مؤرخ عراقي: لا أحد سيؤثر في إيران غير العرب

يرى الباحث والمؤرخ نزار الحديثي أن الصراعات التي تشهدها دول المنطقة العربية اليوم، ومن بينها بلده العراق، سببها الرئيسي القوة البشرية في هذه المنطقة، فمن وجهة نظره، التي بينها في حوار مع “العرب”، المعركة ليس ميدانها الدين ولا البترول وإنما ميدانها الإنسان. وتوقع أن ينتهي تنظيم داعش لكن، وكما حدث مع القاعدة في العراق، هذه النهاية ليست استئصالا بلا عودة بل هو في مرحلة تبديل الوجوه وإعادة التأهيل وسيظهر في مكان جديد وبصيغة جديدة.
الأحد 2016/08/28
نيران لن تخدم قريبا

عمان – يعتقد نزار عبداللطيف الحديثي، الذي شغل مناصب عديدة في العراق قبل الاحتلال، آخرها نائب رئيس المجمع العلمي العراقي، أن إيران جراب ينفخ فيه نفّاخون عديدون أبرزهم الولايات المتحدة، فيما يأتي الروس في آخر القائمة.

وقال، في حوار لـ”العرب” خلال زيارته للعاصمة الأردنية عمّان، إن النظام الروسي يسلك في تعامله مع إيران نفس النهج الخاطئ الذي انتهجه الاتحاد السوفييتي، مع جمهورية مهاباد الكردية، التي ساعد السوفييت على تأسيسها شمال إيران في 1946، ثم سرعان ما انهارت بانهيار الاتحاد السوفييتي.

ويضيف “إذا استعرت من ماوتسي تونغ جوابه لكيسنجر عن سبب وجود الصين في إيران الشاه فأستطيع أن أقول إن لا أحد يؤثر في إيران غير العرب، وإن الوجود الآخر يرقبنا نحن.. يرقب حركة القومية العربية”.

واستشهد الحديثي، الذي كان عميدا لمعهد الدراسات القومية والاشتراكية في الجامعة المستنصرية وعميدا لكلية الآداب في جامعة بغداد حتى الاحتلال الأميركي للعراق، لإثبات أن إيران تحلم ولكن ليس كل حلم يتحقق، بالقول “هم مستلقون على عتبة الرحى التي قتل فيها آخر ملوك الأكاسرة ويريدون إبقاء العرب مستلقين على عتبة سقيفة بني ساعدة، لكن التاريخ يمضي ومن لا يواكبه ينزوي”.

رفض الحديثي القول إن إيران تعمل بنحو مستقل عن الولايات المتحدة الأميركية، فهو يرى أن الإيرانيين على صلة وثيقة بالأميركيين، واصفا دورهم في الحرب على أفغانستان وأيضا في الحرب الأميركية على العراق بأنه دور قذر كانت له أهميته بالنسبة إلى واشنطن باعتراف القادة الإيرانيين والأميركان أنفسهم.

وقال “إيران بنت الغرب، الذي خلق النموذج الإيراني قبل أن يخلق اسرائيل في فلسطين، فالدولة الصفوية تأسست في القرن السادس عشر بجهود جاسوسين إنكليزيين شقيقين، وتحويل إيران من المذهب السني إلى المذهب الشيعي تم بتخطيط هذين الجاسوسين، والغرب يعتبر إيران نموذجه، الذي عندما نجح طبّقه في فلسطين بصيغة أخرى”.

وأرجع الحديثي سبب خلق الغرب لإيران إلى أنه في القرنين الخامس والسادس عشر وصلت الدولة العثمانية إلى فينّا، وتم عقد مؤتمر في أوروبا لتدارس كيفية مواجهة المسلمين العثمانيين، فصار الرأي أن كل واحد يستطيع أن يواجهه بطريقته الخاصة: القائد العسكري ماذا يبتكر؟ الاقتصاديون والسياسيون، وغير ذلك.

وقال الجواسيس “إذا نجحنا في إيجاد قوة تضرب الدولة العثمانية من الخلف نكون قد فرضنا عليها الانسحاب، فجاء الأخوان أنطوني شارلي وجوني شارلي واتصلا بالصفويين، والصفويون ليسوا إيرانيين وإنما هم أفغانيو الأصل، وهم فرقة من الدراويش”.

