مؤتمر للحوار بفيينا يدعو إلى ترسيخ سلم ديني عالمي مناهض للإرهاب

الخميس 2014/11/27
الزعماء الدينيون الذين حضروا المؤتمر اتفقوا على تبرئة الإسلام من إرهاب "داعش" في العراق وسوريا

فيينا - عُقد في العاصمة النمساوية فيينا، مؤخرا، مؤتمر مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين الأديان، بغاية دعم أسس التحاور بين أصحاب الديانات وتسليط الضوء على العنف والإرهاب اللذين يمارسه تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا باسم الإسلام، قصد إدانته وتأسيس سلم ديني عالمي يكون قادرا على ردّ شرّ الإرهاب والتصدّي له.

شهد المؤتمر حضور عدد من زعماء الأديان والطوائف الدينية من بينهم مفتي لبنان وعدد من رؤساء الطوائف المسيحية اللبنانيين على مختلف تفرعاتهم، ورجال دين مسلمون ومسيحيون من الأردن. كما شهد المؤتمر حضور ممثلين عن الأزهر ودار الإفتاء المصرية، وأحد رجال الدين الهندوس، وبطريرك الكلدان الكاثوليك في العراق والعالم، ورجال دين عراقيون من السنة والشيعة، وممثلون عن الفاتيكان والكنائس الأوروبية.

كما حضره من السعودية أحد أعضاء لجنة كبار العلماء ورجال دين آخرون، بالإضافة إلى رجال دين شيعة من العراق، وممثل عن البوذيين، وأحد أحبار اليهود، وممثل عن الديانة الإيزيدية، وهو قريب أمير الإيزيديّين في العراق. كما حضر الشيخ الموريتاني عبدالله بييه، الذي استقال من اتحاد علماء المسلمين الذي يترأسه يوسف القرضاوي، وذلك بعد كشفه عن تدخل هذا الاتحاد في السياسة.

وقد اُفتتح المؤتمر بكلمة ترحيبية، للشيخ فيصل المعمر، رئيس مركز الحوار، أكّد من خلالها على ضرورة أن يتحقّق الحوار خارج دائرة الانفعال الشخصي، مشيرا إلى الموضوع الرئيسي الذي عُقد من أجله المؤتمر، والمتعلّق بقضيّة النازحين من العراق (الموصل تحديدا) وسوريا، بسبب احتلال “داعش” وإرهابه لمناطق شاسعة من البلدين، خاصة المسيحيين الموصليّين والإيزيديين.

من ثمّة، ألقى أغلب الحضور مداخلات تناهض الإرهاب، دون أيّ تحفظ. وجرى الـتأكيد من قِبل الغالبية على أنّ أهم مصادر الإرهاب هي المناهج الدراسية (الدينية تحديدا)، والتي تروج إلى نشر أفكار الإقصاء والتعصّب مما يولّد ميلا لدى الطفل المُتعلّم لكراهية الآخر، لأسباب دينية أو مذهبيّة. كذلك تطرّق الحاضرون للحديث عن التطرّف باسم الدين وتأثيره الفكري على مسار التفكير الإنساني، ومحاولة فهم علاقة الدين بالعنف، من خلال قراءة النصوص وتفسيرها. وقد خلصوا إلى أنّ العيب ليس في النّص إنّما يكمنُ في توظيفه واستغلاله، خاصّة أنّ وجود النص في غير زمانه يكون جزءا من العنف وباعثا له.

جواد الخوئي: "المسلمون يتحملون القسط الأكبر في الدفاع عن دينهم"

في هذا السياق، أشار عماد الدين الرشيد، رئيس المجلس الوطني السوري، إلى أنّ مشكلة سوريا ذاتُ بعد سياسي، أكثر من تعلُّقها ببعد عقائدي ديني؛ فالقهر السياسي (أي قهر السلطة) أدّى إلى وجود هذه الجماعات وساهم في تلبّسها بالأفكار العنفية. أمّا الأب العراقي أمير ججو فقد ركز على كيفية إدارة الصراع بين الأديان، وأخذها كمنطق لدراسة الواقع، وما أفرزه من وجود للجماعات المتعصبة، مشيرا إلى أنّ العنف موجود في جلّ الديانات التوحيدية، شأن رجم المرأة والتمييز بين الناس على أساس الطهارة والنَّجاسة.

من جانبه أكد جواد الخوئي، الأمين العام المساعد لمؤسسة الإمام الخوئي، القادم من النجف، على المصارحة وإلغاء عقلية الإلغاء نفسها، موضحا “أنّ الكرة الآن في ملعب المسلمين، فأولئك الذين يُرهبون الناس يحملون راية الله والرسول، ولهذا يتحمل المسلمون القسط الأكبر في الدفاع عن دينهم ضد الإرهاب”، وفق تعبيره.

