مؤتمر "نداء تونس" يُدخل صراع الأجنحة في مأزق تنازع الشرعية

جناح حافظ قائد السبسي يعقد مؤتمرا موازيا، والسبسي الأب يلجأ لورقة "لم الشمل" للتصدي لمحاولات استبعاد نجله.
الاثنين 2019/04/15
رئيس الأمر الواقع

المؤتمر الانتخابي الذي نظمه حزب نداء تونس لم ينجح في جسر الانشقاقات والخلافات داخل الحزب كما كان مخططا، بل عمّق المؤتمر التصدعات وأفرز لجنة مركزية برأسين وصراعا بين حليفي الأمس حافظ قائد السبسي وسفيان طوبال.

تونس - أخذت الأزمة التي تعصف بما تبقى من حركة نداء تونس، منعرجا خطيرا عكسته الصراعات بين الأجنحة المُتنافرة التي تفجرت خلال المؤتمر الانتخابي الأول الذي تحول إلى منصة كشفت حجم التشوهات التي بلغت حدها الأقصى ببروز قيادتين تتنازعان الشرعية.

وأفرز هذا المؤتمر الذي استأنف السبت أعماله على مستوى اللجنة المركزية المُنتخبة، في مكانين مُختلفين، قيادتين تؤكد كل واحدة منهما أنها شرعية، حيث أعلن جناح حافظ قائد السبسي (نجل الرئيس) الذي واصل أعمال المؤتمر في مدينة المُنستير، انتخاب السبسي الابن رئيسا للجنة المركزية.

وبالتوازي، أعلن جناح سفيان طوبال الذي واصل أعمال المؤتمر في مدينة الحمامات الساحلية، التي تبعد عن مدينة المُنستير نحو 70 كلم، انتخابه رئيسا للجنة المركزية، وذلك في خطوة جعلت المشهد يزدحم بمشاهد تتجاوز فيها المُفارقات حالة العبث السياسي في البلاد.

فاطمة المسدي: النداء انتهى بعملية استيلاء مُمنهجة، وهذا ما راهنت عليه النهضة من البداية
فاطمة المسدي: النداء انتهى بعملية استيلاء مُمنهجة، وهذا ما راهنت عليه النهضة من البداية

ويُنظر إلى هذا التطور على أنه نتيجة طبيعية لمسار هذا المؤتمر الذي عرف تجاذبات حادة، ومناورات مُتعددة، للإطاحة بحافظ قائد السبسي بحجة “الإصلاح والتغيير”، وضخ دماء جديدة “في الحركة”.

وكشفت كواليس هذا المؤتمر التي تراكمت منذ انطلاق أعماله الأحد الماضي تحت شعار “الإصلاح والالتزام”، عن حجم تلك التجاذبات التي تحولت إلى توتر واحتقان خلال جلسته الافتتاحية التي تحدث فيها الرئيس الباجي قائد السبسي، حيث رُفع خلالها شعار “ارحل” في وجه السبسي الابن. ونجح المؤتمرون المحسوبون على جناح سفيان طوبال في انتخاب سميرة بن قدور بالقاضي رئيسا للمؤتمر، على عكس رغبة السبسي الابن الذي دفع برجل الأعمال عبدالرؤوف الخماسي لرئاسة المؤتمر، الأمر الذي ضاعف من حدة الاحتقان.

ثم ارتفع منسوب الاحتقان عندما انتخب المؤتمرون أعضاء اللجنة المركزية للحركة البالغ عددهم 217 عضوا، حيث عكست تركيبتها ضعف حضور الموالين للسبسي الابن، الذين لم يتجاوز عددهم 80 عضوا، ليجد السبسي الابن نفسه غير قادر على الحفاظ على منصب متقدم في الحركة، وفرض مرشحيه في هياكلها القيادية.

وتعمق مأزق السبسي الابن، أكثر فأكثر بإعلان عبدالرؤوف الخماسي عن تحالفه مع المناهضين له، أي جناح سفيان طوبال، وسلمى اللومي، وذلك وفق صفقة تقوم على توزيع المناصب القيادية بين هذا الثلاثي، بحيث يحصل الخماسي على رئاسة اللجنة المركزية، بينما ترأست سلمى اللومي الهيئة السياسية (32 عضوا)، فيما يتولى سفيان طوبال الأمانة العامة للحركة.