ايران بنت الغرب، الذي خلق النموذج الإيراني قبل أن يخلق اسرائيل في فلسطين، فالدولة الصفوية تأسست في القرن السادس عشر بجهود جاسوسين إنكليزيين شقيقين، وتحويل إيران من المذهب السني إلى المذهب الشيعي تم بتخطيط هذين الجاسوسين

وأضاف المؤرخ العراقي “أقنع الأخوان شارلي الصفويين بالتحول إلى المذهب الشيعي. وعندما دفعوهم إلى الحرب مع العثمانيين اعترض الصفويون وقالوا إن العثمانيين على الإسلام فكيف نحاربهم؟ قال لهم الجاسوسان: نعم، لكنهم سنة وأنتم شيعة، ولكم الحق في أن تحاربوهم. فبدأ الصفويون يضربون الدولة العثمانية من الخلف، ولهذا السبب اضطرت الدولة العثمانية إلى الانسحاب من أوروبا الوسطى باتجاه الشرق”.

أميركا فشلت في العراق

يركز الحديثي على أن الحدث الرئيس الذي يتحكم في المنطقة هو القضية الفلسطينية، ويقول “لو تابعنا السياسات العالمية في المنطقة، منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن لوجدنا أن هذه القضية هي التي تتحكم بالمتغيرات في المنطقة مهما كانت درجة قربها أو بعدها جغرافيا عن فلسطين”.

على هذا الأساس، وبما أن القضية الفلسطينية حتى الآن لم تحظ بسياسات تؤدي إلى حلها وفقا لمنطق الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني فمعنى هذا أن المنطقة، وفق الحديثي، سوف تظل تشهد تغيرات وتحولات ليس بالضرورة بالصفة نفسها التي حصلت في العراق في عام 2003، وإنما بصفات أخرى.

وقال “نعرف أن الغزو الأميركي للعراق لم يكن للحجج كلها التي أعلنتها الإدارة الأميركية قبل الغزو، فقد أثبت الواقع (الذي كان يتحكم في تفاصيله وحركته الأميركان) أن هذه الشعارات كانت كاذبة والغرض منها تضليل الرأي العام العالمي”.

وأضاف “المشروع الأميركي في العراق، لم يحقق أهدافه. وأدى هذا الفشل إلى تأجيج نوع من الشعور بأن هناك قدرة على مواجهة أميركا، وليس كما كان يروج عن عدم وجود القدرة على مقاومتها”.

كتابة تاريخ المستقبل

أكد نزار الحديثي، وهو أستاذ تاريخ العرب في كلية الآداب بجامعة صنعاء، حاليا، أن لا أحد يستطيع كتابة تاريخ المستقبل، فالتاريخ حدث والمستقبل مازال مجرد زمن ليس فيه أحداث لنكتبها، لكننا مطالبون بأن نتحدث عنه، وحديثنا يبقى مجرد احتمالات.

ولا يستغرب الحديثي، بصفته مؤرخا، من أن العراقيين القدماء اعتبروا المستقبل خلف رؤوسهم لأن العين لا تراه فهو لم يتحقق بينما اعتبروا الماضي أمام رؤوسهم لأنه تحقق وعيونهم تراه. ويقول “نستطيع أن نتحاور في المستقبل فامتلاك معلومات عن سكان بلد ما وتصنيفهم العمري وقوة الإخصاب لديهم وعادات الزواج تمكننا من تصور مستقبل ذلك البلد.

نزار الحديثي: إيران مستلقية على عتبة الرحى التي قتلت آخر ملوك الأكاسرة وتريد إبقاء العرب عند سقيفة بني ساعدة، لكن التاريخ يمضي ومن لا يواكبه ينزوي
وإذا امتلكنا معلومات عن موارده ومساحة أرضه وكفاية مياهه نستطيع أن نضع فرضيات لمستقبله، وهذا المنهج ينطبق على بقية الأمور التي نريد أن نعرف مستقبلها، فالغرب يؤجج الحروب في منطقتنا لإدراكه حجم التطور في كثافتها السكانية، خاصة الفئة الشابة، فهو بحروبه وأسلحته التدميرية والتشتيت الثقافي إنما يتعامل لأجل المستقبل، والعراق يخضع لهذه المنهجية”. ويرى في الثوابت (الإنسان والموارد والأرض والمياه) عوامل إيجابية وأن سياسة النظام، الذي كان قائما في العراق قبل الاحتلال، حققت الكثير في مسألة التوازن بين الأرض والمياه والإنسان.

