مؤتمر مركز الإمارات للدراسات: إرهاب متعدد الأوجه يستفيد من أزمات الشرق الأوسط

الخميس 2015/04/02
الغزو الأميركي للعراق نتيجته هدم الدولة وإشعال حرب أهلية وهيمنة إيرانية ليتطور الأمر بظهور جماعات متطرفة

أبوظبي – مثّلت الأحداث الراهنة في المنطقة العربية، تجسيدا عمليّا للأطروحات والأفكار التي ناقشها خبراء ومسؤولون عرب ودوليون، يومي 30 و31 مارس، ضمن فعاليات الدورة العشرين للمؤتمر السنوي لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في أبوظبي. واتفق المشاركون على أن عنوان المؤتمر “الشرق الأوسط: تحولات الأدوار والمصالح والتحالفات”، يعكس حقيقة ما يجري في المنطقة اليوم. وفيما أرجع بعض الخبراء هذه التحولات إلى ثورات الربيع العربي، اعتبر آخرون، أن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم، هو امتداد للغزو الأميركي للعراق.

دعت مجموعة من الخبراء والسياسيين، خلال المؤتمر السنوي العشرين لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الذي انعقد، في أبوظبي، تحت عنوان “الشرق الأوسط.. تحولات الأدوار والمصالح والتحالفات”، الدول العربية إلى استثمار نجاح عملية “عاصفة الحزم”، لتفعيل التعاون العربي المشترك ولفرض إرادة عربية فيما يتعلّق بالملفات الخاصة بالمنطقة، بعيدا عن التصورات والحسابات الخارجية.

وناقش المؤتمر على مدى يومين القضايا الحيوية والاستراتيجية التي تعصف بالمنطقة وتداعياتها على المشهد السياسي والاستراتيجي الراهن في الشرق الأوسط، وتركزت أغلب المداخلات على تبدل المصالح والتحالفات بين دول التغيير العربية والقوى الإقليمية، وتطرقت إلى الأوضاع الراهنة في دول التغيير العربية، وتناولت الفرص والتحديات أمام التحالف الدولي ضد الإرهاب.

من بين المتحدّثين عن ثورات الربيع العربي بول سالم، نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الأميركية، الذي شارك بتقديم ورقة بحثية حملت عنوان “دول التغيير العربية والقوى الإقليمية: تبدُّل المصالح والتحالفات”. وأوضح بول سالم، في مداخلته التي حملت عنوان “المشهدالسياسي والاستراتيجي الراهن في الشرق الأوسط”، أن رياح التغيير لا تزال تعصف بالعالم العربي منذ انتفاضات عام 2011؛ وقد أسفر ذلك عن حدوث تغييرات سياسية عميقة في بعض هذه الدول، والدخول في دوامة الدول الفاشلة والحرب الأهلية في بعضها الآخر؛ كما تسبب ذلك في صعود “شبه دولة” إرهابية متطرِّفة في قلب المشرق العربي.

وهذا الوضع، شكّل أرضية مناسبة لدولة مثل إيران، لتتمدّد في الساحة العربية، وفق راغدة درغام، الرئيس التنفيذي لمعهد بيروت في لبنان. وترى درغام، في ورقتها التي حملت عنوان “الأوضاع الراهنة في دول التغييرالعربية”، أن ما يشهده كل من اليمن ومصر والعراق وسوريا وليبيا وتونس من تغيّرات وتحوّلات مهمة خلال السنوات الأخيرة في إطار ما يعرف بـ”الربيع العربي” كانت -ولا تزال- لها تداعيات تتعلق بعلاقات الدول الإقليمية والدولية، سواء على مستوى العلاقات العربية-العربية، أو على مستوى العلاقات مع القوى الإقليمية غير العربية، وفي مقدمتها إيران وتركيا.