وأمام هذه التطورات، عمد السبسي الابن، إلى نقل أعمال المؤتمر من مدينة المنستير إلى تونس العاصمة، ولجأ إلى الطعن في نتائج انتخابات اللجنة المركزية، وذلك في مسعى لتغيير التحالفات بمساعدة أبيه الرئيس قائد السبسي الذي تدخل لنجدة نجله، وهو ما حصل حيث أعلن أربعة أعضاء من رئاسة المؤتمر عن وجود إخلال في عملية انتخاب اللجنة المركزية.

وتسارعت بعد ذلك الأحداث، حيث انقلبت موازين القوى، بعد أن نجح الرئيس قائد السبسي في تدخله لإنقاذ نجله حافظ الذي تم ضمه إلى أعضاء المكتب السياسي، إلى جانب إعلان عبدالرؤوف الخماسي تخليه عن سفيان طوبال، والاصطفاف إلى جانب السبسي الابن.

وعلى أساس ذلك، ترشح السبسي الابن لرئاسة اللجنة المركزية، في منافسة مع سفيان طوبال الذي تمسك بمواصلة أعمال المؤتمر في مدينة الحمامات، بينما دعا السبسي الابن إلى مواصلته في مدينة المنستير، لتبرز بذلك صورتان عكستا عمق الخلافات، والانقسامات.

وألقت هاتان الصورتان حجرا جديدا في مسار الصراع بين أجنحة هذه الحركة التي أسسها الرئيس الباجي قائد السبسي في العام 2012، لاسيما وأنهما تختزلان مُجمل الاضطرابات التي تم تطويعها لخدمة أجندات سياسية بمقاربات خاطئة، أملتها حسابات شخصية تُوصف بالانتهازية جعلت هذه الحركة تنشطر لتُفرخ أكثر من 5 أحزاب.

ولم يُفاجئ هذا التطور الذي دخله صراع الأجنحة في نداء تونس، المراقبين، باعتباره كان مُتوقعا بالنظر إلى سياق مُحاولات الأحزاب المُنافسة الأخرى، وبالتحديد منها حزب “تحيا تونس” المحسوب على رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، لإعادة تشكيل الخارطة السياسية بما يُضعف نداء تونس.

Thumbnail

والتقت تلك المُحاولات التي وجدت في مجموعة سفيان طوبال سندا يُمكنها من المزيد من خلخلة أركان ما تبقى من نداء تونس، مع مُناورات حركة النهضة الإسلامية التي لا تُخفي سعيها لإنهاك كافة الأحزاب الوسطية، لاسيما في هذه الفترة التي تسبق الانتخابات التشريعية والرئاسية.

وأمام هذا المشهد، لم تتردد النائبة البرلمانية عن حركة نداء تونس، فاطمة المسدي، في القول إن “نداء تونس” انتهى “وتم إهداؤه ليوسف الشاهد وحزب ‘تحيا تونس’، وكذلك أيضا لحركة النهضة”.

وتابعت قائلة في تصريحات صحافية، إن ما حصل هو “مؤامرة أحيكت بين عصابات النداء لافتكاكه”، لافتة في هذا السياق إلى أن “هناك نية مبيتة منذ البداية عملت من خلالها مجموعة لإعادة التوافق مع النهضة،…النداء انتهى بعملية استيلاء مُمنهجة،…وهذا ما راهنت عليه النهضة من البداية”.

ومن خلف هذا المشهد الضبابي، بدأ الرئيس قائد السبسي يتحرك لتوفير الغطاء لنجله، ملوحا بأوراق أخرى من شأنها تغيير التوازنات السياسية داخل هذه الحركة، منها ورقة مجموعة “لم الشمل” التي تدعو إلى إعادة الاعتبار لحركة نداء تونس من خلال لم شملها بعيدا عن تلك الحسابات والمناورات.

 ودفع تحرك الرئيس قائد السبسي، المراقبين إلى التساؤل عن الدور المُحتمل لمجموعة “لم الشمل”، وسط ترجيحات بأنها ستكون بمثابة “بيضة القبان” الكفيل بتعديل المسار في توازنات الصراع الحالي حول الشرعية، لاسيما وأنها تضم في صفوفها الكثير من المؤسسين منهم رضا بالحاج، ومنذر بالحاج علي، وبوجمعة الرميلي، ومصطفى التواتي، وعبدالستار المسعودي.

4