مؤرخ إسباني يفكك سر القوانين الإسلامية

المؤرخ الإسباني خوان مارتوس كيصادا يبحث عن الخصوصية التي طبعت المجتمعات الإسلامية وجعلتها مجتمعات لها قوانين ذات ميزة وطابع خاصين في كتابه "الفقه والقانون الإسلامي في الأندلس".
الأربعاء 2018/06/20
التاريخ لايزال شاهدا على تعايش الديانات في قرطبة

الرباط - من أهم ما عرفته الأندلس في فترة الحكم الإسلامي، انفتاحها على كل مختلف الديانات، واحترام الأمراء والحكام المسلمين لأهل تلك الديانات وتعاليمها، وتعاملهم مع معتنقيها بالحسنى، إلى درجة أن اليهود والمسيحيين، حسب المؤرخين، كانوا متجاورين مع المسلمين تربطهم مع بعضهم علاقات مصالح يشدها وثاق الاحترام والسلم والتعايش.

وقد بحث في هذا الموضوع في علاقته بالشريعة والقانون، المؤرخ الإسباني خوان مارتوس كيصادا في كتاب “الفقه والقانون الإسلامي في الأندلس”، الذي ترجمه إلى العربية، الدكتور إدريس الفخور، ونشرته دار ما بعد الحداثة للطباعة والنشر بمدينة فاس المغربية.

 

عرفت الأندلس تطورا شاملا لم يتوقف عند الآداب والفنون والفلسفة بل طال حتى المنظومة القانونية التي كانت تحكم سير المجتمع آنذاك، فكان القانون مستقلا عن السلطة وكان القضاة مبجلين وهم من يسنون القوانين التي تهتم بالفرد وخصوصياته.

بالإضافة إلى الدقة اللغوية والحمولة الفكرية التي يزخر بها، فإن كتاب “الفقه والقانون الإسلامي في الأندلس” ينطلق من فرضية محورية مفادها أن “أي دراسة تاريخية ينبغي أن تهتم بالعلاقة القائمة بين القانون والمجتمع والدولة..”، سعيا منها إلى “تحديد الخصوصية التي طبعت المجتمعات الإسلامية وجعلتها مجتمعات لها قوانين ذات ميزة وطابع خاصين ..”، وهي الخصائص التي تنبع، برأي المؤلف، من المكانة المركزية التي يحتلها الدين الإسلامي في المنظومة القانونية أيام حكم المسلمين للأندلس. ومن منطلق أن “القانون الإسلامي هو فقه وشريعة، ولذلك فهو لصيق بالخاصية الدينية”، الخاصية التي جعلت الباحث مارتوس كيصادا يحرص في مُؤلفه المذكور على إبرازها هي وغيرها من الخصائص، وربطها بالمراحل التاريخية الكبرى التي عرفها الحكم الإسلامي في الأندلس، بداء من فترة الفتح الإسلامي وحكم الأمويين، وفترة حكم ملوك الطوائف، مرورا بفترة سيادة المرابطين والموحدين، وصولا إلى مرحلة الحكم الناصري بغرناطة.

وتفسير ذلك عند الباحث الإسباني، حسب ما جاء في ترجمة إدريس الفخور، هو أن “مبدأ العالم الآخر والإيمان بحياة الآخرة”، الذي يسميه الكاتب بـ”المبدأ الما فوق دولي الذي يسمو على قوانين الدولة”، والذي “سوف يلون بطريقة خارقة كل المبادئ والقوانين والمؤسسات التي تنظم قواعد تطور الحياة اليومية وتسعى إلى البحث عن حلول للحاجيات الاجتماعية الملحة”، فرغم أن القانون يعبر عن معطى تاريخي، إلا أن الباحث الإسباني يشير إلى أن الطابع الديني يخترق كل جوانب المجتمع الإسلامي، الأمر الذي يجعل مهمة الدولة لا تقتصر على الحماية المادية للمجتمع فحسب، بل تُعنى أيضا بحمايته الروحية كذلك.

فبعد أن يربط الكاتب نشأة المنظومة القانونية الإسلامية بالمذاهب الفقهية الكبرى، وبعد أن يشير إلى الطبيعة التاريخية لتبلور وتطور المؤسسات القانونية في الحضارة الإسلامية، يُشيد بخاصية انفتاح الإسلام الحقيقي على السلم والإخاء بين كل معتنقي الديانات، وذلك من خلال تجربته التاريخية على شتى مظاهر ومصادر الكسب الإنساني، بما ينسجم ولا يتعارض مع ثوابته ومقاصده الكبرى، ثم يشيد المؤلف بالمكانة المتميزة التي أعطيت للفقهاء والقضاة في بلورة وتطوير التشريع القانوني، وهو ما يميز القانون الإسلامي عن باقي قوانين القرون الوسطى التي كان يهيمن الحاكم على وضعها.

 ومن أهم الخصائص التي يقف عندها الكاتب، من خلال مجموعة من التطبيقات والنماذج، خاصية “استقلال المجال القانوني تجاه السلطة السياسية في إسلام العصور الوسطى”، والمكانة المرموقة التي يحتلها القاضي في الإسلام، ذلك أن “شخصية القاضي في الشريعة والقانون الإسلامي تعد محورا هاما تدور حوله البنية القانونية بكاملها”.كتب

كما أن صلاحياته تتعدى كثيرا الصلاحيات الموكولة لنظرائه في التجارب الحضارية الأخرى، وهناك أيضا خاصية الاستشارة والشورى في كل ما يتصل بتدبير الشأن العام للمسلمين، بما في ذلك مجال القضاء.

وبجانب خاصية التسامح في العلاقة مع الذين اعترف لهم الإسلام بنظام قانوني خاص يحترم معتقداتهم وأعرافهم، هناك ما وصفه كيصادا بـ”الخاصية الفردية في مجال تطبيق القانون”، وذلك من منطلق أن القانون الإسلامي يُعد نتاجا للضمير والأخلاق أكثر من كونه نتاجا لتنظيم اجتماعي، ومن ثم لم يكن مرتبطا بالضرورة بإقليم معين.

كما أن من الخصائص المميزة للقانون الإسلامي في الأندلس المسلمة، أن “مؤلفات القوانين التطبيقية عرفت تطورا وأهمية بالغة، فالأدب القانوني الأندلسي يُعد بدرجة أولى “أدبا تطبيقيا وبرغماتيا يروم حل مشكلات معينة وإيجاد حلول ملموسة ودقيقة..”، وهو ما عكسته “كتب النوازل” وفي مقدمتها كتاب “النوازل” لابن سهل الأندلسي، و”كتاب المعيار” للمغربي الونشريسي، بالإضافة إلى رسائل “الحسبة”، التي تعد بمثابة أعمال تطبيقية يتخذها نظار السوق كدليل لمساعدتهم في القيام بمهمتهم.

14