وكان الحديثي قد نبه باستمرار إلى هذه المسألة، قبل احتلال أميركا للعراق، وأكد، حينها، أن العراق أصبح في دائرة الخطر وفي منطقة النار، كما شدد، وقتها، على أن ما ينقص خصوم العراق الكبار والصغار أنهم لا يملكون مثل عمقه الحضاري والتاريخي، ولهذا كان الحديثي في كل ما صدر عنه قبل الاحتلال متفائلا بالمستقبل.

ويقول “المعركة من وجهة نظري ليس ميدانها الدين ولا البترول وإنما ميدانها الإنسان، وهذا ما قلته في كتابي (الأمة العربية والتحدي) وأكدت أن الخصوم يستهدفون الإنسان العراقي الذي يفاجئهم، وقد بدأت المفاجآت، فعلا، في ملعب الشعب وعلى جسر الأئمة وفي تظاهرات واعتصامات التحرير، وقد أسقطت هذه المفاجآت رهانات أميركا والساسة في المنطقة الخضراء والعمائم على اختلاف ألوانها وأشكالها”.

من صنع داعش

وصف نزار الحديثي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بأنه لقيط سني ولد إيرانيا ونما أميركيا ثم أصبح وكيلا عاما لتنفيذ محاولات القتل، ويبشر بأن دور داعش انتهى، ولكنه، في الوقت نفسه، يحذر من أنه، الآن، في مرحلة تبديل الوجوه وإعادة التأهيل وسيظهر في مكان جديد وبصيغة جديدة.

وقال “في عام 1984 قدمت بحثا عن مستقبل المنطقة في ندوة علمية عالمية بمركز دراسات الخليج في جامعة البصرة قلت فيه إن مستقبل المنطقة يرتبط بنفط آسيا الوسطى، فأمام أميركا خياران: إما جنوبا نحو المحيط الهندي وهو ممر غير آمن لأسباب كثيرة، وإما غربا نحو البحر المتوسط وهو ما رجحته لأنه خط الهجرة عبر التاريخ وخط الحج وخط طريق الحرير وفيه تنوع اثني وديني كبير تسهل فيه عليهم عملية التفتيت، وبما أن الغرب (خاصة بريطانيا) يمتلك تراثا من العمل وسط هذه الجماعات فإنه يستطيع أن يخلق قوى حليفة كثيرة تسهّل مصالحه”.

المنطقة، وفق الحديثي، سوف تظل تشهد تغيرات وتحولات ليس بالضرورة بالصفة نفسها التي حصلت في العراق في عام 2003، وإنما بصفات أخرى

وأضاف “هذا ما حدث؟ ظهر تنظيم داعش وامتد أسرع من النار وتحرك الغرب كله. ينزل الأميركان في سنجار وينزل الحلف الأطلسي في كردستان وتتقدم تشكيلات الأكراد جنوبا وغربا لتصل إلى القائم، فيما تشكيلات عراقية تقاتل في سوريا إلى جانب تشكيلات إيرانية ولبنانية، وهناك أفواج يزيدية ومسيحية وتركمانية وأشكال التشكيلات السورية والأيام المقبلة حبلى بولادة تشكيلات محيرة”.

وفي هذه الأجواء تختلط الأمور، وفق الحديثي، الذي واصل رصده قائلا “أميركا تقاتل جوا وعلى الأرض ومعها فرنسا وبريطانيا وروسيا وتركيا وإيران، وتحرك هذه الفوضى واشنطن من قواعدها، وروسيا من القرم وعندما يتفق الروس والأميركان ويجلسان على الطاولة لتوقيع الاتفاق سنرى صورة شبيهة لصورة حلفاء الحرب العالمية الأولى ولكن ليس برموز تلك الدول كلها، أما الصغار الذين يطاردون على العصي فلن تراهم لأنهم أدوات قذرة استخدمت وانتهى دورها”.

يريدون استئصال العرب

أنهى نزار الحديثي الحوار قائلا “كنت أعتقد ولازلت أعتقد أننا نعيش في أجندة كامبل بنرمان، وأعتقد أن فيها قرارا سريا لم يعلن مفاده إذا فشلت القرارات كلها في تدمير العرب وإنهائهم فلا مفر من حرب الأنواع، وها نحن أمام حرب بين النوع الأصيل للإنسان العاقل وبين النوع الهجين.

نحن العرب نمثل الجين الأصيل للإنسان العاقل وحرب الآخرين علينا تقصد استئصالنا. أنظروا ما حدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا.. أنظروا إلى الثقافة الأوروبية المصدرة إلينا.. أنظروا إلى سياساتهم وقولوا لي إنك على خطأ”.
4