتجليات “هوية ممانعة” تأبى أن تذوب أو تقتلع في مواجهة مشروع “تهويدها”.

14