هذا وقد توزع المشاركون على ورشات عمل، كلّ منها بحث في موضوع من المواضيع المطروحة للنقاش شأن التمرين على الحوار وإشاعة ثقافته وتكريس العلاقة بين الدين والسلام، من ثمّة خرجت كلّ ورشة بتوصيات جمعت أخيراً في وثيقة عامّة صدرت عن المؤتمر.

وعلى الرغم من أنّ جلسات المؤتمر شهدت مشاركة شخصيات سياسية من الدول الأوروبية، ومن المعاضدين لجهود مركز الحوار، إلاّ أنّ الجميع رفض تسييس الدين، وبالتالي انصب الحديث ضدّ الإسلام السياسي، والتركيز على دولة المواطنة.

وفي هذا الإطار، أكّد الشيخ ماجد الحفيد، وهو أحد علماء الدين في السليمانية، وإمام مسجد فيها، “أنّ المتطرفين ليس لهم تاريخ في القرآن الكريم”، وهو ما يمكن ربطه بـ”داعش”، واستشهد على ذلك بآيات التسامح القاضية بنبذ التطرف والغلو في الدين، قائلا: “إذا دخل أحد المتطرفين إلى هذا القاعة وهو يريد السوء بالموجودين، فالأكيد أنه لن يميز بين شيعي وسنّي ولا بين مسيحي ومسلم، وقد وصل الحال بداعش أن باع النساء الإيزيديات وكأنّنا نعيش في عصر الإماء والعبيد”.

لويس روفائيل ساكو: "داعش وغيره يقدمون أنفسهم كمسلمين ويشوهون الإسلام"

وأضاف: “لقد أتت داعش من كل بلدان العالم، وهي نقمة على المسلمين”، وختم حديثة بصيحة ميّز من خلالها بين الدين والسياسة، حيث قال: “أنا أرفض أن تكون الدولة بيدنا نحن، رجال الدين، نحن نفقه في الحلال والحرام ولا علاقة لنا بالسياسة”.

أمّا الشيخ عبداللطيف هميم، من محافظة الأنبار، فقد قال بدوره: “أنا من محافظة مذبوحة من الوريد إلى الوريد، وأريد أن أدفع شبهة الإرهاب عن هذه المحافظة، فالإرهاب الذي نشهده ليس دينيا إنّما هو أيديولوجي، وهو بهذا المعنى حركة بشرية لا إلهية، عرفها الإنسان قبل الميلاد. فالإرهاب له أسباب متعددة اجتماعية واقتصادية وسياسية، أما بعده الديني فيتعلّق بمستوى توظيف النصّ الديني”، مشدّدا على “أنّ الإرهاب يظهر عندما تغييب الدولة، وهذا ما حدث في العراق وغيره من البلدان”.

من جانبه قال علي الحكيم، رئيس مؤسسة الحوار في بيروت: “إن مشكلة الغلو والتطرّف اللّذين يولّدان الإرهاب، تعدّ مشكلة معقدة ومخيفة جداً، حسب المعطيات على الأرض، وقد تحولت إلى سياسية دينية. وفي المجال الطائفي أو المذهبي فقد حمّلها السنة للشيعة والعكس بالعكس، ناهيك أن جلّ المشاكل الاجتماعية قد تحولت هي الأخرى إلى دينية”.

ويرى الحكيم أنه “من المناسب الانطلاق من دستور المدينة في عهد النبوة، وكذلك من كلمة علي بن أبي طالب لمالك الأشتر عندما ولاّه على مصر، وقال له: الناس صنفان أخ لك في الدين وأخ لك في الخلق”.

كما أوضح “أنّ الثقافة الدينية غير مشبعة بقراءة القرآن بشكل جيد، فترانا نعامل المسيحيين بغير ما جاء به القرآن، والقصد أن نصوصا مدنية وردت فيهم، تؤكد فصل الدين عن الدولة”.

بدوره، قدّم لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان في العراق والعالم، شرحا مفصلا عن أحوال المسيحيين في الموصل وبقية العراق، وناشد المجتمعين أن ينقذوا هذا الوجود الأصيل، المهدّد بالانقراض من سوريا والعراق، ووضع المشكلة أمام ضمائر المسلمين، كونهم الجماعة الأكثر عددا، مشيرا إلى “أنّ داعش وغيره يقدّمون أنفسهم على أنهم من المسلمين ويسيئون للإسلام، ولذلك وجب التصدي لهم”، مشيداً بالتعايش الطويل الذي اتسمت به أرض العراق التي طالما احتضنت جلّ أبنائها.