وفي مداخلة حملت عنوان “الدولة الوطنية العربية في مواجهة تنظيمات ما دون الدولة” اعتبر عمرو الشوبكي، الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الدولة الوطنية العربية تعرّضت للتهديد، بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وظهر نوع جديد من التحديات يتمثل في ظهور تنظيمات “انتقامية”، وليست “عقائدية”. وازدهرت هذه التنظيمات في بيئة تشهد انحيازا طائفيا في العراق وسوريا.

محمد العرابي: مصر دافعت من أجل التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا على أساس بيان جنيف

القوة العربية المشتركة

باعتبارها الحدث، في الفترة الأخيرة، شكّلت عملية “عاصفة الحزم”، التي تقودها السعودية ودول عربية في اليمن، محور عدد من مداخلات المؤتمر،التي اهتمّت بالحديث عن ضرورة تطوير العمل العربي المشترك لتجاوز التحديات الإقليمية والدولية، ولفرض قوّة عربية قادرة على تقرير مصيرها بعيدا عن الإملاءات الخارجية التي قد لا تتوافق والرؤية العربية الخاصة.

في هذا السياق، تتنزل مداخلة أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، الذي أوضح أنه، وكنتيجة لتطورات ما عرف بالربيع العربي، بدأت جامعة الدول العربية تواجه تحديات من نوع جديد انبثقت من تعثر محاولات التغيير في عدد من البلدان العربية. وتمثل مأزق جامعة الدول العربية في التعامل مع هذه التطورات، خاصة في الدول التي شهدت انتهاكات خطرة في مجال حقوق الإنسان، مثل ليبيا وسوريا واليمن، في أن العمل قد درج على احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. لكن هذا المبدأ شهد اهتزازا بعد أحداث الربيع العربي، ثم بدأ يتم تجاوزه مع تفاقم خطر الإرهاب في الوطن العربي ككل، حيث وجدت الدول العربية نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف تجاه التطورات الداخلية في عدد منها. وأشار الباحث إلى أن الخطأ الفادح في تقديره، الذي ارتكبته الدول العربية في تعاملها مع الأزمة الليبية، هو طلب التدخل الأجنبي، حيث أوكل مجلس الجامعة مهمة التدخل إلى المنظمة الدولية؛ لينتهي الحال إلى تدخل يتحمل في جانب منه المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في ليبيا الآن.

وفيما يتعلق بالأزمة اليمنية؛ فقد كان التدخل خليجيا، ونجح في البداية في التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة من خلال المبادرة الخليجية، لكن طموحات الحوثيين، ورغبة إيران في التمدد، دفعتا إلى تصعيد الأمور إلى ما آلت إليه من تدخل عسكري سعودي غير مسبوق على رأس تحالف عربي إقليمي في الأزمة اليمنية، على نحو سرع من عملية إقرار القوة العربية المشتركة في قمة شرم الشيخ، وأعاد الأهمية إلى فكرة القوة العربية الموحّدة.

وقدم عبدالله الشايجي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، الأستاذ الزائر في جامعة جورج واشنطن- دولة الكويت، بحثا بعنوان “مستقبل العلاقات البينية العربية” وقال: لا يمكن الحديث عن مستقبل فعّال للعلاقات البينية العربية-العربية من دون المصارحة حول فشل العمل العربي المشترك. وأضاف الشايجي أنه يوجد تباين كبير حول القضايا الاستراتيجية والجوهرية، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن، حيث ينبغي الاعتراف بأن النظام العربي يفتقد مشروعا عربيا جامعا متوازنا يردع المشروعات الإقليمية والدولية، ثم إنه يوجد تراكم في الفشل العربي يغذيه تدخل القوى الإقليمية والدولية.

الحرب على كل أشكال الإرهاب

شدّد وزير الخارجية المصري الأسبق، محمد العرابي، في كلمته خلال افتتاح المؤتمر، على أن ما أفرزته السنوات القليلة الماضية، من سيولة سياسية شملت جميع أرجاء المنطقة، قد فتحت الباب أمام قوى إقليمية لممارسة سياسات تسعى إلى التمدد وإنقاذ الهيمنة والسيطرة داخل النظام الإقليمي العربي، وجاء ذلك بالخصم من نفوذ القوى العربية التقليدية التي أنهكتها تطورات الفترة الماضية، وهو ما حملها على الانكفاء على ذاتها في محاولة لترميم جبهاتها الداخلية وتحصينها أمام أي اختراقات خارجية.

