مؤتمر لغوي في المغرب يحتفي بالقارة الأفريقية

تعد اللغة أهم جسر للتواصل وبالتالي لتحقيق النمو سواء على المستوى الفردي بما تمثله من أداة لتحصيل المعارف، أو على المستوى الجماعي لما تخلقه من تواصل بين الأفراد. وقد تعددت اللغات تعدد الأعراق البشرية وتطورت وتناسلت من بعضها البعض ممثلة إرثا حضاريا بشريا محوريا، لكن يبقى أن اللغة كما تؤثر تتأثر أيضا، وهذا ما شهدته العديد من اللغات مثل العربية واللغات الأفريقية التي تأثرت بالواقع الاقتصادي والسياسي فتراجعت، ما أدى إلى تراجع كلي. من هنا تأتي أهمية الحوار حول اللغات المتضررة والوقوف على الإشكالات التي تعانيها اليوم.
الخميس 2017/09/28
حوار بناء وحلول عملية

اختتمت الأربعاء بمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب في العاصمة المغربية الرباط، فعاليات المؤتمر الدولي حول موضوع “اللغات في أفريقيا- التهيئة اللغوية والمجالات الترابية “، المؤتمر الذي شارك فيه على مدى ثلاثة أيام ما يزيد على 50 باحثا ومهتما من أفريقيا وأوروبا والمغرب.

ندوات ونقاشات

حسب إدارة المؤتمر، الذي احتضنته جامعة محمد الخامس في الرباط أيام 25 و26 و27 سبتمبر الجاري، فإن هذا اللقاء الفكري والدراسي يأتي في سياق اهتمامات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالمسألة اللغوية عموما وبقضايا التعدد اللغوي في أبعادها الوطنية والدولية والقارية، وفي سياق الأبحاث الجامعية التي تنجز حول الصلات التاريخية بين العربية ومختلف اللغات الأفريقية الأخرى.

والتأمت خلال هذا الملتقى العلمي نخبة من الباحثين المغاربة والأفارقة المنتمين لمختلف الجامعات ومعاهد البحث الأفريقية، من ذوي الاختصاص في مجالات اللسانيات والتهيئة اللغوية والإعلام والإدارة وبيداغوجيا تدريس اللغات، من أجل معالجة مختلف القضايا ذات الصلة بالموضوع، إذ فضلا عن ثلاث محاضرات افتتاحية، توزعت الندوة إلى ثماني موائد مستديرة تتناول أهم القضايا المرتبطة بالموضوع، وهي على الخصوص “اللغة العربية في أفريقيا: عوامل الانتشار وآفاق التطوير”، و”مساهمة الهيئات الإقليمية والدولية في تدبير التعدد اللغوي والتنوع الثقافي في أفريقيا”، و”السياسات اللغوية في أفريقيا”.

كما ناقشت الموائد المستديرة أيضا مواضيع ترتبط بـ”الحقوق اللغوية وتدبير التعدد اللغوي والثقافي في أفريقيا”، و”كتابة اللغات الأفريقية بالحرف العربي وتحديات الحوسبة”، و”التعدد اللغوي في أفريقيا ومتطلبات التنمية”، و”البعدان الأمازيغي والحساني في الثقافة الأفريقية”، وكذلك “اللغات في أفريقيا: الهوية والانفتاح”.

مشاريع طموحة

في تصريح لـ”العرب” أكد لنا الدكتور محمد الفران، رئيس معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، بالرباط العاصمة، أنه لا يخفى على أحد اليوم أن الدول الأفريقية صارت تولي لغاتها الوطنيةَ أهميةً كبرى بعد أن وجدت نفسها أمام نظام تعليمي موروث هش ومهلهل، وهوية لغوية ثقافية مقموعة تعاني من الكبت والقهر، وأمية تزداد بازدياد النمو الديموغرافي.

محمد الفران: هشاشة التعليم في أفريقيا أخرت التطور السوسيوـ ثقافي والتنمية

وعلق الفران قائلا إن ما سلف ذكره من ملاحظات حول هشاشة التعليم في القارة السمراء ساهم، بشكل أو بآخر، في تأخير التطور السوسيوـ ثقافي وتعطيل عجلات التنمية المنشودة، وأنه بسبب ذلك صار لزاما على الحكومات الأفريقية بذل جهود كبيرة من أجل حماية لغات القارة وتهيئتها وتطويرها على المستوى الوطني أولا، والدولي ثانيا.