جانب من المؤتمر الذي سلط الضوء على المعاناة الإنسانية التي لحقت الإيزيديين وغيرهم من الأقليات في العراق وسوريا

كما أكّد رجل الدين الكردي السوري، مرشد الخزنوي، من جهته، على “ضرورة التخلّص من النصوص التي يُثير تفسيرها الإرهاب ويؤجج الكراهية، حيث أنه من الضروري ألّا يُقدم في المدارس الدينية، وألّا يعتد به”.

كما أشار في سياق متصل إلى “أن المال السياسي هو الذي يقف وراء الإرهاب ويدعمه”.

وفي ما يتعلّق بالحلول أوضح الخزنوي “أنّه لا مناص من مراجعة المناهج التعليمية وتشذيبها، وكذلك معالجة المشكلات الاجتماعية، وفي مقدمتها الفقر والجهل، فمَن يريد مواجهة الإرهاب، لا بد أن ينشئ فضائيات تدعو إلى السلام بين الأديان، وعليه أن يضع ضوابط قانونية للحدّ من العنف”.

وفي سياق متصل، أكّد الأب الأردني نبيل حداد على نفي تهمة الإرهاب عن الدين، مشيرا إلى أنّ لرجال الأديان دورهم في التطبيع بين الناس على أساس التعددية الدينية والمذهبية والعرقية، مؤكّدا على ضرورة أن ينزع المسيحيون شعور الأقلية عنهم.

وفي ختام المؤتمر، خلص جلّ الحاضرين من جميع الديانات والمذاهب والطوائف، إلى أنّ الإرهاب لا يختصّ بدين من الأديان أو بمذهب من المذاهب، وأقرّوا عددا من التوصيات التي تتعلّق بـ:

* الالتزام باعتماد أسلوب الحوار كأداة أساسية وفعالة في حلّ النزاعات.

* إدانة صريحة وكاملة لكل ما يتعرض له المواطنون في العراق وسوريا من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

* التضامن مع جميع المظلومين من جراء الأحداث وخصوصا النازحين والمشردين من بيوتهم وأوطانهم.

* رفض استغلال الدين في النزاعات أو الصراعات السياسية والاستيلاء عليه وعلى رموزه، واستعمالها من قِبل المتطرفين كوسيلة للتفرقة وسببا لفرض القهر والظلم.

عماد الدين الرشيد: "القهر السياسي أدى إلى وجود الجماعات المتشددة في سوريا"

* التأكيد على أن كل مكون ديني أو إثني أو ثقافي أو لغوي في هذه البلدان هو عنصر أصيل متجذر في تاريخها.

* الإشادة بتجربة العيش المشترك الإسلامي-المسيحي، على الرغم ممّا شابها من نكسات واضطرابات.

* الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان والحريات دون تمييز، وإيلاء حرية التعبير عن المعتقد وممارسة الشعائر الدينية انتباها خاصا.

* التمسك بالأمل، على الرغم من الصعوبات، والدعوة إلى عدم الوقوع في تجربة اليأس أو التوقف عن السعي من أجل بناء السلام، وإيجاد التفاهم السليم بين الأديان، ومناشدة جميع أهل الإيمان والنوايا الحسنة لتبني هذه المبادئ والتوصيات.

هذا وقد اتفق المشاركون في اللقاء الدولي “متحدون لمناهضة العنف باسم الدين”، على عدة برامج ومبادرات تسهم في ترسيخ الاتحاد من أجل مناهضة العنف باسم الدين ودعم التنوع الديني والثقافي في العراق وسوريا.

وأكدوا في بيانهم الختامي على شجب الصراعات أينما وقعت خاصة الأحداث المؤلمة والخطيرة التي تجري في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في العراق وسوريا.

كما أعلنوا عن رفضهم القاطع لكل أشكال العنف ولاسيما التي ترتكب باسم الدين لما يترتب عليها من أضرار بالتماسك الاجتماعي وتهديد لأمن وسلامة الأبرياء من المدنيين وتشريد لملايين اللاجئين والنازحين من مناطق النزاعات الجارية في مناطق كثيرة من العالم ومنها منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في سوريا والعراق.

تجدر الإشارة إلى أنّ مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين الأديان الذي نظّم المؤتمر، كان قد تأسس بفيينا سنة 2012 بمساهمة 25 دولة، وبمبادرة من الملك السعودي من أجل دعم قيم التسامح والحوار والتعايش في العالم.

13