التطور الذي تشهده الظاهرة الإرهابية يفرض تبنِّي رؤية استراتيجية جديدة تستطيع التصدِّي للإرهاب، ومواكبة ما يشهده من تحولات وتطورات خطرة

وفي ظل تلك الأوضاع، باتت الحاجة ملحة إلى تحقيق قدر معتبر من التنسيق العربي المشترك لمجابهة تلك الأخطار، تلك الرغبة انتقلت من مصاف الأماني إلى مصاف الفعل، ولعل اجتماع الإرادة العربية على إنشاء قوة عربية مشتركة يعد تجسيدا فعليا لتفاعل تلك الإرادة العربية مع ضرورات المرحلة، خاصة مع تعدد مكامن الخطر الآتي لم تعد قاصرة فقط على التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول العربية، وإنما تعدى ذلك ليشمل بروز تحديات من كيانات إرهابية خارجة عن الشرعية، وعن صحيح الدين، ترمي إلى تحقيق مخططاتها الرجعية.

وخطر هذه المخططات الرجعية، يتجاوز الدول العربية، وفق ما جاء في مداخلة ريتشارد باريت، النائب الأول لرئيس مجموعة صوفان الأميركية، إلى كل العالم الذي مازلت دوله وحكوماته النافذة بطيئة في تطوير وسائل جديدة في الحرب على مختلف أشكال الارهاب.

وأشار باريت إلى أنه في معظم أنحاء العالم، يُعدّ التهديد الفعلي المتأتي من الإرهاب للاستقرار السياسي والهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي في حدِّه الأدنى؛ ولكن في حالات أخرى تطوَّرت الجماعات الإرهابية حتى غدت حركات تمرد، بل “أشباه دُوَل”.

وأبرز مثال على ذلك تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تحدّثت عنه مداخلة فارس بن حزام، رئيس تحرير قناة العربية الإخبارية، والتي حملت عنوان “استراتيجيات التنظيمات الإرهابية: تحولات الفكر والممارسة”. ويعتبر بن حزام أننا اليوم أمام عالم جديد من الإرهاب في ممارساته وأساليبه، جسَّده في أوضح صورة تنظيم “داعش”، الذي يستعجل تحقيق النتائج، ويمارس وحشية غير مسبوقة .

ويفرض التطور الذي تشهده الظاهرة الإرهابية، وفق بن حزام، تبنِّي رؤية استراتيجية جديدة تستطيع التصدِّي للإرهاب، ومواكبة ما يشهده من تحولات وتطورات خطرة، ويجب أن تأخذ هذه الاستراتيجية في الاعتبار فارق الطموح بين تنظيمي “داعش” و”القاعدة”؛ فالأول يسعى إلى تحقيق نتائج فورية وسريعة، في حين لا يستعجل “القاعدة” النتائج، ويسعى إلى تحقيق أهدافه، ولاسيَّما فيما يتعلق بإقامة دولة الخلافة، في مراحل لاحقة.

وشدّد المشاركون في ختام المؤتمر، الذي استمرَّ يومين، بتوصيات مهمَّة لمواجهة التهديدات الفكرية والأيديولوجية والإرهابية والأمنية، التي تتعرَّض لها منطقة الشرق الأوسط، ورؤية استراتيجية ترسم خريطة طريق آمنة لبلدان المنطقة؛ من خلال تعزيز العلاقات البينية وتفعيل تكامل العمل العربي والخليجي المشترك، وتطوير آلياته بما يتلاءم مع ما تشهده المنطقة والعالم من تحولات الأدوار ومصالح الدول الإقليمية والكبرى والتحالفات السياسية والأمنية والاقتصادية الجديدة.

إقرأ أيضا:

فؤاد السنيورة: مستقبل المنطقة بيد قوى الاعتدال

6