ودعا مدير معهد الدراسات والأبحاث للتعريب في المملكة المغربية، إلى العمل لأجل إنجاز أطلس لغوي أفريقي يحصر اللغات الأفريقية ويحمي ما هو مهدد منها بالانقراض والفناء، معلنا أن ذلك يتطلب تهيئة لغوية تعتمد البحوث والدراسات اللسانية من أجل وضع برنامج دقيق من حيث الأهداف، وواضح من حيث المراحل والمناهج والمشاريع، وكذا تشجيع ودعم المؤسسات الأفريقية ذات الصلة من أجل تحقيق المشاريع والورشات المرجوة.

وخلص الفران في تصريحه لنا إلى الدور الريادي لبلده المغرب، سواء في نموذجه المتعلق بالتعدد اللغوي والتنوع الثقافي، أو في ما يخص نشر اللغة العربية على المستوى الأفريقي في سياق نشره للدين الإسلامي الوسطي الخالي من التشدد والغلو، مشيرا إلى جهود معهد الدراسات والأبحاث للتعريب لأجل ترسيخ ونشر الحرف العربي في أفريقيا، من خلال وضع آلة خاصة تستطيع كتابة اللغات الأفريقية بالحروف العربية وتعميمها على المؤسسات الأفريقية.

من جهته، تطرق وزير الثقافة والاتصال، محمد الأعرج، في تصريح صحافي بالمناسبة، إلى أهمية موضوع اللغات في أفريقيا وما يتصل بها من حماية وتهيئة وتخطيط، إذ صار من أهم ما يهتم به الباحثون في قضايا اللغات عموما لما يمثله من بعد استراتيجي بالنسبة إلى القارة الأفريقية، مشيرا إلى أن اللغات واللهجات الأفريقية المتداولة بين سكان القارة، تشكل حوالي ألفي لغة ولهجة أي ما يمثل 30 بالمئة من مجموع اللغات واللهجات المتداولة في العالم اليوم.

وقال كاتب الدولة المكلف بقطاع التعليم العالي والبحث العلمي، خالد الصمدي، في كلمة تليت نيابة عنه، إن القارة مدعوة للعب دور محوري على الصعيد الدولي، خاصة بفضل الموارد البشرية الهائلة التي تتوفر عليها، مشددا على أهمية تأهيل هذا العنصر البشري من أجل الانخراط في مخططات تنموية واعدة، وعلى ضرورة ثقة بلدان القارة في قدراتها وتعزيز التعاون بينها، مستعرضا الإجراءات العملية للنهوض باللغة العربية والاهتمام بهندستها لتطوير استعمالها.

للإشارة فإن موضوع مؤتمر الرباط حول “اللغات في أفريقيا- التهيئة اللغوية والمجالات الترابية”، نال اهتمام الباحثين والمتخصصين في شؤون اللغة وعلومها من المغرب وأفريقيا وأوروبا، كما أن اللقاء كان فرصة لطرح عدد من قضايا التعدد اللغوي في القارة السمراء وارتباطه بمختلف المعارف والتخصصات، وهو التعدد اللغوي الذي وصفه الباحثون بأنه يجسد إرثا حضاريا إنسانيا وأداة للتواصل بين ما يزيد عن مليار نسمة.

وحسب الإحصائيين فإن اللغات الأفريقية قد غلب عليها التعايش بين مجموعتين من اللغات: اللغات الوطنية الأصلية المرتبطة بالهوية، واللغات الوافدة أو الموروثة عن الاستعمار كالفرنسية والإنكليزية والإسبانية والبرتغالية، بوصفها لغات تمثل نافذة على العالم ومصدرا للانفتاح على العالم الحديث.

وقد دعا معهد الدراسات والأبحاث للتعريب إلى الافتتاح الرسمي لفعاليات المؤتمر الدولي حول اللغات في أفريقيا عددا من المسؤولين السياسيين والإداريين في الحكومة المغربية يتقدمهم وزير الثقافة والاتصال والإعلام، والوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، الناطق باسم الحكومة، ومستشار كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، والأمين العام لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، هذا الأخير الذي بارك، في تصريح لـ”العرب”، الخطوات التي تسير بها المغرب وسط القارة الأفريقية بُغية خدمتها ورقيها لتكون في مستوى قارات العالم من حيث التنمية والازدهار لشعوبها.

15